“التنف” شريان بديل للطاقة: العراق يناور لكسر الاختناق البحري

زمن القراءة: 8 دقائق

لم يكن مشهد عبور مئات الصهاريج العراقية نحو مصفاة بانياس السورية مجرد إجراء لوجستي لتصدير “زيت الوقود”، بل هو إعلان عن تحول اضطراري في استراتيجية الطاقة العراقية الساعية للإفلات من اختناقات الممرات البحرية. وفي حين احتفت التصريحات الرسمية ببدء تدفق 650 ألف طن متري شهرياً عبر “التنف”، تبرز تساؤلات جوهرية حول استدامة هذا المسار المكلّف وأمنه، وسط تحذيرات تقنية من الاتكال على “حلول ترقيعية”.

خارطة المعابر البديلة

تأتي حركة القوافل عبر معبر التنف – الوليد اليوم كأبرز ثمار استعادة الدولة السورية سيادتها الكاملة على هذه النقطة الاستراتيجية، وهذا ما حوّل المنطقة من قاعدة عسكرية مغلقة إلى ممر دولي يربط بيجي العراقية بمصب بانياس السوري. وفي سياق متصل، تعكس الجولات الميدانية المكثفة لوفد الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في منفذي اليعربية – ربيعة، وسيمالكا – فيشخابور، تسارع الخطى لفرض السيادة الإدارية والقانونية الكاملة وتفعيل منظومة العمل الجمركي السورية في تلك النقاط الحدودية، تمهيداً لافتتاحها رسمياً مطلع أيار المقبل، بما يضمن تكامل حركة البضائع والمسافرين تحت إشراف مؤسسات الدولة المركزية.

كذلك، تؤكد تقارير وكالة “رويترز” أن العراق، الذي انخفض إنتاجه في الحقول الجنوبية بنحو 80% (ليستقر عند 800 ألف برميل يومياً) نتيجة امتلاء الخزانات وتعثر الشحن البحري وتداعيات التوترات في مضيق هرمز، بات ينظر إلى الأراضي السورية كمنفذ إنقاذ عاجل، رغم إشارة مصادر حكومية عراقية، إلى أن التكلفة البرية تظل باهظة مقارنة بالبحر، لكنها تظل “الخيار الأفضل حالياً”.

إدارة أزمة.. لا صناعة حل

في المقابل، يضع الخبراء الذهاب إلى “صهاريج البر” في سياق الحلول الاضطرارية المحدودة. وفي تصريح خاص لـِ المدن، يعتبر الخبير النفطي العراقي المهندس حيدر عبد الجبار البطاط، أن ما يجري هو “إدارة أزمة” وليس حلاً جذرياً، ويقول: “من الناحية الأمنية فإن الطريق البري بين العراق وسوريا لا يمكن اعتباره آمناً بشكل كامل، فالمسار يمر بمناطق شهدت اضطرابات أمنية لسنوات، ولا يزال عرضة لمخاطر متعددة تشمل التهديدات غير التقليدية، ضعف السيطرة المركزية في بعض المقاطع، وارتفاع كلف الحماية والتأمين، وهذا يعني أن الاعتماد عليه سيكون محدوداً ومشروطا وليس بديلاً طويل الأمد”.

ومن ناحية التأثير على أزمة النفط، يوضح البطاط “أنَّ تصدير نحو 650 ألف طن متري شهرياً من زيت الوقود يمثل خطوة تخفيفية جزئية، لكنه لا يرقى إلى مستوى معالجة الأزمة بشكل جذري، سواء على مستوى العراق أو المنطقة. فـَ “التأثير سيكون موضعياً ومؤقتاً ولن يعوض الطاقة التصديرية الكبيرة التي يوفرها النقل البحري أو خطوط الأنابيب الاستراتيجية”.

وعن أسباب ما نشهده اليوم، يؤكد البطاط أنه نتيجة مباشرة لتجاهل مشاريع استراتيجية كانت مطروحة منذ سنوات. وفي هذا السياق، يكشف البطاط عن تقدّمه بـ مطالبات رسمية عدة وإطلاقه مناشدات إعلامية موثقة تدعو إلى إعادة تفعيل خمسة أنابيب استراتيجية لنقل النفط العراقي إلى موانئ البحر المتوسط عبر الأراضي السورية، ووفق البطاط فإن هذه المشاريع لم تكن مجرد رؤى نظرية بل خطط واقعية مدروسة كانت كفيلة بتأمين بدائل تصديرية آمنة ومستقرة وتحصين العراق من الأزمات الجيوسياسية التي نشهد آثارها اليوم. “إلا أن تجاهل تلك المطالبات وعدم التعامل معها بالجدية المطلوبة هو ما أوصلنا إلى الاعتماد على حلول مؤقتة ومكلفة”.

ويرى الخبير النفطي والمهندس البطاط أنَّ “ما يحدث اليوم هو إدارة أزمة وليس صناعة حل. والعراق لا يحتاج إلى حلول مؤقتة بقدر ما يحتاج إلى قرارات سيادية جريئة تعيد إحياء مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية وفي مقدمتها خطوط الأنابيب لضمان أمن الطاقة واستقرار الاقتصاد بعيداً عن تقلبات الجغرافيا السياسية.”

