العالم الاقتصادي- خاص
تُعد صناعة الأسمدة من أكثر الصناعات التصاقاً بالأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية، لكونها المدخل الإنتاجي الأهم في الزراعة الحديثة، ولا سيما في بلد محدود الموارد المائية والتوسع الزراعي الأفقي مثل سوريا.
وقد شكّلت الأسمدة لعقود أداة رئيسية لتعويض ضعف خصوبة التربة ورفع إنتاجية وحدة المساحة، غير أن هذا القطاع شهد تراجعاً حاداً انعكس مباشرة على الإنتاج الزراعي، وعلى فاتورة الاستيراد، وعلى استقرار الريف.
فكيف نشأت صناعة الأسمدة في سوريا؟ وما هي أنواعها؟ وما هي قدراتها الإنتاجية وقيمتها الاقتصادية؟ وكيف هي حال معامل الأسمدة في حمص؟ وما هو حجم فجوة الاحتياج في الموسم الزراعي الحالي والتحديات البنيوية المستقبلية؟ فلنتابع..
صناعة الأسمدة ونطاقها في سوريا
تشمل صناعة الأسمدة إنتاج المواد التي تُضاف إلى التربة أو النبات بهدف تحسين الخصوبة وزيادة الغلة، وتنقسم إلى أسمدة معدنية (كيميائية) تشمل الأسمدة الآزوتية مثل اليوريا ونترات الأمونيوم، والفوسفاتية مثل: السوبر فوسفات، والبوتاسية، إضافة إلى الأسمدة المركبة (NPK)، إلى جانب الأسمدة العضوية كروث الحيوانات والكمبوست، وتُعد الأسمدة المعدنية العمود الفقري للزراعة السورية النظامية، ولا سيما في محاصيل القمح والقطن والخضار، إذ تمثل نحو 20–30% من كلفة الإنتاج الزراعي، ويؤدي أي انخفاض بنسبة 10% في استخدامها إلى تراجع الغلة بنسبة 5–7%.
القاعدة الصناعية للأسمدة في سوريا ونشأتها
اختارت الدولة السورية منذ سبعينيات القرن الماضي بناء صناعة أسمدة وطنية ضمن مشروع استراتيجي لدعم الاكتفاء الذاتي الزراعي، وفي هذا السياق أُنشئت الشركة العامة للأسمدة، ودُشّن معمل الأسمدة في حمص رسمياً في 1 أيار 1972 على ضفاف بحيرة قطينة، بالاعتماد على خبرات هندسية أجنبية وكوادر وطنية جرى تأهيلها للتشغيل والصيانة، واستندت هذه الصناعة إلى الفوسفات المحلي (تدمر- خنيفيس)، والغاز الطبيعي كمدخل أساسي للأسمدة الآزوتية، مع استيراد محدود للبوتاس، وأسّست هذه القاعدة خبرة صناعية تراكمية في التشغيل الكيميائي والصيانة الثقيلة وضبط الجودة استمرت لعقود.
أنواع الإنتاج والطاقة التصميمية
تخصصت معامل الأسمدة في سوريا بإنتاج سماد اليوريا (بنسبة 46% آزوت)، وسماد نترات الأمونيوم الكلسية (كالنترو)، إضافة إلى الأسمدة الفوسفاتية من نوع السوبر فوسفات، وقبل عام 2011 بلغت الطاقة التصميمية للصناعة نحو 600–700 ألف طن سنوياً من الأسمدة الفوسفاتية، و350–400 ألف طن من الأسمدة الآزوتية، إضافة إلى نحو 150 ألف طن من الأسمدة المركبة، ليصل الإجمالي إلى حوالي 1.0–1.1 مليون طن سنوياً، وهو ما يعادل إنتاجاً فعلياً بحدود 550–600 ألف طن سنوياً في الظروف التشغيلية المثلى.
القيمة الاقتصادية لصناعة الأسمدة
قبل عام 2011 مثّلت صناعة الأسمدة أحد القطاعات الصناعية ذات العائد المرتفع، إذ قُدّرت القيمة السنوية لإنتاج الأسمدة الآزوتية بنحو 110–140 مليون دولار، والأسمدة الفوسفاتية بنحو 120–180 مليون دولار، بينما بلغت قيمة الأسمدة المركبة نحو 70–85 مليون دولار، ليصل إجمالي القيمة الاقتصادية للصناعة إلى ما بين 300 و400 مليون دولار سنوياً.
خلال الفترة بين 2011-2024
منذ عام 2011 تضررت صناعة الأسمدة في سوريا بشكل كبير بسبب الحرب، وانقطاع الغاز والكهرباء، وصعوبة تأمين المواد الأولية وقطع الغيار، وخلال الفترة 2011–2017 توقفت معظم خطوط الإنتاج أو عملت بشكل متقطع، خاصة معامل سماد اليوريا، ما أدى إلى تراجع حاد في الإنتاج المحلي.
