شاركت وزارة السياحة السورية قبل أيام في فعاليات معرض بورصة برلين الدولي للسياحة 2026، الذي أُقيم في العاصمة الألمانية برلين خلال الفترة من 3 إلى 5 آذار الجاري، في خطوة عُدّت مفصلية ضمن مساعي إعادة تموضع سوريا على خارطة السياحة العالمية بعد سنوات من التراجع والانقطاع.
ومثّل الوزارة في هذه المشاركة معاون الوزير فرج أسعد قشقوش، إلى جانب عدد من شركات السياحة والسفر والطيران الوطنية، في واحدة من أكبر وأهم المنصات الدولية المتخصصة في صناعة السياحة.
ويُعدّ معرض ITB برلين الحدث الأبرز عالمياً في قطاع السفر والسياحة، إذ يستقطب في دورته الحالية أكثر من 5600 عارض من نحو 180 دولة، ويزوره ما يزيد على 100 ألف مختص ومهتم، فضلاً عن حضور إعلامي واسع يتجاوز 3200 صحفي و300 مدون.
وحملت دورة هذا العام أهمية إضافية، إذ تزامنت مع الذكرى الستين لإطلاق المعرض لأول مرة عام 1966، تحت شعار “Discover the stories behind 60 years of legacy”، ما منحه زخماً تاريخياً ومهنياً مضاعفاً.
اكتسبت المشاركة السورية في هذه الدورة بُعداً خاصاً، كونها جاءت للمرة الأولى بعد التحرير، وفي سياق مرحلة جديدة سعت فيها الدولة إلى استعادة حضورها الطبيعي في المحافل الدولية.
ويُعدّ المعرض محطة أساسية يلتقي فيها كبار المتخصصين وصنّاع القرار في قطاع السياحة لتبادل الخبرات، وإرساء الشراكات الاستراتيجية، واستشراف الاتجاهات الحديثة التي ترسم ملامح مستقبل الصناعة.
وفي تصريح صحفي، أوضح معاون وزير السياحة فرج القشقوش أن المشاركة السورية هدفت إلى إعادة سوريا إلى مكانتها الطبيعية على خارطة السياحة العالمية، والترويج لـ”سوريا الجديدة” كوجهة آمنة وغنية بالمقومات الحضارية والثقافية، وأكد أن الجناح السوري ضمّ وزارة السياحة إلى جانب مكاتب وشركات سياحية وطنية، في رسالة واضحة مفادها أن القطاع السياحي يستعيد عافيته تدريجياً، وأن المعالم السياحية في مختلف المحافظات باتت جاهزة لاستقبال الزوار.
الترويج للمقاصد السورية المتنوعة
وعرض جناح وزارة السياحة خلال المعرض أبرز المعالم الأثرية والثقافية والترفيهية في سوريا، من دمشق القديمة إلى تدمر، ومن حلب إلى اللاذقية وطرطوس، مروراً بالمواقع الدينية والتاريخية التي تشكل جزءاً من الإرث الإنساني العالمي.
كما سلطت الوزارة الضوء على خدماتها السياحية المتكاملة، وبرامج السفر المنظمة، والحلول المخصصة للأسواق الأوروبية، بما يواكب تطلعات السائح الحديث الباحث عن تجارب أصيلة وفريدة.
وسعت الوزارة من خلال هذه المشاركة إلى استقطاب شرائح جديدة من الزوار الأوروبيين، وتحفيزهم على إطالة مدة إقامتهم في سوريا، بما يعزز العائد الاقتصادي للقطاع، ويدعم الصناعات المرتبطة به من نقل وفنادق ومطاعم وحرف تقليدية.
وخلال السنوات الماضية، امتلكت سوريا حضوراً مهماً في السوق الألمانية، في ظل وجود أكبر جالية سورية في أوروبا في ألمانيا، ما جعل هذا السوق ذا أهمية استراتيجية خاصة، وشكّل المعرض فرصة للتواصل المباشر مع منظمي الرحلات وشركات الطيران ووكالات السفر الألمانية، وبحث آفاق التعاون لإطلاق برامج سياحية مشتركة، وتسيير رحلات مباشرة عند توافر الظروف الفنية والتنظيمية المناسبة.
وفي هذا السياق، أكدت مسؤولة التواصل في شركة “فلاي شام” زينة مطر أن مشاركة الشركة في المعرض هدفت إلى تعزيز حضورها في الأسواق الأوروبية، وتوسيع شبكة محطاتها الخارجية، بما يخدم السوريين المقيمين في الخارج ويدعم عودة الحركة السياحية تدريجياً بين أوروبا وسوريا.
أهمية المشاركة من منظور الخبراء
من جانبه، شدد الخبير السياحي حسام المطلق على أن معرض ITB برلين يُعدّ أكبر وأهم البورصات السياحية العالمية، ومنصة رئيسية لتبادل الاتجاهات الحديثة والخبرات حول مستقبل صناعة السياحة.
وأوضح في حديثه لصحيفة “الثورة السورية” أن المشاركة السورية مثلت فرصة حقيقية لعقد لقاءات مهنية مع كبار منظمي الرحلات وشركات الطيران في السوق الألمانية، بهدف دفع مزيد من معدلات الحركة السياحية الوافدة إلى سوريا.
وأشار المطلق إلى أهمية الاجتماعات الرسمية على هامش المعرض مع الجانب الألماني، لبحث سبل تعزيز التعاون السياحي المشترك، وتذليل العقبات التي قد تعترض تدفق السياح، مؤكداً أن مثل هذه اللقاءات تفتح الباب أمام شراكات طويلة الأمد تسهم في استقرار القطاع ونموه.
