بعض السنوات تبقى عالقة في أذهان المستثمرين، بصفتها «كارثية»، مثل سنة 2008، لكن الغريب أن سنة 2022 شهدت كارثة ينساها كثيرون، رغم أنها كانت كارثة بكل المقاييس، ولا يسع المرء إلا أن يتساءل عما إذا كنا نتجه نحو تكرارها؟.
تكمن المشكلة الرئيسة في حدوث الضربة المزدوجة، فقد ارتفع التضخم بشكل حاد، مع إعادة فتح الاقتصاد على نطاق واسع بعد جائحة (كوفيد 19)، بالتزامن مع اندلاع الحرب الشاملة بين روسيا وأوكرانيا، ما أدى إلى انهيار أسعار السندات، وتراجع حاد في أسعار الأسهم، ولم يكن هناك مفر آنذاك أمام العديد من مديري الصناديق المتضررين.
إذن، هل نحن على وشك تكرار السيناريو نفسه؟ إنه خطرٌ قائم بقوة، لا شك في ذلك، خاصة إذا ارتفعت أسعار النفط مجدداً. ففي 2022، تمثلت المشكلة في تأخر صانعي السياسات في رفع أسعار الفائدة لاعتقادهم/ أملهم، أن التضخم سيكون مؤقتاً.
في عام 2026، قد تكمن المشكلة، بدءاً من شهر أيار، في رئيس أمريكي يريد من مرشحه لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش تنفيذ أوامره، وخفض أسعار الفائدة، رغم موجة التضخم المرتفعة التي تسبب بها الاحتياطي الفيدرالي، وحتى الآن، تتوقع الأسواق أن يتم خفض أسعار الفائدة لاحقاً، لكن الرئيس لا يوافق على ذلك. وهناك أيضاً فريق من الاقتصاديين يعتقدون أن التضخم كان مُهيأ للارتفاع في عام 2026، حتى قبل اندلاع الحرب.
الفرق هذه المرة هو نقطة البداية؛ ففي نهاية عام 2021، لم يكن أحد يتوقع أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بقوة. لم يكن الاحتياطي الفيدرالي يعتقد ذلك أيضاً، استناداً إلى «مخطط النقاط» لتوقعات لجنة السوق المفتوحة لأسعار الفائدة في ذلك الوقت، لكن المرء يتعلم من تجاربه، اليوم، تتلاشى توقعات خفض أسعار الفائدة، والعوائد أعلى، ومن شأن بعض الضغط اليوم، أن يقلل من احتمالية حدوث صدمة لاحقاً.
إضافة إلى ذلك، نحن في دورة اقتصادية مختلفة. وفي هذا السياق، تقول هنرييتا باكيمون مديرة المحافظ الاستثمارية في شركة أولسبرينغ: «هناك بعض ملامح عام 2022، مع ضغوط على أسواق الأسهم والسندات، لكنني أعتقد أن الوضع مختلف، فقد كنا نتعافى من جائحة كوفيد 19، حينها، كان التوسع الاقتصادي في طور إعادة الانطلاق، وكان سوق العمل لا يزال يعاني من ركود شديد، أما هذه المرة، وعلى النقيض، فإن سوق العمل مستقر، حتى وإن كان يفتقر تماماً إلى الحيوية، والاستهلاك جيد، ولكنه ليس ممتازاً».
مع ذلك، يخبرني كثير من المستثمرين أن تكرار سيناريو عام 2022 يتصدر قائمة مخاوفهم، وإذا ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، فإن سيناريو الركود التضخمي سيظهر جلياً، ومن الصعب حينها تحديد أي استثمار، باستثناء النقد، سيحقق أداء جيداً.
ويقودنا ذلك إلى نقطة أوسع نطاقاً، تتعلق ببناء المحافظ الاستثمارية ومصادر الأمان للمستثمرين، فقد لا يكون أحد قد التزم التزاماً تاماً بقاعدة 60/40 للأسهم/ السندات، لكنها ظلت الحكمة السائدة منذ زمن طويل، إنها أشبه بنموذج توزيع الأصول القائم على نسبة عالية من السندات في الجزء العلوي، ونسبة عالية من الأسهم في الجزء السفلي.
وتُظهر بيانات كتاب «يو بي إس» السنوي لعوائد الاستثمار العالمية، سبب شيوع هذا الأسلوب. فقد خسرت الأسهم والسندات في مناسبات عديدة أكثر من 70 % من قيمتها الحقيقية، لكن، منذ عام 1900، تُظهر البيانات أن مزيج 60/40 لم ينخفض أبداً بأكثر من 50 %، كما أن مدة الانخفاضات كانت أقصر بكثير في المحفظة المختلطة، مقارنة بالأسهم أو السندات منفردة.
مع ذلك، فإنه خلال عام 2022 الكارثي، شهد مزيج 60/40 تحقيق خسارة تقارب 30 %، وقد دفع ذلك إلى إعادة النظر في جدوى المزيج المعتاد، وما الذي يجب أن يتضمنه الجزء «الآمن» أو «المتنوع» من المحافظ الاستثمارية، وأحد الحلول هو اللجوء إلى الأصول الحقيقية، والتي تُفهم عموماً على أنها البنية التحتية، لكن بعض الأسهم، من بعض النواحي، أكثر واقعية من السندات.
كذلك، يتناقص إجمالي عدد الشركات المدرجة في الأسواق المتقدمة بوتيرة متسارعة منذ سنوات، بينما لا نحصل من الحكومات إلا على المزيد من الاقتراض والإنفاق، يعني ذلك أن الأسهم تتسم الآن بعامل الندرة، كما تستطيع الحكومات إشعال أزمات ديون بسهولة، بينما تُعد الانخفاضات الطويلة الأمد في مؤشرات الأسهم نادرة جداً، ولا تحدث إلا في حالات الركود الاقتصادي الحاد.
وقالت جيرالدين سوندستروم رئيسة قسم عروض الاستثمار في شركة بيكيت لإدارة الثروات، في فعالية أقيمت مطلع هذا العام: «بدأ الناس يتساءلون عما إذا كانت السندات تُعدّ خياراً مناسباً لتحقيق الاستقرار المالي، مشددة على أنه في ظل الإصدارات المتزايدة والتدخلات المؤسسية في الولايات المتحدة، لم يعد الأمان النسبي للدخل الثابت قائماً»، لذلك، مع مرور الوقت، قد يكون هناك مبرر لتغيير النسبة إلى 65/35 كمعيار أساسي لكثير من المستثمرين، بدلاً من 60/40.
كاتي مارتن
المصدر: فايننشال تايمز
