الحرب في المنطقة تربك الاقتصاد العالمي: عودة شبح أزمات السبعينيات

زمن القراءة: 8 دقائق

تُوجّه الحرب في المنطقة صدمات جديدة للاقتصاد العالمي، إذ يدفع الصراع أسعار الطاقة والأسمدة إلى الارتفاع، ويهدد بحدوث نقص غذائي في الدول الفقيرة، كما يزعزع استقرار اقتصادات هشة مثل باكستان وفي الوقت نفسه، يضع البنوك المركزية أمام خيارات أكثر تعقيداً في مواجهة التضخم، ومن بينها مجلس الاحتياط الفيدرالي الأميركي ويعود جزء كبير من هذه التداعيات إلى تعطّل الملاحة فعلياً في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.

وفي هذا السياق، قال موريس أوبستفيلد، الزميل البارز في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي وكبير خبراء الاقتصاد سابقاً في صندوق النقد الدولي، لوكالة أسوشييتد برس: إن “السيناريو الكابوسي الذي كان يردع الولايات المتحدة حتى عن التفكير في مهاجمة إيران أو يدفعها إلى حث إسرائيل على ضبط النفس، يتمثل في احتمال إغلاق مضيق هرمز”. وأضاف: “نحن نعيش هذا السيناريو الكابوسي الآن”.

ومع تعطّل أحد أهم طرق الشحن في العالم، قفزت أسعار النفط من أقل من 70 دولاراً للبرميل في 27 شباط إلى ما يقارب 120 دولاراً في وقت مبكر من يوم الاثنين، قبل أن تتراجع لاحقاً إلى نحو 90 دولاراً للبرميل وتبع ذلك ارتفاع في أسعار البنزين.

وبدأت بعض الدول باتخاذ إجراءات للتعامل مع تداعيات الأزمة، ففي الهند، حذّرت مطاعم من احتمال الإغلاق، مع إعطاء الحكومة الأولوية لإمدادات الغاز للأسر وفي تايلاند، جرى تعليق السفر الخارجي لموظفي الدولة، مع تشجيعهم على استخدام السلالم بدلاً من المصاعد لتوفير الطاقة كما اعتمدت الفيليبين أسبوع عمل مؤقتاً من أربعة أيام لبعض الهيئات الحكومية، بينما شجعت فيتنام الموظفين على العمل من المنزل.

فقدان 20 مليون برميل نفط يومياً

بدورها، قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجييفا، إن كل زيادة بنسبة 10% في أسعار النفط، إذا استمرت معظم العام، قد ترفع التضخم العالمي بنحو 0.4% وتخفض الناتج الاقتصادي العالمي بما يصل إلى 0.2% أما الخبير الاقتصادي، سيمون جونسون، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والحائز جائزة نوبل التذكارية في الاقتصاد لعام 2024، فأكد ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، وفق ما ذكرت “أسوشييتد برس”.

وأوضح أنه لا توجد طاقة إنتاجية فائضة في العالم يمكن أن تعوض هذا النقص ورغم ذلك، أظهر الاقتصاد العالمي قدرة على التكيف مع الصدمات في السنوات الأخيرة، بعدما استوعب تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا قبل أربع سنوات، وكذلك الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في عام 2025. ويعرب عدد من الاقتصاديين عن تفاؤل حذر بإمكانية تجاوز الأزمة الحالية.

رابحون وخاسرون في الاقتصاد

ومن المرجح أن تفرز الحرب رابحين وخاسرين اقتصادياً فالدول المستوردة للطاقة، مثل معظم دول أوروبا وكوريا الجنوبية وتايوان واليابان والهند والصين، ستكون من الأكثر تضرراً من ارتفاع الأسعار، وفق تحليل نشره شيرينج لصالح معهد “تشاتام هاوس” في لندن وتجد باكستان نفسها في وضع شديد الصعوبة، إذ تستورد نحو 40% من احتياجاتها من الطاقة وتعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي المسال من قطر، وقد تأثرت هذه الإمدادات نتيجة الصراع.

وبدلاً من خفض أسعار الفائدة لتخفيف الضغوط الاقتصادية، من المرجح أن يضطر البنك المركزي في البلاد إلى رفعها، بحسب ما ذكره الاقتصاديان جاريث ليذر ومارك ويليامز من مؤسسة “كابيتال إيكونوميكس”، وذلك في ظل بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة ومرشحة للتفاقم مع ارتفاع أسعار الطاقة في المقابل، قد تستفيد الدول المنتجة للنفط خارج منطقة الحرب، مثل النرويج وروسيا وكندا، من ارتفاع الأسعار دون أن تواجه مخاطر الهجمات الصاروخية أو الطائرات المسيّرة.

