لماذا تخسر الصناعة النسيجية السورية معركة التنافسية؟

زمن القراءة: 4 دقائق

العالم الاقتصادي- خاص

تُعدّ الصناعة التحويلية ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية المستدامة، لما تولّده من قيمة مضافة وفرص عمل وقدرة على الإحلال محل المستوردات، غير أنّ الصناعة السورية -ولا سيما النسيجية منها- تواجه أزمة تنافسية مركّبة تتجاوز العوامل الظرفية، لتكشف اختلالات بنيوية في هيكل التكاليف والإنتاجية وسياسات الحماية.

تتجلى هذه الأزمة في اتساع الفجوة السعرية بين المنتج المحلي ونظائره الإقليمية والعالمية، بالتوازي مع تصاعد شكاوى الصناعيين من المنافسة المستوردة.

 فكيف يمكن تصور الواقع عند تحليل هذه الفجوة كمياً مع ضبط وحدة المقارنة وربط النتائج بالواقع المؤسسي للصناعة؟ فلنتابع:

الفجوة السعرية كمدخل لقياس التنافسية

تشير البيانات المحلية إلى أن سعر الكيلوغرام من القماش القطني النهائي المنتج في سوريا، بعد استكمال مراحل النسج والصباغة والتشطيب، يتراوح بين 7.0 و7.7 دولارات، بمتوسط يقارب 7.35 دولارات/كغ، وهو سعر يعكس مجمل التكاليف المباشرة وغير المباشرة، بما في ذلك الطاقة، والأجور، والتمويل، والنقل، وكفاءة التشغيل.

في المقابل تُظهر بيانات التجارة الدولية أن المتوسط العالمي الموزون لسعر الكيلوغرام من القماش القطني النهائي لا يتجاوز 4.86 دولارات/كغ، ما يعني فجوة سعرية تقارب 2.5 دولار/كغ، وتتسع أكثر عند المقارنة مع دول ذات صناعة نسيجية كثيفة وعالية الكفاءة، الأمر الذي يضع المنتج السوري خارج نطاق التنافسية السعرية.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض المقارنات التي تُظهر أسعاراً بحدود 2.5 دولار/كغ تتعلق بالخيوط أو الأقمشة الخام غير المشطّبة، وهي مدخلات وسيطة لا يجوز قياسها على القماش النهائي لاختلاف مستويات القيمة المضافة ومراحل المعالجة الصناعية الداخلة في تكوين السعر.

الحماية الجمركية وحدود فعاليتها

تعتمد السياسات الصناعية على الحماية الجمركية، حيث تُفرض رسوم تقارب دولاراً واحداً لكل كيلوغرام من القماش المستورد، غير أن التحليل الكمي يُظهر أن هذه الحماية لا تفسر سوى جزء محدود من الفجوة السعرية، بينما يعود الجزء الأكبر إلى عوامل داخلية بنيوية مرتبطة بكفاءة الإنتاج وتكاليف الطاقة والتمويل والتشغيل.

العوامل البنيوية لارتفاع الكلفة

العوامل البنيوية تشمل: كلفة الطاقة، والتمويل، وانخفاض الإنتاجية، وصغر حجم المنشآت، والأعباء اللوجستية والتنظيمية، ويضيف تراكمها ما بين 1.3 و1.7 دولار/كغ إلى سعر القماش المنتج محلياً مقارنة بالمستويات السعرية العالمية السائدة.

المقاربة المؤسسية ومطالبات الدعم

تعكس مطالب الدعم المتزايدة إدراكاً بأن الحماية وحدها غير كافية، كما أن ضعف التنسيق بين السياسات الصناعية والتجارية والمالية، وغياب مؤشرات الأداء، يحدان من فعالية التدخلات، ما يستدعي ربط أي دعم بتحسين الإنتاجية والجودة والتصدير.

البيانات الصناعية كشرط للإصلاح

يُعدّ تحسين جودة البيانات الصناعية شرطاً أساسياً لنجاح أي إصلاح مقترح؛ إذ إن غياب الإحصاءات الدقيقة حول التكاليف والإنتاجية والأسعار يضعف قدرة صناع القرار على التدخل الفعال، كما أن بناء قواعد بيانات شفافة يسهّل تقييم أثر السياسات المتبعة، ويعزز المساءلة، ويحد من الاعتماد على الانطباعات.

ومن دون هذا الأساس المعرفي تبقى السياسات عرضة للتجريب وردّ الفعل، بدل أن تكون مبنية على تشخيص علمي، يسمح بتوجيه الموارد نحو القطاعات والأنشطة الأعلى قدرة على خلق قيمة مضافة وتنافسية مستدامة، وقادرة على دعم النمو الصناعي طويل الأجل، ورفع فرص التصدير، وتحسين موقع الاقتصاد الوطني إقليمياً وعلى المدى الدولي أيضاً بصورة متوازنة وفعالة مستقبلاً.

 وفي المحصلة تُظهر القراءة الكمية أن أزمة الصناعة النسيجية السورية تعد أزمة تنافسية بنيوية، لا يمكن معالجتها بالرسوم الجمركية؛ بل عبر التحول من منطق الحماية إلى خفض الكلفة ورفع الإنتاجية، بما يعيد للمنتجات السورية قدرتها على المنافسة المستدامة.

آخر الأخبار