من منزله في لوس أنجلوس وبميزانية لا تتجاوز 20 ألف دولار وبتشكيلة واسعة من أدوات الذكاء الاصطناعي نجح الأميركي “ماثيو غالاغر” في تحويل فكرته إلى واحدة من أسرع الشركات الناشئة نمواً في قطاع الصحة الرقمية محققاً مبيعات تقترب من 1.8 مليار دولار بعاملين فقط.
اعتمد غالاغر، البالغ 41 عاماً، على الذكاء الاصطناعي في كل شيء تقريباً: من كتابة أكواد البرمجة وبناء موقع شركته “ميدفي” (Medvi)، إلى صياغة المحتوى الإعلاني، وإنشاء الصور والفيديوهات، وإدارة خدمة العملاء، وحتى بناء أنظمة تحليل أداء الشركة. أما ما لا يستطيع فعله بنفسه، فكان يستعين فيه بكيانات خارجية، وفقاً لما ذكرته “نيويورك تايمز”.
توفر “ميدفي” وهي منصة للصحة الرقمية، أدوية نقص الوزن من فئة “GLP‑1” عبر الإنترنت وخلال شهرها الأول، جذبت 300 عميل، ثم قفز العدد إلى 1000 عميل في الشهر الثاني. وفي عامها التشغيلي الأول، 2025، بلغت مبيعاتها 401 مليون دولار.
بعد هذه الانطلاقة، لم يضم غالاغر موظفاً تقليدياً، بل استعان بشقيقه الأصغر إليوت ليصبح الموظف الثاني ومنذ ذلك الحين، واصلت الشركة النمو حتى أصبحت على وشك تخطي 1.8 مليار دولار في مبيعات 2026.
الفكرة التي تنبأ بها سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـOpenAI، قبل عامين – “شركة من شخص واحد بقيمة مليار دولار بفضل الذكاء الاصطناعي” – تحققت تقريباً مع غالاغر. ألتمان نفسه قال لاحقاً إنه يرغب في “لقاء هذا الرجل”.
ورغم أن “ميدفي” ليست شركة من شخص واحد تماماً – فهي تعتمد على متعاقدين خارجيين وتضم موظفين – إلا أنها تمثل نموذجاً صارخاً على ما يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي في تسريع نمو الشركات وتقليص الحاجة إلى الموارد البشرية.
تنقل غالاغر خلال نشأته بين سيارات وموتيلات قبل أن يستقر في “سينسيناتي”. هناك حصل على أول جهاز حاسوب من عمه، وتعلم البرمجة بنفسه ليصنع صفحة لمعجبي النجم الكوميدي “ويرد أل يانكوفيتش”.
بدأ في بناء مواقع للشركات المحلية، وبيع سلع غريبة مثل السيوف اليابانية على eBay، وأنشأ شركة صغيرة لاستضافة المواقع باعها مقابل 6000 دولار وهو في ال18 من عمره.
لاحقاً جرب التمثيل في لوس أنجلوس، ثم عاد إلى البرمجة، وأنشأ شركة ساعات اشتراك اسمها “Watch Gang”، لكنها لم تحقق أرباحاً رغم توظيف 60 شخصاً ومع ظهور ChatGPT في 2022، بدأت علاقة غالاغر الجدية بالذكاء الاصطناعي.
أداة سحرية.. وفكرة جاهزة للانطلاق
في 2024، تعرف غالاغر على جايتن تشابرا مؤسس “كير فاليديت”، وهي منصة طب افتراضي جاهزة للاستخدام، تربط العملاء بالأطباء والصيدليات لإجراء الفحوصات والوصفات والشحن.
استفاد غالاغر من المنصة لبدء مشروعه الخاص في أدوية نقص الوزن GLP‑1، على غرار شركات كبرى مثل “Hims” و”Ro”، لكنه استخدم الذكاء الاصطناعي لتقليص التكلفة وتسريع العمل.
وبمساعدة “ChatGPT” و”كلود” و”غروك” قام ببناء الموقع الإلكتروني الخاص به، فيما اعتمد على أدوات من “Midjourney” و”Runway” لإنشاء الصور والفيديوهات، و”ElevenLabs” لصوت خدمة العملاء وبمزيج من هذه الأدوات استطاع بناء الشركة خلال شهرين فقط.
كان ذلك بالتزامن مع ارتفاع الطلب الأميركي على أدوية إنقاص الوزن بأسعار أقل ومن دون زيارة الطبيب، وهو ما حقق ل”ميدفي” انطلاقة مثالية.
سرعان ما أصبحت “ميدفي” من أكبر عملاء “كير فاليديت” و”أوبن لووب” وحتى مدراء هذه الشركات لم يصدقوا أن شخصاً واحداً يدير عمليات بملايين الدولارات يومياً.
لكن النجاح لم يخل من مشكلات. فقد كان روبوت خدمة العملاء يختلق أحياناً أسعاراً غير موجودة، أو يعلن منتجات لا تبيعها الشركة. وعندما يطلب العملاء الحديث مع موظف حقيقي، كانت المكالمات تحول مباشرة إلى هاتف غالاغر، الذي استقبل أكثر من ألف مكالمة بنفسه.
وللتعامل مع ذلك، دمج أنظمة خدمة العملاء من شركاء الطبيب الافتراضي، واستعان بمحامين ومحاسبين وشركات إعلانات بدلاً من أدوات الذكاء الاصطناعي في بعض المهام.
ورغم هذه الضغوط، كان يصر على عدم توظيف أحد… إلى أن قرر في نيسان الماضي ضم شقيقه إليوت لتخفيف الحمل عنه.
بنهاية 2025، وصل عدد عملاء “ميدفي” إلى 250 ألفاً، وبلغت أرباحها الصافية 65 مليون دولار بهامش 16.2% مقارنة ب5.5% فقط تحققها شركة Hims المدرجة في البورصة.
قال غالاغر إن أرباحه الشخصية تتراوح بين 70 و80 مليون دولار، والتي أصبح لها معنى كبير بالنظر إلى طفولته الفقيرة. وقد أسس مؤسسة خيرية بمليون دولار، وتبرع لجمعيات رعاية الحيوانات والمشردين، ويستثمر للمتعة في الأفلام والتحف التاريخية.
رغم كل شيء، لا يخطط غالاغر لتوظيف المزيد. لكنه يعترف بصراحة: “أفكر أحياناً في توظيف أشخاص فقط لأنني أشعر بالوحدة.”
ومع ذلك، فإن بعض المهام ما تزال بحاجة للمسة بشرية ففي أيلول الماضي، بدأت “ميدفي” تعيين مديري حسابات بشريين لعدد من العملاء، كل منهم يخدم مئات المستخدمين لكنهم بدورهم يعتمدون على الذكاء الاصطناعي لإدارة هذا الكم الضخم من العلاقات.
المصدر: العربية Business
