التطورات الجيوسياسية تزوّد الصين بأسلحة جديدة في الحرب الاقتصادية

زمن القراءة: 6 دقائق
إذا كنت تعتقد أنك لم تسمع الكثير من الصين حول الصراع الإيراني، فأنت مُحق. فباعتبارها مستورداً رئيساً للنفط، يشتري أكثر من 80 % من إنتاج إيران، ومُصدِّراً عالميا ضخماً مُعرَّضاً للضعف في التجارة الدولية، يُمكنك بالطبع أن تتخيل مدى قلق بكين.
لكن بينما يتطلع شي جين بينغ إلى قمة في الصين مع دونالد ترامب، نهاية الشهر الجاري، فإن مزيجاً من الإعداد الجيد، والموقع الاستراتيجي في سلاسل التوريد، ونموذج نمو يتمتع بالمرونة على المدى القصير، سيمنح الصين الثقة. في المقابل، يُدمِّر ترامب، بأسلوبه المُثير للجدل، مصداقية الولايات المتحدة كقائد جيواقتصادي، بينما يُعزِّز شي، نسبياً، مصداقية الصين بهدوء.
وعندما التقى الزعيمان آخر مرة في أكتوبر، اتفقا على تأجيل تصعيد الأعمال العدائية الجمركية ضد بعضهما البعض لمدة عام. وقبيل الاجتماع، هددت الصين الولايات المتحدة بالتراجع، وإلا فإنها ستستخدم سلاحها المفضل، المتمثل في فرض قيود على صادرات المعادن الأرضية النادرة التي يصعب استبدالها. وقد حاولت إدارة ترامب، متأخرةً، تعزيز قدرتها على الصمود، من خلال تشكيل تحالف دولي لاستخراج وتوزيع المعادن الحيوية، إلا أنها تعاني من نقص حاد في المصداقية، كقائد مقنع لأي تحالف تعاوني.
في الوقت نفسه، يمكن لبكين أن تراقب بارتياح كيف تؤكد الولايات المتحدة، دون قصد، اعتمادها على المعادن الأرضية النادرة في هجماتها على إيران. فكل طائرة مقاتلة من طراز إف 35، تحمل حوالي 400 كيلوغرام من هذه المعادن، بالإضافة إلى الطائرات المسيّرة، وأنظمة الصواريخ التي تزيد الكمية كثيراً. وتسعى الولايات المتحدة إلى تحرير جيشها من الاعتماد على مجموعة فرعية من المعادن الأرضية النادرة الصينية بحلول العام المقبل، لكنها تظهر الآن مدى صعوبة هذه المهمة.
ومن الواضح أن الصين ستتأثر بصدمة إيران، لكن كما كانت الحال مع المعادن الأرضية النادرة، فقد استعدت لذلك جيداً. وعلى عكس الولايات المتحدة، حيث فشل ترامب في تجديد احتياطي النفط الاستراتيجي، تمتلك الصين مخزوناً يكفي لثلاثة أشهر تقريباً، كما أنها قادرة على شراء المزيد من النفط من روسيا. وقد ساهم تحولها السريع نحو توليد الطاقة المتجددة، والذي ربما كان يهدف في المقام الأول إلى الحماية من تقلبات أسواق الوقود الأحفوري العالمية، أكثر من الاهتمام بالبيئة، في تعزيز قدرتها على الصمود. وقد حددت الخطة الخمسية الصينية، التي نُشرت مؤخراً، أهدافاً متحفظة لخفض كثافة إنتاج النفط، وستواصل استخدام الفحم لتخفيف تقلبات إمدادات الطاقة المتجددة لفترة من الوقت.
وبرفعه الرسوم الجمركية بشكل حاد، حاول ترامب بالفعل، دون جدوى، إبطاء آلة التصدير الصينية فائقة التنافسية. وقد انخفضت الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بنحو الثلث في عام 2025، لكن الارتفاع الهائل في الطلب على معدات تكنولوجيا المعلومات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، عزز مبيعاتها إلى دول أخرى. لذلك، ارتفعت الصادرات الصينية إجمالاً بنسبة هائلة، بلغت 21.8 % على أساس سنوي، في شهري يناير وفبراير، وزاد فائضها التجاري بنسبة 25.3 %.
وتواجه الصين مشاكل على المديين المتوسط والطويل. وبالفعل، فقد أقرت الصين الأسبوع الماضي، بواقع التباطؤ الكبير في الإنتاجية، وخفضت هدف نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.5 – 5 %، وهو أدنى مستوى له منذ عقود.
ولتحقيق ذلك، اضطرت استراتيجيتها التوسعية المتعلقة بالصادرات، إلى شراء النمو من خلال خفض مستمر في أسعار الصادرات. وخوفاً من تراجع الصناعة بسبب الواردات المدعومة من الصين، فرض شركاؤها التجاريون سلسلة من إجراءات مكافحة الإغراق والدعم، عقب تراجعها خلال طفرة التجارة التي أعقبت جائحة (كوفيد 19)، إلا أن هذه الأدوات غير فعالة في إدارة السياسة الصناعية، في ظل تدفق الواردات الصينية الرخيصة.
وكان من الممكن أن يكون هذا هو الوقت المثالي لقائد اقتصادي عالمي، لمحاولة حشد الحكومات حول العالم حول استراتيجية متماسكة لمقاومة ما يعتبرونه إغراقاً صينياً، لكن الولايات المتحدة تؤكد أنها شريك أقل موثوقية، مع مرور كل أسبوع.
في المقابل، فإن الحفاظ على علاقات جيدة مع الصين، له بعض الفوائد، لا سيما في مجال التكنولوجيا الخضراء الرخيصة. وقد ارتفعت جاذبية حماية الاقتصادات من صدمات أسعار النفط باستخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بشكل حاد، خلال الأسبوعين الماضيين. وبدلاً من محاولة كبح جماح تدفق الواردات من الصين، تتمثل الاستراتيجية الشائعة في محاولة تشجيع الصين على الاستثمار، وخلق الإنتاج وفرص العمل محلياً، خاصة في ما يتعلق بالسيارات الكهربائية.
وبالنظر إلى المرونة التي تتوفر لدى الصين، من خلال استعداداتها الجيدة، فإن شي جين بينغ ليس مطالباً ببذل الكثير في القمة المرتقبة، سوى التمتع ببريق الحكمة – أو على الأقل مظهرها – وربما إبرام بعض الصفقات الاستثمارية، لإعادة التواصل مع الولايات المتحدة على مستوى مختلف.
ويقول يو جي الباحث الرئيس في الشؤون الصينية في مركز تشاتام هاوس للأبحاث: «بالنسبة لنظام وضع العلاقات مع الولايات المتحدة في صميم سياسته الخارجية، يمكنه اعتبار أي اجتماع على أعلى مستوى نجاحاً بحد ذاته».
ولا ينفي ذلك كله حقيقة أن نموذج النمو الذي تتبناه بكين، يعاني من مشاكل خطيرة. لذلك، لا تزال الصين بعيدة عن تجاوز الولايات المتحدة كقوة جيواقتصادية. لكنها تثبت قدرتها على تجاوز صدمات التعريفات الجمركية، وتداعيات أسعار النفط الناجمة عن مغامرة الولايات المتحدة. ولزيادة مصداقيتها الاقتصادية، مقارنةً بالولايات المتحدة، في الوقت الراهن، ما عليها سوى ارتكاب أخطاء أقل من أخطاء ترامب، وهذا ليس بالأمر الصعب.
آلان بيتي

المصدر: فايننشال تايمز

آخر الأخبار