مركز التحكيم الدولي.. خطوة استراتيجية لتعزيز الثقة بالاستثمار في سوريا

زمن القراءة: 7 دقائق

يعكس توجه هيئة الاستثمار السورية نحو تأسيس مركز تحكيم دولي للمنازعات الاستثمارية في سوريا اهتماماً متزايداً بتوفير بيئة مستقرة وموثوقة، تتيح حلاً سريعاً وحيادياً للنزاعات، وتعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تواصل فيه سوريا جهودها لجذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية، بما يدعم إعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية، ويؤسس لأطر مؤسسية قوية تحمي الحقوق وتضمن الالتزام بالقوانين والعقود.

والأربعاء الماضي، أصدر رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي، قراراً يقضي بتشكيل لجنة خاصة لوضع النظام الداخلي لمركز هيئة الاستثمار للتحكيم الدولي الخاص بالمنازعات الاستثمارية المزمع تأسيسه.

وحسب القرار تضم اللجنة في عضويتها محمد وليد منصور رئيساً، والقاضي ختام الحداد، والمحامي أحمد حداد، والمحامين حسين الخضور، وفادي سركيس، وأحمد وليد منصور، ونخبة من الخبراء القانونيين العرب وهم: المحامون حبيب الملا من الإمارات العربية المتحدة، ونيلة قمير عبيد من لبنان، والدكتور بدر البصيص من السعودية، ومحمد لحدان المهندي من قطر، ومحمد زندان من الأردن.

وتتخصص اللجنة بمهمة وضع النظام الداخلي للمركز، على أن تباشر عملها من تاريخ صدور القرار، مع إمكانية الاستعانة بالخبرات المحلية والدولية، بما يتلاءم مع مهمتها، وتسليم مسودتها النهائية للنظام الداخلي خلال مدة أقصاها 30 يوماً من تاريخ صدور القرار.

ويقدم أعضاء اللجنة خبراتهم المستمدة من التجارب العربية المتقدمة في التحكيم التجاري والاستثماري في تأسيس مراكز التحكيم وفق أفضل الممارسات العالمية، وضمان توافق النظام الداخلي المقترح مع المعايير الدولية المعتمدة في أبرز مراكز التحكيم العالمية، ومراجعة المقترحات التنظيمية وتقديم الرأي الفني، بما يعزز قدرة المركز على التعامل مع المنازعات الاستثمارية الإقليمية والدولية.

كما ستعمل اللجنة على إعداد الصياغات القانونية التفصيلية للنظام الداخلي واللوائح التنظيمية للمركز، والمسودات القانونية وضمان توافقها مع التشريعات السورية، وصولاً إلى الصيغة النهائية للنظام الداخلي للمركز الدولي.

أداة مؤسسية مهمة

يرى المحلل الاقتصادي شادي سليمان، أن تأسيس مركز تحكيم دولي للمنازعات الاستثمارية يعد أحد الأدوات المؤسسية المهمة لتعزيز بيئة الأعمال وترسيخ الثقة لدى المستثمرين، في ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها سوريا والحاجة المتزايدة إلى جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية لإعادة تنشيط الاقتصاد.

وأوضح سليمان لصحيفة “الثورة السورية”، أن وجود إطار قانوني ومؤسسي فعال لحل النزاعات الاستثمارية يعد من الركائز الأساسية لأي اقتصاد يسعى لتحقيق الاستقرار والنمو المستدام.

وأضاف أن إنشاء المركز يسهم في توفير آلية سريعة وفعالة لحل النزاعات بين المستثمرين والدولة أو بين المستثمرين أنفسهم. فالإجراءات القضائية التقليدية غالباً ما تستغرق وقتاً طويلاً وقد تكون معقدة، في حين يوفر التحكيم بيئة أكثر مرونة وسرعة في الفصل في النزاعات، مما يقلل التكاليف الاقتصادية ويحد من تعطّل المشاريع الاستثمارية.

كما يعزز وجود مركز تحكيم دولي الثقة في البيئة الاستثمارية السورية، فالمستثمر الأجنبي يبحث دائماً عن ضمانات قانونية تحمي استثماراته عند نشوء نزاع، وعندما تكون هناك مؤسسة تحكيم مستقلة وذات مصداقية، فإن ذلك يعطي إشارة إيجابية للأسواق الدولية بأن الدولة ملتزمة بسيادة القانون وبحماية حقوق المستثمرين.

وأشار سليمان إلى أن المركز من شأنه أيضاً المساهمة في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي تعد عاملاً أساسياً في دعم عملية إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، فالمستثمرون يفضلون العمل في دول توفر منظومة قانونية واضحة وآليات تحكيم معترف بها دولياً، الأمر الذي يقلل المخاطر المرتبطة بالاستثمار.

