الحوكمة المائية والزراعة في الوطن العربي.. قيد بنيوي عابر للحدود

زمن القراءة: 8 دقائق

العالم الاقتصادي- خاص 

لا يمكن فهم مسار السياسات الزراعية السورية ولا العربية عموماً، بمعزل عن الإطار المائي الإقليمي الذي يشكّل قيداً بنيوياً حاكماً، فالوطن العربي الذي يمتد على نحو 13.5 مليون كم²، يضم قرابة 460–470 مليون نسمة عام 2026، أي ما يعادل نحو 5.5–6% من سكان العالم، ومع ذلك لا يمتلك سوى نحو 0.7% من المياه السطحية الجارية  على المستوى العالمي، ويبلغ متوسط نصيب الفرد العربي من المياه حوالي 480 – 580 متر مكعب سنوياً بحلول عام 2024، وهو ما يقل كثيراً عن خط الفقر المائي العالمي (1000 م³/سنة)، مقارنة بمتوسط عالمي يتجاوز 7000م³، مع وصول عدد من الدول العربية إلى مستويات فقر مائي حاد تقل عن 500 م³ للفرد سنوياً.

يضم الوطن العربي قرابة 50 نهراً دائماً وموسمياً أبرزها النيل ودجلة والفرات والعاصي والأردن والسنغال وجوبا وشبيلي، غير أن الإشكالية المركزية لا تكمن في عدد الأنهار؛ بل في طبيعتها العابرة للحدود، إذ تعتمد غالبية الموارد المائية السطحية العربية على منابع تقع خارج الإقليم العربي، ما يجعل تدفقاتها خاضعة لسياسات دول المنبع، في ظل غياب اتفاقيات ملزمة وعادلة لتقاسم المياه وضعف الموقف التفاوضي العربي الجماعي.

هذه الهشاشة البنيوية تُفاقم اختلالات داخلية في الحوكمة المائية؛ فالزراعة تستهلك نحو 80–85% من الموارد المائية العربية، مقارنة بمتوسط عالمي يقارب 70%، مع اعتماد واسع على أساليب ري تقليدية لا تتجاوز كفاءتها 35–40% مقابل 60–70% عالمياً، ويؤدي ذلك إلى استنزاف الأحواض المائية، وتراجع نوعية المياه بفعل التلوث الزراعي والصناعي والصحي، وارتفاع الملوحة في العديد من الأحواض المغلقة وشبه المغلقة.

في هذا السياق، لا تُعد أزمة المياه العربية أزمة ندرة طبيعية فحسب؛ بل أزمة حوكمة بامتياز، ناتجة عن إدارة قطاعية مجزأة، وتغليب الاعتبارات السياسية قصيرة الأجل، وفصل السياسات الزراعية عن الميزان المائي الحقيقي، وقد جعل هذا النمط الزراعة العربية شديدة الهشاشة أمام الصدمات المناخية والجيوسياسية، ولا سيما في ظل تغيّر المناخ وتصاعد النزاعات حول الأنهار المشتركة.

وتشير المعالجة العلمية للأزمة إلى ضرورة الانتقال نحو إدارة متكاملة للموارد المائية، تقوم على تحسين كفاءة الاستخدام، والتوسع في الري الحديث بما يتيح توفير 30–40% من المياه، وتعميم إعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة والصناعة، إلى جانب تعزيز التعاون الإقليمي وبناء موقف تفاوضي جماعي في إدارة الأحواض العابرة للحدود، ومن دون هذا التحول في الحوكمة، ستبقى السياسات الزراعية العربية أسيرة قيود مائية مُدارة بشكل سيئ، بما يقوّض أي إمكانية حقيقية لتحقيق أمن غذائي مستدام.

المياه كشرط حكم وتنمية

تمثل الموارد المائية أحد الشروط البنيوية الحاكمة لمسار السياسات الزراعية في الوطن العربي، وليس مجرد عامل تقني مساعد، ففي إقليم جاف وشبه جاف، تتقاطع الندرة الطبيعية مع خيارات سياسية ومؤسسية عمّقت هشاشة الإدارة المائية، وحوّلت المياه من مورد للتنمية إلى أداة للصراع والضبط وإعادة إنتاج الاختلالات الزراعية.

الإطار الجغرافي والخصائص الطبيعية

يمتد الوطن العربي على مساحة تقارب 13.5 مليون كم²، ضمن نطاقات مناخية تتسم بقلة الأمطار وارتفاع معدلات التبخر وعدم انتظام الهطول، ورغم الموقع الجغرافي الاستراتيجي وتعدد المسطحات المائية المحيطة، فإن هذه الخصائص تحدّ بنيوياً من القدرة الطبيعية على تجدد الموارد المائية، ما يجعل أي سياسة زراعية توسعية غير مرتبطة بالميزان المائي عرضة للفشل البنيوي.