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الطاقة فقط، إذ أشار جوزيف جلوبر من المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية إلى أن ما يصل إلى 30% من صادرات الأسمدة العالمية تمر عبر مضيق هرمز، بما يشمل اليوريا والأمونيا والفوسفات والكبريت.  وقد أدى اضطراب الملاحة في المضيق بالفعل إلى تعطيل شحنات الأسمدة، ما رفع تكاليفها على المزارعين، ومن المرجح أن يؤدي إلى زيادة أسعار الغذاء. وقال أوبستفيلد إن أي دولة تمتلك قطاعاً زراعياً كبيراً، بما في ذلك الولايات المتحدة، ستكون عرضة للتأثر، لكنه حذر من أن التأثير سيكون أشد تدميراً في الدول منخفضة الدخل، حيث تعاني الإنتاجية الزراعية أساساً من تحديات كبيرة، ومع ارتفاع التكاليف قد تواجه هذه الدول نقصاً حاداً في الغذاء.

معضلة البنوك المركزية

ومن المتوقع أن تحقق الولايات المتحدة مكاسب محدودة من ارتفاع أسعار النفط والغاز، بعدما أصبحت تصدّر طاقة أكثر مما تستورد. ومع ذلك، ستشعر الأسر الأميركية بارتفاع الأسعار، في وقت يتصاعد فيه غضب المواطنين من تكاليف المعيشة قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

وقال مارك ماثيوز، كبير الاقتصاديين لدى الاتحاد الوطني لتجار التجزئة، إن الأسر الأميركية تنفق نحو 2500 دولار سنوياً، أي ما يقارب 50 دولاراً أسبوعياً، لملء خزانات سياراتها بالوقود. وأضاف أن ارتفاع أسعار البنزين بنسبة 20% يعني إنفاق نحو 10 دولارات إضافية أسبوعياً، ما يضطر الأسر إلى تقليص إنفاقها على سلع أخرى. وأوضح: “إذا اضطررت لدفع المزيد مقابل سلعة أساسية، فسأقلل الإنفاق على الكماليات”.

كما تضع أزمة إيران البنوك المركزية أمام معضلة صعبة، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى تغذية التضخم، لكنه في الوقت نفسه يضعف النشاط الاقتصادي. وبالتالي يواجه صناع السياسة النقدية خياراً معقداً: رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم أو خفضها لدعم الاقتصاد. ويشهد مجلس الاحتياط الفيدرالي بالفعل انقساماً بين مسؤولين يرون أن ضعف سوق العمل في الولايات المتحدة يستدعي خفض الفائدة، وآخرين يخشون بقاء التضخم أعلى من الهدف المحدد عند 2%.

وقال جونسون: إن صناع السياسة النقدية “سوف يتذكرون بسهولة تجربة السبعينيات”، عندما أدت الصراعات في الشرق الأوسط وحظر تصدير النفط العربي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط وأضاف أن المسؤولين آنذاك اعتبروا الصدمة مؤقتة وخفضوا أسعار الفائدة، لكنهم ندموا لاحقاً بعدما ارتفع التضخم إلى مستويات أعلى بكثير.

وتوقع جونسون أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن حرب إيران إلى “تصعيد واسع للنقاش داخل مجلس الاحتياط الفيدرالي”، وأن يجعل خفض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة أقل احتمالاً.

وعليه، تُظهر الحرب في المنطقة مدى هشاشة الاقتصاد العالمي أمام الصدمات الجيوسياسية، ولا سيما عندما تطاول أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة والتجارة في العالم، مثل مضيق هرمز. فارتفاع أسعار النفط والأسمدة، وتصاعد الضغوط التضخمية، وتعقّد خيارات البنوك المركزية في إدارة السياسة النقدية، كلها مؤشرات على أن تداعيات الصراع تتجاوز حدود المنطقة لتطاول الاقتصاد العالمي برمّته.

ورغم أن بعض الاقتصاديين يعوّلون على قدرة الاقتصاد العالمي على التكيّف مع الصدمات، كما حدث في أزمات سابقة، فإن مسار الأزمة يبقى رهناً بسرعة استعادة حركة الملاحة في المضيق واحتواء التصعيد العسكري. وحتى يتحقق ذلك، ستظل الأسواق العالمية في حالة ترقب وحذر، فيما تتحمل الاقتصادات الأكثر هشاشة الكلفة الأكبر لهذه الصدمة الجديدة.

المصدر: أسوشييتد برس- العربي الجديد

آخر الأخبار