وصل ظرف بريدي عادي إلى أحد مكاتب المحاماة في مدينة رينو بولاية نيفادا في مارس من العام الماضي لكنه سرعان ما فجر واحدة من أكثر القضايا غرابة في عالم الوصايا والميراث.
داخل الظرف كانت هناك وثيقة من 7 صفحات تزعم أنها الوصية الأخيرة لتوني سيه، الرئيس التنفيذي الراحل لشركة “زابوس” (Zappos)، الذي توفي عام 2020 عن عمر ناهز 46 عاماً بعد إصابته باختناق جراء حريق.
وعلى مدى سنوات، ظل أصدقاء سيه وعائلته يؤكدون عدم وجود أي وصية. فالرجل، الذي قضى أشهره الأخيرة في حالة من الهذيان المرتبط بتعاطي المخدرات، كان قد أنفق ثروته الضخمة بوتيرة جنونية، وابتكر مشروعات غريبة من بينها “مدينة ملاهي خيالية” أطلق عليها “Country Zero”، عبارة عن حلم لبناء عالم خاص واقتصاد قائم على استخدام أصداف البحر كعملة.
ومع عدم وجود زوجة أو أبناء، كان من المفترض أن تؤول ثروته المقدرة بـ500 مليون دولار إلى والديه. لكن كل شيء انقلب رأساً على عقب عندما وصلت الوصية المفاجئة، كما وصفتها صحيفة “وول ستريت جورنال”.
وثيقة غامضة وشخصيات وهمية
تحمل الوصية تاريخ 13 مارس 2015 وتتضمن توزيعات مالية بعضها منطقي، كتبرع بقيمة 3 ملايين دولار لجامعة هارفارد، وأخرى محيرة تماماً، أبرزها تخصيص 50 مليون دولار لصندوق لا يمكن العثور عليه يدعى “Tony Hsieh Lit Wow Irrevocable Trust”، دون أي دليل على وجوده.
الأغرب أن الوثيقة جاءت مع رسالة تفيد بأنه تم العثور عليها ضمن ممتلكات رجل باكستاني يدعى “بير محمد”، توفي العام الماضي عن 91 عاماً… وهو شخص لم يعرفه سيه يوماً، بحسب عائلته.
أما الشهود الأربعة الذين وقعوا على الوصية، إلى جانب شخص يدعى “كاشف سينغ” الذي يفترض أنه أرسلها إلى نيفادا، فقد اختفوا تماماً. ولم يعثر لهم على أي وجود حقيقي، ما فتح الباب أمام احتمال أن تكون شخصيات مختلقة بالكامل.
معركة قضائية تستعد للانفجار
تسمي الوصية محاميين من نيفادا كمنفذين للتركة، رغم أنهما لم يلتقيا سيه مطلقاً. ومع ذلك، تقدما بطلب رسمي للمحكمة لاعتماد الوثيقة، لأنها تستوفي الشكل القانوني للوصايا في نيفادا.
لكن والد سيه، ريتشارد، رفض الأمر تماماً، واصفاً الوصية بأنها “عملية احتيال”، ومقدماً تحليلات لغوية خلصت إلى أن لغة الوثيقة أقرب إلى الإنجليزية الباكستانية والهندية. كما أكد خبراء التزوير أن توقيع سيه مقلد، وأن اسمه الأوسط مكتوب بشكل خاطئ.
ومع ذلك، قالت القاضية غلوريا ستورمان إن غرابة الوثيقة لا تعني أنها غير صالحة قانونياً، وأعلنت في يناير الماضي أن النزاع لا يمكن حسمه إلا عبر معركة قضائية كاملة.
يكمن الخطر الأكبر في بند “عدم الطعن” شديد القسوة في الوصية، والذي ينص على أن أي فرد من عائلة سيه يتحدى الوثيقة سيحرم من الميراث بالكامل. أي أن خسارة القضية قد تعني ضياع كل التركة عن أهله.
بحث محموم عن أشخاص قد لا يكونون موجودين
أمضى صحافي مختص في العقارات بمدينة لاس فيغاس شهوراً يبحث عن أي أثر للشهود المزعومين، باحثاً في السجلات العقارية، وسجلات الناخبين، ووسائل التواصل الاجتماعي، دون نتيجة. حتى الاسم الأكثر واقعية، “بير محمد”، لا يوجد دليل واضح على وجوده سوى شهادة وفاة غامضة معظم تفاصيلها مطموسة.
وما يزيد الغموض أن النسخ التي وصلت إلى المحكمة كانت تحمل عناوين إرسال غريبة: أحدها يعود لمبنى ملحق بالمحكمة نفسها، وآخر لعنوان شركات في ولاية وايومنغ. أما ختم البريد فكان من ولاية بنسلفانيا!
أموال سيه تنفق في معركة حول ما كان يريده فعلاً
عينت المحكمة المحاميين المذكورين كإداريين خاصين للتركة، ما يعني أن أتعابهم وأتعاب محاميهم تدفع من أموال إرث سيه. وكلما طالت القضايا، كلما تقلصت الثروة.
وفيما تتواصل المعارك القانونية، يظل المشروع الأكبر الذي حلم به سيه – إحياء وسط مدينة لاس فيغاس – في حالة جمود. فقد باعت التركة عشرات العقارات التي كان قد استحوذ عليها، بينما بقيت قرية “تريلر بارك” التي عاش فيها مهجورة تماماً… مدينة أشباح صغيرة تجسد نهاية حلم لم يكتمل.
من هو سيه؟
ولد سيه في إلينوي لأبوين مهاجرين من تايوان، والده كان يعمل مهندساً في شركة شيفرون، ووالدته طبيبة نفسية سريرية.
بعد بضع سنوات من تخرجه من الجامعة، انضم إلى الجيل الأول من رواد الإنترنت الشباب عندما دفعت مايكروسوفت 265 مليون دولار مقابل شركة ناشئة للإعلانات البانر كان قد شارك في تأسيسها.
في عام 1999، أصبح الرئيس التنفيذي لشركة “ShoeSite.com”، التي حولها إلى شركة Zappos، والتي بيعت لاحقاً لشركة أمازون مقابل 1.2 مليار دولار. استمر في منصبه كرئيس تنفيذي، وفي عام 2013، نقل الشركة إلى مبنى بلدية لاس فيغاس القديم، على بعد أميال قليلة من شارع لاس فيغاس ستريب الراقي.
في نهاية المطاف، استثمر 350 مليون دولار من ثروته الخاصة في مشروع داون تاون (الذي يعرف الآن باسم DTP Companies)، فاشترى عقارات مهجورة وعامل الحي كما لو كان مشروعاً ناشئاً. أعيد إحياء الحانات والفنادق الصغيرة، وجذب رواد الأعمال برأس مال تأسيسي وإيجارات زهيدة. عاش في مقطورة من طراز “Airstream” بالقرب من مقر الشركة، برفقة عشرات الأصدقاء والزملاء في مقطوراتهم الخاصة.
قال تايلر ويليامز، صديقه وموظفه السابق في زابوس: “كان توني يستخدم الكحول كوسيلة للتواصل الاجتماعي، ليخفف من حدة وعيه، وليتمكن من التفاعل مع أشخاص مثلي ومثل غيري. بدا وكأنه بحاجة إلى بعض المشروبات ليعود إلى طبيعته”.
المصدر: العربية