واقع الموارد المائية التقليدية

تعتمد الموارد المائية العربية أساساً على الأمطار غير المنتظمة، والمياه السطحية المحدودة، والمياه الجوفية التي تشكل المخزون الاستراتيجي الأهم، غير أن نسبة كبيرة من الهطول المطري تُفقد بالتبخر والجريان غير المستغل، فيما تعرضت المياه الجوفية لاستنزاف مفرط، خصوصاً في القطاع الزراعي، ما أدى إلى تراجع مناسيبها وتدهور نوعيتها.

الأنهار.. المورد الحساس سياسياً

يضم الوطن العربي نحو خمسين نهراً دائماً وموسمياً، أبرزها النيل ودجلة والفرات، إلا أن حصة الوطن العربي من المياه السطحية الجارية لا تتجاوز 0.7% من الإجمالي العالمي، وهي نسبة متدنية جداً إذا ما قورنت باتساع رقعته الجغرافية، إذ تمتد مساحة الوطن العربي على نحو 13–14 مليون كيلومتر مربع، أي ما يقارب 10% من مساحة اليابسة في العالم، ما يكشف فجوة حادة بين الامتداد الجغرافي وحجم الموارد المائية المتاحة.

وتكمن الإشكالية الأساسية في أن معظم هذه الأنهار عابرة للحدود وتعتمد على منابع خارج الإقليم العربي، ما يجعل الأمن المائي العربي رهينة لسياسات دول المنبع، في ظل غياب اتفاقيات ملزمة وشاملة، وضعف التنسيق العربي، الأمر الذي يحوّل الأنهار من مورد طبيعي مشترك إلى عامل ضغط جيوسياسي دائم.

المياه غير التقليدية.. حلول جزئية

دفعت الندرة المائية العديد من الدول العربية إلى التوسع في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام المياه العادمة المعالجة، ورغم الأهمية الاستراتيجية لهذه الخيارات، فإنها بقيت مكلفة مالياً ومحدودة الأثر على الزراعة، ولم تُدمج ضمن رؤية شاملة لإدارة الطلب المائي أو إعادة هيكلة السياسات الزراعية.

استخدام المياه والقطاع الزراعي

يستهلك القطاع الزراعي نحو 80–85% من الموارد المائية العربية، مقارنة بمتوسط عالمي يقارب 70%، مع اعتماد واسع على أساليب ري تقليدية لا تتجاوز كفاءتها 35–40% مقابل 60–70% عالمياً، ويعكس ذلك نموذجاً إنتاجياً يركز على التوسع الكمي بدل تعظيم الإنتاجية المائية، ويكشف خللاً مؤسسياً في ربط الزراعة بالقيود البيئية.

استخدام المياه في القطاع الصناعي

تستحوذ الصناعة في الوطن العربي على حصة أقل من الاستخدام المائي مقارنة بالزراعة، إلا أن أهميتها النوعية آخذة في التزايد مع التوسع الصناعي والتحول العمراني، وتُستخدم المياه في الصناعات التحويلية والطاقة والتبريد، غالباً دون معايير صارمة للكفاءة أو إعادة التدوير، وبالمقارنة مع المتوسط العالمي، لا تزال كفاءة استخدام المياه الصناعية في العديد من الدول العربية منخفضة، نتيجة ضعف التشريعات البيئية وغياب الحوافز للاستثمار في تقنيات الإنتاج الأنظف، ما يزيد الضغط على الموارد العذبة ويؤدي إلى تلوث مصادر المياه السطحية والجوفية.

الاستخدام المنزلي والخدمي

يمثّل الاستخدام المنزلي والخدمي في الوطن العربي نحو 7–10% من إجمالي الاستهلاك المائي، وهي نسبة أدنى من حصة الزراعة، لكنها تشهد نمواً متسارعاً بفعل التحضر السريع، وارتفاع معدلات الاستهلاك الفردي، وتوسع الأنشطة السياحية والخدمية، وفي العديد من المدن العربية، يؤدي ضعف شبكات التوزيع وارتفاع الفاقد المائي الحضري- الذي يتجاوز في بعض الحالات (30–40)- إلى هدر كميات كبيرة من المياه، ما يفاقم فجوة العرض والطلب، ويحوّل الاستهلاك الحضري إلى عامل ضغط متزايد على الموارد المائية المحدودة.

الآفاق المستقبلية والحوكمة

تؤكد المعالجة العلمية أن تجاوز أزمة المياه والزراعة في الوطن العربي يتطلب انتقالاً جذرياً نحو الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وربط السياسات الزراعية بالإنتاجية المائية لا بالإنتاج الاسمي، والتوسع في الري الحديث وإعادة استخدام المياه المعالجة، إلى جانب بناء دبلوماسية مائية عربية فاعلة لإدارة الأحواض المشتركة.

خلاصة

يُظهر هذا المسار أن أزمة المياه العربية – ولا سيما أزمة الأنهار- ليست نتاج الندرة الطبيعية وحدها؛ بل نتيجة مباشرة لاختلالات الحوكمة وتسييس الموارد، ومن دون إعادة تأسيس العلاقة بين المياه والزراعة على أسس علمية ومؤسسية، ستبقى العقود الزراعية العربية أسيرة أنماط غير مستدامة تعيد إنتاج الهشاشة بدل تجاوزها.

آخر الأخبار