في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية بفعل تراجع قيمة العملة واستمرار الضغوط التضخمية، تكشف تقارير أممية عن تصاعد في تكلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق، ما يعكس فجوة متنامية بين مستويات الدخل والأسعار، ويضع شريحة واسعة من المواطنين أمام تحديات معيشية.
وخلال شباط 2026، بلغ متوسط تكلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق (SMEB) نحو 169 دولاراً أميركياً (1,973,560 ليرة سورية قديمة أو 19,735 ليرة جديدة)، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 2 بالمئة بالدولار الأميركي و4 بالمئة بالليرة السورية مقارنة بتشرين الأول 2025، نتيجة تراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار الفعلية.
وعلى مستوى المناطق، سجلت المنطقتان الوسطى والجنوبية أعلى زيادة بالدولار الأميركي، إذ وصلت تكلفة السلة إلى 175 دولاراً، تلتهما منطقة الجزيرة عند 172 دولاراً، في حين انخفضت في الشمال السوري إلى 156 دولاراً (1,825,200 ليرة سورية قديمة أو 18,252 ليرة جديدة، أو 6,858 ليرة تركية المتداولة في المنطقة).
ورغم تباطؤ وتيرة تراجع قيمة العملة، فإن الضغوط التضخمية الحقيقية واصلت دفع الأسعار نحو الارتفاع في مختلف المناطق.
وسلة الإنفاق مؤشر يحدد الحد الأدنى من السلع والخدمات الأساسية التي تحتاجها أسرة مكونة من ستة أفراد لمدة شهر واحد لتأمين معيشة كافية ضمن المعايير المحلية.
وتشمل السلة المواد الغذائية مثل الخبز والخضروات والفواكه والزيوت والدواجن وغيرها، إضافة إلى السلع غير الغذائية الأساسية مثل المنظفات، فضلاً عن المياه والمحروقات وخدمات الاتصالات الأساسية.
ويُستخدم هذا المؤشر لتقييم القدرة الشرائية وانعكاس آثار التضخم وتراجع قيمة العملة.
وجاءت هذه البيانات بحسب “Reach Initiative”، وهي مبادرة إنسانية متخصصة في جمع وتحليل البيانات الميدانية لدعم الاستجابة الإنسانية، تعمل بالشراكة مع الأمم المتحدة ومنظمات دولية، وتصدر مؤشرات دورية حول الأسواق واحتياجات السكان.
واعتمدت البيانات على سعر صرف يبلغ نحو 11,700 ليرة قديمة أو 117 ليرة جديدة للدولار، وهو متوسط السعر في شباط 2026، علماً أن الليرة السورية تراجعت لاحقاً لتصل حالياً إلى نحو 12,400 ليرة قديمة أو 124 ليرة جديدة للدولار.
الحد الأدنى للجوع
رأى الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، أن الأرقام الواردة في التقرير تعكس مؤشرات خطرة، إذ إن نحو 60 بالمئة من الموظفين تتراوح رواتبهم حول 100 دولار، فيما تحصل شريحة أخرى على 150 دولاراً شهرياً، لكن بطبيعة الحال فإن الشريحتين لا تصلان إلى الحد الأدنى المسجل في التقرير. ويشير الدبس إلى أن الغالبية العظمى من المواطنين اليوم تقع تحت ما يمكن تسميته الحد الأدنى للجوع، وليس الفقر فقط، فالفقر يُقصد به المعيشة الضعيفة وغير الكريمة ضمن الحدود الدنيا، بينما الحد الأدنى للجوع هو أي دخل يقل عن 169 دولاراً وفق ما ورد التقرير الأممي.
ومؤخراً، صدر المرسوم الرئاسي رقم 67 لعام 2026، الذي نص على رفع الحد الأدنى العام للأجور لعمال القطاع العام والخاص والتعاوني والمشترك، غير المشمولين بأحكام القانون الأساسي للعاملين بالدولة رقم 50 لعام 2004 وتعديلاته، ليصبح 12,560 ليرة جديدة (1,256,000 ليرة قديمة) شهرياً، أي ما يعادل أكثر من 100 دولار أميركي وفق أسعار الصرف الحالية.
وكان حاكم مصرف سوريا المركزي، الدكتور عبد القادر الحصرية، قد أشار في تصريح سابق إلى أن السياسة النقدية المشددة التي تبناها المصرف، والمتمثلة بعدم تمويل عجز الموازنة لأول مرة في تاريخ البلاد، أسهمت في تحقيق استقرار نسبي بسعر الصرف خلال السنة الأولى من الإصلاحات الاقتصادية، كما ساعدت على خفض معدل التضخم من أكثر من 115 بالمئة إلى نحو 14-15 بالمئة في عام 2025، وهو ما انعكس مباشرة على الأسعار في الأسواق.