وقد جرى تشغيل محدود للمعامل ابتداءً من 2017 فقط للحفاظ على جاهزيتها الفنية، دون عودة فعلية إلى مستويات ما قبل الحرب، وخلال الأعوام 2022–2024 لم تعمل المعامل إلا بنحو 30–35% من طاقتها السابقة، وبلغت قيمة الإنتاج المحلي حوالي 100–135 مليون دولار سنوياً، وبسبب هذا التراجع، تحولت سوريا من بلد شبه مكتفٍ ذاتيًا من الأسمدة قبل 2011 إلى مستورد صافٍ، إذ ارتفعت فاتورة الاستيراد إلى نحو 250–350 مليون دولار سنوياً بعد أن كانت 80–120 مليون دولار قبل الحرب.
وفي محاولة للتخفيف من نقص الطاقة، أُعيد تشغيل معمل الأسمدة الفوسفاتية في حمص خلال 2024–2025 باستخدام تقنية تعتمد على المياه الحامضية بدل الغاز، وبلغ إنتاجه عام 2025 نحو 3800 طن من السماد الفوسفاتي و3500 طن من سماد كالنترو، مع خطة لزيادة الإنتاج لاحقًا. أما الفوسفات فقد تراجع استخراجه وتصديره بشدة في السنوات الأولى من الحرب، ثم تعافى جزئياً بعد عام 2017، لكن هذا التعافي لم ينعكس بشكل كافٍ على صناعة الأسمدة، ما أبقى الزراعة السورية معتمدة على الأسمدة المستوردة.
الحاجة الوطنية من الأسمدة والفجوة القائمة
تُقدَّر الحاجة السنوية للزراعة السورية بنحو 300 ألف طن من سماد اليوريا، و200–300 ألف طن من الأسمدة الفوسفاتية، إضافة إلى حوالي 25 ألف طن من الأسمدة البوتاسية، ليصل إجمالي الطلب إلى أكثر من 525 ألف طن سنوياً، وتشير التقديرات الراهنة إلى أن الإنتاج المحلي الحالي لا يغطي سوى أقل من 2% من هذه الحاجة، في حين يمكن لمرحلة الإقلاع الجزئي لمعامل الأسمدة أن ترفع التغطية إلى نحو 30–40%، أما في حال الإقلاع الكامل واستقرار التشغيل، فيمكن نظرياً تغطية كامل الحاجة من اليوريا والأسمدة الفوسفاتية، مع استمرار فجوة محدودة في الأسمدة البوتاسية نظراً لاعتمادها على الاستيراد.
انعكاسات نقص الأسمدة على الزراعة
أدّى تراجع توفر الأسمدة الآزوتية إلى آثار مباشرة وسلبية على الإنتاج الزراعي، أبرزها انخفاض غلة القمح بنسبة تتراوح بين 25 و40%، إلى جانب تراجع إنتاج القطن والخضار، كما أسهم هذا النقص في زيادة الاعتماد على الاستيراد الغذائي، ما شكّل ضغطًا إضافيًا على الميزان التجاري، وفي السياق نفسه، أدى ارتفاع أسعار الأسمدة وضعف انتظام توزيعها إلى خروج عدد متزايد من الفلاحين من العملية الإنتاجية، وتقلص المساحات المزروعة، الأمر الذي انعكس في تراجع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي وتفاقم هشاشة الأمن الغذائي.
التحديات البنيوية والفرص المستقبلية
تواجه صناعة الأسمدة في سوريا تحديات بنيوية أبرزها تقادم التكنولوجيا وانخفاض الكفاءة، ونقص الطاقة والغاز الذي يحدّ من التشغيل المستقر، إلى جانب ضعف التمويل والتسعير الإداري غير المرتبط بالكلفة، فضلًا عن تهريب الأسمدة واختلال التوزيع، ما يضعف أثر أي إنتاج محلي، في المقابل، تبرز فرص إصلاح واقعية تتمثل في إعادة تأهيل معمل الأسمدة في حمص بشراكات مدروسة، وربط التسعير بالكلفة مع دعم موجّه للفلاحين، والتوسع في الأسمدة المركبة عالية الكفاءة والأسمدة العضوية، إضافة إلى إدارة الفوسفات كسلسلة قيمة متكاملة بدل تصديره خامًا، بما يعزز الأمن الزراعي ويخفف فاتورة الاستيراد.
في المحصلة..
لا شك أن صناعة الأسمدة في سوريا ليست قطاعاً تقنياً هامشياً، بل ركيزة سيادية تمس الأرض والمياه والغذاء والاستقرار الاجتماعي؛ فبعد أن كانت صناعة بحجم يقارب 400 مليون دولار سنوياً قبل 2011، تعمل اليوم بثلث طاقتها، ما ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي، إن إعادة إقلاع معامل الأسمدة بالكامل ليست خياراً ظرفياً، بل قراراً اقتصادياً استراتيجياً لا غنى عنه لإعادة بناء الزراعة السورية واستعادة قدرتها الإنتاجية.