“البر” صمام أمان مؤقت

بالمقابل، يعتبر الخبير الاقتصادي السوري محمود عبد الكريم في حديثه مع “المدن”، أنَّ الطريق البري وبالرغم من عدم أمانه المطلق، يظل أكثر استقراراً من الناحية التشغيلية عند مقارنته بمخاطر مضيق هرمز في فترات التصعيد؛ إذ تُقدّر نسبة الأمان في المسار البري بين 60 لـ 75 % مقابل أقل من 50% للمضيق الذي يهدد خطره المركّز بوقف نحو 20 مليون برميل يومياً دفعة واحدة، بينما يظل الخطر في الطريق البري موزّعاً ومحدود الأثر بحوادث فردية لا توقف كامل التدفق.

ويرى عبد الكريم أن التأثير المباشر لهذا المسار على أزمة الطاقة العالمية يبقى محدوداً جداً ولا يتجاوز 1% من حجم النقص الناتج عن توترات هرمز، كون الصهاريج تنقل ما يقارب 125 ألف برميل يومياً فقط. إلا أن القيمة الحقيقية للمشروع وفقاً لعبد الكريم، تكمن في كونه “صمام أمان اقتصادي” للعراق، يضمن تدفقات نقدية تتراوح بين 9 إلى 15 مليون دولار يومياً، مما يمنع توقف الإيرادات بالكامل ويمنع فقدان ما يقارب 300 مليون دولار يومياً كانت تتحقق قبل الأزمة. ويشتري الوقت بانتظار حلول استراتيجية أكثر استدامة، خاصة وأن تكلفة النقل البري المرتفعة (بين 5 إلى 10 دولارات للبرميل) تجعل منه حلاً مكلفاً مقارنة بأقل من 2 دولار عبر الأنابيب.

وعلى مستوى العائد السوري، يوضح عبد الكريم أن النموذج السائد حالياً يعتمد على الرسوم النقدية التي قد ترفد الخزينة، “فمع مرور نحو 100 إلى 125 ألف برميل يومياً عبر الأراضي السورية، برسوم عبور تتراوح بين 1.5 إلى 3 دولارات للبرميل، هذا يعني أنّ سوريا يمكن أن تحقق إيرادات نقدية تتراوح بين 150 إلى 375 ألف دولار يومياً، أيّ ما يقارب 55 إلى 110 ملايين دولار سنوياً في المرحلة الحالية، وهو تدفق مهم للعملة الصعبة”.

وبالرغم من غياب الإعلان الرسمي عن “رسوم عينية”، يشير عبد الكريم إلى وجود احتمالات قوية لترتيبات هجينة أو تسويات غير مباشرة تسمح لسوريا بالحصول على إمدادات بأسعار تفضيلية أو استخدام جزء من الكميات العابرة لتغطية الطلب المحلي وتغذية محطات الكهرباء، ويضيف الخبير الاقتصادي: “من حيث القيمة، لو تم تخصيص حتى 10% فقط من الكميات العابرة (أي حوالي 10–12 ألف برميل يومياً) للاستخدام المحلي، فهذا يمكن أن يساهم بشكل ملموس في تشغيل محطات الكهرباء وتخفيف أزمة الطاقة، وهي قيمة قد تكون اقتصادياً أهم من الإيرادات النقدية نفسها، لأن كل برميل يُستخدم داخلياً يوفر على الدولة تكلفة استيراد قد تصل إلى 90–120 دولاراً للبرميل”.

رهانات الجدوى

وبالرغم من أنَّ الكميات المتدفقة (التي تقدر بـِ 150 إلى 500 شاحنة يومياً بحسب تصريحات مدير ناحية الوليد مجاهد الدليمي) تمنح مصفاة بانياس دوراً حيوياً كمنصة ترانزيت، إلا أن مراقبين يقللون من أثرها الاقتصادي الملموس على السوق المحلية السورية. فالحمولة اليومية التي تتراوح بين 22 إلى 33 ألف برميل من “زيت الوقود” (الفيول)، تظل محدودة التأثير استراتيجياً أمام حجم الطلب، وقد تقتصر الاستفادة السورية حالياً على رسوم العبور وتنشيط حركة الطرق الدولية.

بالتوازي مع ذلك، يراقب اللبنانيون هذا التحول بحذر؛ فدخول الفيول العراقي رسمياً وبكميات كبيرة إلى سوريا قد يغير معادلة الطلب على المحروقات في المنطقة، وربما يسهم في كبح عمليات التهريب العكسي التي استنزفت السوق اللبنانية لسنوات، بانتظار ما سيكشف عنه الخبراء الاقتصاديون السوريون حول حصة المصافي المحلية من هذه الشحنات كأجور عبور، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على أزمة الكهرباء والوقود المحلية في دمشق وبيروت على حد سواء.

رهام علي

المصدر: المدن

آخر الأخبار