بينما تستعد “سبيس إكس” لطرح قد يصبح الأكبر في تاريخ الاكتتابات العامة تتزايد شهية المستثمرين حول العالم للوصول إلى الشركات الخاصة التي ما تزال خارج البورصات وسط عوائد ضخمة وفرص نمو استثنائية لا تتاح عادةً للمستثمر الفردي.
في هذا السياق برزت صناديق الاستثمار البريطانية كأحد أهم الأبواب التي تمنح المستثمرين الأفراد فرصة مبكرة للدخول إلى عالم الشركات الخاصة بما فيها شركات رائدة مثل “سبيس إكس” و”أنثروبيك” و”بايت دانس”، هذه الصناديق التي تعمل بنظام الشركات المغلقة، رفعت خلال السنوات الخمس الماضية حصصها في الشركات غير المدرجة بنسبة 65% لتصل إلى 13.4 مليار جنيه إسترليني، بحسب بيانات “جمعية شركات الاستثمار” البريطانية.
تستثمر عدة صناديق بالفعل في “سبيس إكس” بقيمة تدور حول 800 مليار دولار، وهي أقل من النصف مقارنة بالقيمة التي تستهدفها الشركة في طرحها المحتمل عند 1.75 تريليون دولار. ورغم جاذبية هذه التقييمات، إلا أن التوسع في الأصول الخاصة يطرح تساؤلات معقدة حول دقة التقييم، وطبيعة الأداء، ودرجة المخاطر.
صندوق “سكوتيش” للرهن العقاري، أحد أكبر الصناديق التي سبقت إلى الاستثمار في الشركات غير المدرجة، أعلن في مارس الماضي أنه سيطلب موافقة المساهمين لرفع سقف استثماراته في الأصول الخاصة بعد أن تضاعفت قيمة “سبيس إكس” ودفعت وزنها داخل محفظته إلى أكثر من 15%.
يتغير المشهد سريعاً؛ فبحسب “مورنينغ ستار”، ارتفع متوسط الفترة التي تقضيها الشركات في السوق الخاص قبل الطرح العام من 6.9 سنوات في 2014 إلى 11 عاماً اليوم، وهي فترة شهدت خلال بعض الشركات طفرة هائلة في قيمتها.
يعكس ذلك أداء مؤشر “مورنينغ ستار بيتش بوك غلوبال يونيكورن” الذي يتتبع الشركات المدعومة برأس المال المخاطر والتي تزيد قيمتها عن مليار دولار. فقد حقق المؤشر 677% منذ 2014، مقارنة ب 210% فقط لمؤشر الشركات المدرجة عالمياً من الفئة الكبيرة والمتوسطة.
ويرى محللو “وينترفلود سيكيوريتيز” أن هذه التحولات جعلت صناديق الاستثمار المغلقة أكثر قدرة على اقتناص الفرص، نظراً لطبيعتها التي لا تتطلب تسييلاً يومياً مثل صناديق المؤشرات أو الصناديق المفتوحة، بحسب ما نقلته “فاينانشال تايمز”، واطلعت عليه “العربية Business”.
دروس قاسية من أزمات السيولة
ورغم سماح القواعد الأوروبية لصناديق “Ucits” بالاستثمار حتى 10% في الشركات غير المدرجة، إلا أن معظمها يتجنب ذلك، بسبب مخاطر السيولة والتسعير المرتبطة بعمليات الاسترداد اليومية.
ويستعيد كثير من المستثمرين تجربة صندوق “نيل وودفورد” الذي انهار عام 2019 بعدما جمع بين سيولة يومية واستثمارات يصعب بيعها، مما أدى إلى تعليق الصندوق ثم تصفيته، وخسارة 300 ألف مستثمر جزءاً كبيراً من أموالهم.
حديثاً، ظهرت صناديق مؤشرات أميركية تتبع النهج نفسه، لكن المشاكل ظهرت سريعاً، إذ أصبح أحدها يستثمر 44% من محفظته في “سبيس إكس” بسبب موجة استردادات مفاجئة.
عوائد متفاوتة.. وارتفاع نفوذ المستثمرين النشطاء
النتائج تظهر تبايناً واضحاً:
- صندوق “RIT Capital Partners” الذي يخصص 32% للأسهم الخاصة، حقق عائدات بين 25% و27% خلال ثلاث سنوات.
- “سكوتيش مورغيدج” سجل 58% في القيمة الدفترية، و84% في سعر الوثيقة بعد برامج إعادة شراء واسعة.
- صندوق US Growth حقق 66% في صافي الأصول و103% في سعر الوثيقة.
- صندوق Schiehallion المتخصص بالكامل في الأصول الخاصة حقق 51% في قيمة صافي الأصول و174% في سعر الوثيقة، وهو من الصناديق النادرة التي تتداول بزيادة على صافي قيمة أصولها.
لكن عند النظر لفترات أطول تمتد لخمس سنوات، وتشمل طفرة الجائحة ثم هبوط أسعار الفائدة، تظهر النتائج أقل جاذبية، ما يؤكد أن عوائد الشركات الخاصة قد تكون “متقلبة وغير مرتبطة بالأسواق العامة كما يشاع”، بحسب محللين في “مورنينغ ستار”.
تحديات التقييم والشفافية
يمثل التقييم تحدياً محورياً إذ قد يؤدي تحديث تقييم شركة خاصة إلى تغيير كبير في وزنها النسبي داخل الصندوق، وربما إلى ما يصفه بعض المحللين بأنه “تركيز مفرط” أو وزن غير منطقي في محفظة يفترض أن تكون متوازنة.
أشار محللون إلى سؤال جوهري، حول كيفية بناء نموذج مالي لشركة مثل “سبيس إكس”… إذ تحمل الخمس أو العشر سنوات المقبلة كثيراً من عدم اليقين، ما يزيد غموض التقييم.
كما أن احتياجات بعض الصناديق إلى تنفيذ برامج إعادة شراء كبيرة لمواجهة ضغوط من مستثمرين ناشطين تظهر أن الطلب على الأصول الخاصة ليس قوياً كما يبدو.
رغم أن صناديق الاستثمار تبدو وسيلة فعالة تتيح للمستثمرين الأفراد الوصول إلى الفرص النادرة في عالم الأسهم الخاصة، إلا أن هذا المسار يأتي محملاً بتساؤلات حول: التقييم العادل، والشفافية، والتقلبات الكبيرة، وصعوبة تسييل الأصول، وتركز الاستثمارات.
المصدر: العربية Business