أرقام تعكس بداية التعافي
بحسب وزارة السياحة، شهد عام 2025 قدوم أكثر من 250 ألف زائر أوروبي إلى سوريا، في مؤشر عُدّ إيجابياً مقارنة بالسنوات السابقة، وعكس تحسناً تدريجياً في صورة المقصد السياحي السوري.
وراهنت الوزارة على مضاعفة هذه الأرقام خلال الأعوام المقبلة من خلال المشاركة الفاعلة في المعارض الدولية وتوسيع قنوات التواصل مع الأسواق التقليدية والناشئة.
لا يمكن الحديث عن عودة سوريا إلى خارطة السياحة العالمية دون التذكير بحجم الخسائر التي تكبدها هذا القطاع خلال سنوات حرب النظام المخلوع ضد السوريين، فقد توقف نحو 544 مشروعاً سياحياً عن التنفيذ بين عامي 2011 و2014، في مؤشر مبكر على حجم التراجع الذي أصاب القطاع، وفي عام 2019، أعلن وزير السياحة في حكومة النظام المخلوع آنذاك خروج 1468 منشأة سياحية من الخدمة، بينها 365 فندقاً و1103 مطاعم، إضافة إلى تضرر 403 منشآت بشكل كلي أو جزئي.
هذه الأرقام عكست حجم التحدي الذي واجهته وزارة السياحة اليوم، لكنها في الوقت نفسه أبرزت أهمية كل خطوة اتُّخذت لإعادة تنشيط القطاع وجذب الاستثمارات وإعادة تأهيل البنية التحتية السياحية.
“قطاع السياحة يُعدّ من أهم الركائز الاقتصادية والتنموية في أي دولة لها مقومات كسوريا”، هذا ما أكده الخبير السياحي حسام المطلق، وذلك لما يوفره القطاع من فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وما يحققه من عائدات بالعملات الأجنبية، إضافة إلى دوره الحيوي في تعزيز صورة البلاد على المستوى الدولي.
ولفت المطلق إلى أن المشاركة في حدث عالمي بحجم بورصة برلين الدولي للسياحة تجاوزت الإطار الترويجي التقليدي، لتشكل منصة ذات أبعاد اقتصادية ودبلوماسية وثقافية متكاملة.
وأشار المطلق إلى أن عودة سوريا إلى منصات السياحة العالمية مثلت استعادة لجزء مهم من حضورها الدولي، ونافذة للتواصل الحضاري مع الشعوب، وإبراز إرثها الثقافي والتاريخي الممتد لآلاف السنين.
ونوّه إلى أن مشاركة وزارة السياحة في ITB 2026 اندرجت ضمن رؤية وطنية استهدفت زيادة أعداد الزوار سنوياً، وإعادة بناء قطاع حيوي شكّل على الدوام أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.
السياحة كمورد وطني استراتيجي
يُعدّ قطاع السياحة في سوريا من القطاعات الاقتصادية الحيوية التي لعبت دوراً مهماً في دعم الناتج المحلي الإجمالي، مستنداً إلى تنوع فريد في المقومات السياحية يجمع بين السياحة الثقافية والدينية والترفيهية والطبيعية، فوجود مواقع تاريخية مُدرجة على قائمة التراث العالمي، ومدن عريقة مثل دمشق وحلب وتدمر، إلى جانب الساحل السوري والمناطق الجبلية، منح البلاد قاعدة سياحية واسعة قادرة على استقطاب شرائح متعددة من الزوار.
وقبل اندلاع الثورة ضد بشار الأسد، استقبلت البلاد عام 2010 نحو 8.5 ملايين زائر بين سائح ومقيم وزائر ديني وعابر، وحققت إيرادات سياحية قُدرت بنحو 8 مليارات دولار، ووفقاً لتقديرات رسمية ودراسات اقتصادية في تلك الفترة، ساهم قطاع السياحة بشكل مباشر وغير مباشر بما يتراوح بين 12 و14 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مرتفعة نسبياً مقارنة بقطاعات خدمية أخرى، ما عكس ثقله الاقتصادي.
كما وفر القطاع مئات آلاف فرص العمل، سواء بشكل مباشر في الفنادق وشركات السياحة والنقل والمطاعم، أو بشكل غير مباشر عبر سلاسل التوريد والحرف التقليدية والأسواق المحلية، وكانت السياحة تُعدّ أحد أهم مصادر القطع الأجنبي، إلى جانب الصادرات الزراعية وبعض الصناعات الخفيفة.
الجدير بالذكر أن آلة الحرب الأسدية أدت إلى تراجع حاد في أعداد الزوار، وخروج عدد كبير من المنشآت السياحية من الخدمة، ما انعكس سلباً على مساهمة القطاع في الناتج المحلي خلال السنوات اللاحقة، ومع ذلك، ظل يُنظر إلى السياحة كأحد القطاعات القادرة على لعب دور محوري في مرحلة التعافي الاقتصادي، نظراً لسرعة استجابتها للاستقرار الأمني والسياسي مقارنة بقطاعات إنتاجية تحتاج إلى استثمارات ضخمة وفترات زمنية أطول.
وفي هذا السياق، تعد المشاركة في معارض دولية كبرى مثل بورصة برلين الدولي للسياحة خطوة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تفعيل القطاع، واستعادة مساهمته في الناتج القومي، وتعزيز موقعه كرافد اقتصادي وتنموي أساسي في المرحلة المقبلة.
مختار الإبراهيم
المصدر: الثورة السورية