بين التقشف وزيادة الرواتب
على صعيد المكونات، بلغت تكلفة المكون الغذائي لسلة الحد الأدنى للإنفاق على المستوى الوطني 123 دولاراً (1,441,750 ليرة سورية أو 14,417 ليرة جديدة)، بزيادة قدرها 3 بالمئة مقارنة بتشرين الأول 2025، فيما ارتفعت المواد غير الغذائية المرتبطة بالنظافة إلى 12 دولاراً (140,125 ليرة أو 1,401 ليرة جديدة)، بزيادة 4 بالمئة بالدولار الأميركي و6 بالمئة بالليرة السورية.
ويعكس جزء من الارتفاع المسجل بالليرة السورية تراجع قيمة العملة، في حين يشير ارتفاع الأسعار بالدولار الأميركي إلى ضغوط تضخمية حقيقية كامنة تطول السلع الأساسية، بحسب “Reach”.
وأشار الدبس إلى أن الفجوة بين مستويات الدخل وأسعار المواد الأساسية تدفع الأسر إلى تقشف شديد، يتمثل في تقليص عدد الوجبات اليومية والتخلي عن السلع المكلفة مثل اللحوم بأنواعها والفواكه والخضار التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً مؤخراً، ونتيجة لذلك، أصبح الاعتماد شبه الكامل على النشويات كالخبز والبرغل والمعكرونة، والتي تشكل القاعدة في وجبات المواطنين، أمراً شائعاً، رغم أنها غير كافية من الناحية الغذائية وتفتقر إلى العديد من العناصر الأساسية التي يحتاجها الإنسان.
وأضاف الدبس لصحيفة “الثورة السورية” أن الحد الأدنى للإنفاق يشمل أساساً تكاليف السلع والخدمات الضرورية دون احتساب إيجار السكن أو مصاريف المواصلات أو النفقات الطبية والفواتير الأخرى، ما يطرح تساؤلات حول مدى واقعية النتائج، ومدى شمولية العينات الميدانية لجميع المحافظات السورية وفق هذه المعايير.
من جهته، شكك نائب رئيس غرفة تجارة دمشق السابق، محمد الحلاق، في نسب الارتفاع الواردة في التقرير، مشيراً إلى أن مواد أساسية مثل الأرز والسكر والعدس والفريكة والمنظفات حافظت على استقرار أسعارها منذ عام 2024 حتى اليوم، لكنه أضاف أن بعض الأسعار المرتبطة بالمواد البترولية قد تشهد ارتفاعاً لاحقاً نتيجة صعود سعر برميل النفط.
وقال الحلاق لصحيفة “الثورة السورية”، إن بعض المواد خارج السلة الغذائية، مثل القهوة، شهدت ارتفاعاً كبيراً، في حين حافظت مواد أخرى على استقرارها، مثل الشاي والمعلبات (التونة والسردين)، بينما انخفضت أسعار بعض الزيوت النباتية بنسبة تتراوح بين 2 بالمئة و5 بالمئة لبعض الأصناف.
واستثنى الحلاق مواد غذائية شهدت ارتفاعات كبيرة مؤخراً، مثل الخضار والفواكه واللحوم والدجاج.
وربط الدبس هذه الارتفاعات بالتضخم العالمي، مشيراً إلى أن انعكاساته على سوريا بدأت تتضح مع اتساع الفجوة بين الدخل والأسعار، ومع الانخفاض الأخير في قيمة العملة.
وأضاف أن بعض التجار يتحملون تكاليف مرتفعة ما ينعكس على الأسعار النهائية للمنتجات، مشدداً على أهمية إيجاد آلية لخفض التكاليف على المنتج بهدف تخفيض السعر النهائي، خصوصاً في ظل الركود السائد في الأسواق.
واقترح الدبس، لتقليص الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، رفع الرواتب بنسبة تتراوح بين 50 و100 بالمئة، بما يخرج الشريحة العظمى من المواطنين من دائرة الحد الأدنى للجوع إلى حدود المعيشة الدنيا، كما شدد على ضرورة إيجاد آلية لتخفيض الأسعار بنسبة 30 بالمئة وضبط أسعار الطاقة، بما في ذلك المحروقات والكهرباء، التي تثقل كاهل الأسر.
ونص المرسوم الرئاسي رقم 67 لعام 2026 على زيادة الرواتب والأجور المقطوعة بنسبة 50 بالمئة للعاملين في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة وشركات ومنشآت القطاع العام وسائر الوحدات الإدارية، وجهات القطاع العام، متضمنة علاوة الترفيع المستحقة بموجب القانون رقم 50 لعام 2004، وكذلك جهات القطاع المشترك التي لا تقل نسبة مساهمة الدولة فيها عن 50 في المئة من رأسمالها.
وجاءت هذه الزيادة بعد أشهر من المرسوم الرئاسي رقم 102 لعام 2025، الذي أقر زيادة بنسبة 200 بالمئة على الرواتب والأجور المقطوعة لكل من العاملين المدنيين والعسكريين في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة وشركات ومنشآت القطاع العام وسائر الوحدات الإدارية، وجهات القطاع العام وكذلك جهات القطاع المشترك التي لا تقل نسبة مساهمة الدولة فيها عن 50 بالمئة من رأسمالها.
مجد عبيسي
المصدر: الثورة السورية