وأكد أن تأسيس المركز قد يسهم في تقليل لجوء الأطراف السورية إلى مراكز التحكيم الأجنبية، الأمر الذي يوفر تكاليف كبيرة بالعملات الأجنبية ويحافظ على جزء من العوائد المالية والخبرات داخل الاقتصاد الوطني.

رسالة طمأنة

من جهته، رأى الخبير الاقتصادي الدكتور يحيى السيد عمر، أن سوريا تشهد اهتماماً متزايداً بمستقبل الاستثمار وإعادة تنشيط الاقتصاد. فبعد سنوات من التحديات، أصبح جذب الاستثمارات هدفاً أساسياً لإعادة بناء القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية، ويُشكّل تأسيس مركز تحكيم دولي خطوة مهمة لتعزيز ثقة المستثمرين ودعم بيئة الأعمال في سوريا.

وقال السيد عمر لصحيفة “الثورة السورية”، إن المستثمر ينظر عادة إلى عوامل عدة قبل اتخاذ قرار الدخول إلى أي سوق، وأبرزها وجود نظام قانوني واضح يضمن حماية الحقوق ويقدم حلولاً عادلة في حال حدوث خلافات.

وأوضح أن النزاعات الاستثمارية أمر طبيعي في عالم الأعمال، وقد تنشأ بسبب تفسير العقود أو تنفيذها أو تغيّر الظروف الاقتصادية. لذلك تلجأ العديد من الدول إلى إنشاء مراكز تحكيم متخصصة تُتيح حل هذه النزاعات بسرعة ومرونة مقارنة بالمحاكم التقليدية.

وأضاف أن وجود مركز تحكيم دولي داخل سوريا قد يُشكل رسالة طمأنة للمستثمرين المحليين والأجانب، إذ يبحث المستثمر عن آلية واضحة لحل النزاع دون الدخول في مسارات قضائية طويلة أو معقدة، خاصة أن التحكيم يوفر عادة سرعة أكبر في الإجراءات، ويسمح باختيار محكّمين متخصصين في القانون التجاري والاستثماري.

وأشار السيد عمر إلى تجارب دول ومدن أخرى، مثل دبي وباريس وسنغافورة، التي طوّرت مؤسسات تحكيم قوية أصبحت مرجعاً للشركات الدولية، فهي تحل النزاعات، وتعزز أيضاً صورة المدن كمراكز أعمال موثوقة، وهو ما يظهر الدور الذي يمكن أن يلعبه إنشاء مركز تحكيم في سوريا لدعم البيئة القانونية للاستثمار.

ولفت إلى أن المركز قد يحقق فوائد داخلية مهمة، مثل نشر ثقافة العقود الواضحة والالتزام القانوني بين الشركات، وفتح المجال أمام تدريب كوادر قانونية سورية متخصصة في التحكيم التجاري الدولي، وهو نوع من الخبرات المطلوبة في الاقتصاد العالمي، ويمكن أن يُشكّل مجالاً مهنياً جديداً للمحامين والخبراء القانونيين في سوريا.

ارتباط بإعادة الإعمار

رأى السيد عمر إلى أن مشروع مركز التحكيم قد يرتبط أيضاً بمرحلة إعادة الإعمار، التي غالباً ما تشهد عقوداً كبيرة في مجالات البناء والطاقة والنقل، وهذه العقود قد تنطوي على تعقيدات قانونية ومالية، ما يجعل وجود آلية تحكيم متخصصة عاملاً يساعد على إدارة الخلافات بطريقة منظمة.

كما يمكن أن يقلل المركز الضغط على المحاكم المحلية، إذ يركز التحكيم على النزاعات التجارية والاستثمارية فقط، ما يسمح بإجراءات أكثر سرعة ومرونة، ويمنح الأطراف فرصة حل النزاع في إطار مهني يركز على الجوانب الاقتصادية والقانونية للعقد.

وأكد السيد عمر أن نجاح أي مركز تحكيم يعتمد على شروط أساسية، من أهمها استقلالية المؤسسة ووضوح قواعدها القانونية، إضافة إلى وجود تشريعات تدعم تنفيذ أحكام التحكيم وتحترمها، فالمستثمر يهتم بالقدرة الفعلية للمؤسسة على إصدار قرارات قابلة للتنفيذ وتحظى بالثقة.

كما أشار إلى أهمية الإدارة الفعالة، حيث تعتمد المؤسسات الناجحة عادة على مجلس إدارة يضم خبرات قانونية واقتصادية متنوعة، وقواعد إجرائية واضحة تتماشى مع المعايير الدولية المعروفة في التحكيم التجاري، مما يسهل قبول قرارات التحكيم خارج الدولة.

ميساء العلي

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار