مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتزايد المخاوف من إغلاق مضيق هرمز الحيوي وتهديد مضيق باب المندب، تتجه الأنظار إلى الأبعاد الاقتصادية للحرب الأميركية الإسرائيلية – الإيرانية والمسارات البديلة للتجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.
فالاضطرابات في أسواق الطاقة وتعطّل سلاسل الإمداد العالمية تشكل تحدياً مباشراً أمام الدول في إدارة مواردها. وفي خضم هذه التحولات، تبدو سوريا أمام فرصة فريدة لاستثمار موقعها الاستراتيجي ومواردها الوطنية لتحويل التحديات إلى فرص تنموية تعزز الاعتماد على الذات وتفتح آفاقاً جديدة للنمو الاقتصادي.
مسارات بديلة
شهدت منطقة مضيق هرمز توتراً متصاعداً بعد إعلان إيران إغلاق المضيق الحيوي ومنع تصدير النفط، فيما أكدت الولايات المتحدة أنها ستتصدى لهذه الخطوة وصرّحت بأن المضيق “ليس مغلقاً”.
يمثل المضيق أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ تُظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن تدفقات النفط عبر هرمز تبلغ نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط والغاز الطبيعي المسال.
وتوقفت فعلياً حركة الناقلات في المضيق الحيوي، نتيجة تعليق اختياري من قبل ملاك السفن، رغم عدم صدور إعلان رسمي بإغلاقه.
من جهة أخرى، يكتسب مضيق باب المندب أهميته من كونه البوابة الجنوبية لقناة السويس، التي يمر عبرها نحو 10 بالمئة من التجارة البحرية العالمية و22 بالمئة من تجارة الحاويات سنوياً، وفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، كما تشير بيانات البنك الدولي إلى أن ما يقرب من 30 بالمئة من تجارة النفط و40 بالمئة من البضائع الجافة تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
ومع تصاعد تهديدات جماعة الحوثيين في اليمن بـ”استئناف وتصعيد” الهجمات على السفن المرتبطة بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب، تتجه الأنظار إلى المسارات البديلة.
ويرى الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، الدكتور زيركوان قريط، أن إغلاق مضيق هرمز يفتح أمام سوريا مجموعة من الفرص الاقتصادية المحددة، التي يمكن استغلالها لتحويل التحديات الجيوسياسية إلى محركات للنمو والتعافي، مشيراً إلى أن هذه الفرص تستند بشكل أساسي إلى الموقع الجغرافي الاستراتيجي لسوريا وإمكاناتها في التحول إلى مركز لوجستي وتجاري إقليمي.
وقال قريط لصحيفة “الثورة السورية”، إن تعطل الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب، يزيد أهمية الممرات البرية بشكل كبير، موضحاً أن بإمكان سوريا أن تستغل موقعها الجغرافي الفريد لربط آسيا بأوروبا، ومنطقة الخليج بالبحر الأبيض المتوسط.
ولتحقيق ذلك، أكد قريط ضرورة تفعيل الممر الثلاثي بين تركيا وسوريا والأردن، مشيراً إلى أن الاتفاق مؤخراً بين هذه الدول لتسهيل حركة البضائع والأشخاص خطوة محورية، داعياً إلى تسريع وتيرة تنفيذ هذا الاتفاق ليشمل تطوير البنية التحتية للنقل البري والجوي، وإحياء خطوط السكك الحديدية، وتوحيد المعايير التنظيمية، مما سيعزز التجارة الإقليمية ويربط الأسواق الأوروبية بالخليج عبر سوريا.
كما لفت إلى أهمية تطوير الربط السككي مع العراق، معتبراً إياه فرصة استراتيجية، ويمكن أن يحقق قفزة في المبادلات التجارية ويزيد من إيرادات الترانزيت، ويتطلب من سوريا العمل على استكمال الأجزاء الخاصة بها من هذا المشروع. وأضاف أن تحديث شبكة الطرق الدولية التي تمر عبر سوريا واستثمارها لضمان تدفق سلس للبضائع يقلل من تكاليف النقل ويختصر زمن الشحن، مما يعزز من جاذبية سوريا كمسار تجاري.
الموانئ السورية
أوضح قريط أن الموانئ السورية على البحر الأبيض المتوسط يمكن أيضاً أن تلعب دوراً حيوياً كبوابات بديلة للتجارة الإقليمية والدولية، مع تزايد المخاطر في الممرات البحرية الأخرى.
واعتبر أن اتفاقية تطوير ميناء طرطوس مع موانئ دبي العالمية، بقيمة 800 مليون دولار، تمثل فرصة كبيرة لزيادة قدرة الميناء وكفاءته، مؤكداً أهمية التركيز على تحديث البنية التحتية للميناء، وتوسيع قدرته الاستيعابية، وتزويده بأحدث التقنيات اللوجستية ليصبح مركزاً إقليمياً للشحن والتفريغ.
كما أشار إلى ضرورة تكامل الموانئ السورية بشكل فعال مع شبكات الطرق والسكك الحديدية الداخلية والإقليمية لضمان سهولة نقل البضائع من وإلى الموانئ، مما يعزز جاذبيتها كبوابة تجارية.
وشدد قريط على أن هذه الفرص تتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية، ويمكن لسوريا استغلال هذه الحاجة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية عبر تقديم حوافز استثمارية، وتسهيل الإجراءات الإدارية، وتوفير الضمانات القانونية للمستثمرين في قطاعات النقل واللوجستيات والمناطق الصناعية الحرة. كما لفت إلى أهمية تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى.
وأضاف أن إعادة تفعيل الممرات التجارية عبر سوريا ستؤدي إلى تنشيط حركة التجارة مع دول الجوار والأسواق الإقليمية الأوسع، لكن من الضروري تبسيط الإجراءات الجمركية والإدارية على الحدود والموانئ لتشجيع حركة الترانزيت والتجارة البينية، مما يقلل من التكاليف والوقت.
لحظة تحول كبرى
رأى عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق، مازن كنينة، أكد أن لحظات التحوّل الكبرى تقاس بثقل أحداثها، وأيضاً بعمق تأثيرها في الاقتصاد العالمي. وأشار كنينه إلى أن مضيق هرمز، الذي يشكل شرياناً حيوياً تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط المنقولة بحراً، يجعل أي تصعيد عسكري أو إغلاق محتمل عاملاً مباشراً في إعادة تشكيل معادلات الطاقة والأسعار والتضخم حول العالم.
وأوضح كنينة لصحيفة “الثورة السورية”، أن اضطراب هذا الممر الاستراتيجي ينعكس على أسعار النفط، كما يفتح الباب أمام موجة تضخمية عالمية، وزيادة في تكاليف الشحن والتأمين، واختلالات في سلاسل الإمداد، وتباطؤ في النمو الاقتصادي، خاصة في الدول المستوردة للطاقة.
وأضاف: “أسواق المال تتأثر فوراً، والعملات تتقلب، والدول ذات الهشاشة المالية تجد نفسها أمام تحديات مركبة”.
غير أن كنينه استدرك بالقول: “التاريخ الاقتصادي يعلّمنا أن الأزمات الكبرى، رغم قسوتها، تفرز مسارات جديدة وتمنح الدول فرصة لإعادة التموضع”. وهنا، لفت إلى أن الحالة السورية تبرز بوصفها نموذجاً لإمكان تحويل التحدي إلى مساحة للفعل الوطني المنتج.
بين التحدي والقدرة
في معرض حديثه عن قدرات سوريا على مواجهة التحديات، أكد كنينه أنه رغم الصعوبات التي واجهتها البلاد خلال السنوات الماضية، إلا أن امتلاكها لحقول نفط وغاز داخل أراضيها ركيزة استراتيجية لتعزيز مستوى الاكتفاء الذاتي في حال تصاعد الأزمات الإقليمية.
وأضاف: “حين ترتفع الأسعار عالمياً، تصبح قيمة الإنتاج المحلي مضاعفة، ويغدو الاستثمار في الموارد الوطنية خياراً سيادياً بامتياز”.
وسرد كنينه أمثلة عملية على القدرات السورية، منها:
-إعادة تفعيل الحقول النفطية والغازية: بما يؤمّن جزءاً مهماً من الاحتياجات المحلية، ويخفف الضغط على الاستيراد في ظل اضطراب الممرات البحرية.
- تعزيز الإنتاج الزراعي: لضمان الأمن الغذائي وتقليل فاتورة الواردات، خاصة أن الطاقة والغذاء يشكّلان معاً عمود الاستقرار الاقتصادي.
- تشجيع الصناعات الوطنية: لتأمين البدائل المحلية للسلع المستوردة، ما يدعم ميزان المدفوعات ويحافظ على القطع الأجنبي.
- التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية: التي أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على تخفيف الضغط على الشبكة العامة، خصوصاً في المناطق الصناعية والتجارية.
واعتبر أنه “بهذه المقاربات، لا تكون الأزمة عبئاً مطلقاً، لكن محفّزاً لإعادة تنظيم الأولويات الاقتصادية وتعزيز مفهوم الاعتماد على الذات”.
كما أشار إلى أن تجاوز الأزمات يرتبط بالموارد، وأيضاً بصلابة مؤسسات الدولة وتكاتف مجتمعها. وفي الحالة السورية، اعتبر أن التعاون بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع الأهلي يشكل عنصراً قوياً. وأضاف: “غرف التجارة والصناعة، والفعاليات الاقتصادية، والكوادر الوطنية، جميعها تشكّل شبكة دعم تضمن استمرار عجلة الإنتاج حتى في أصعب الظروف”.
أدوات عملية
رأى كنينة أن سياسات ترشيد الاستهلاك، وإدارة الموارد بكفاءة، وضبط أولويات الاستيراد، تمثل أدوات عملية لتخفيف أثر أي اضطراب خارجي، مضيفاً: “حين تُدار الموارد بحكمة، يتحول التحدي إلى فرصة لإعادة بناء نموذج اقتصادي أكثر توازناً واستقلالية”.
وأكد كنينه أن الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز سيتركان أثراً عميقاً على الاقتصاد العالمي، وسيدفعان أسواق الطاقة نحو موجات من الاضطراب. لكنه أردف: “الدول التي تمتلك إرادة الإنتاج ومواردها الطبيعية وخبرة كوادرها تستطيع تخفيف وقع الصدمة”.
وأضاف أن سوريا “قادرة على تجاوز هذه المرحلة عبر تفعيل مواردها النفطية، وتعزيز إنتاجها المحلي، وتسريع التحول نحو الطاقات البديلة، وبناء اقتصاد أكثر اعتماداً على الذات. فالأزمات، مهما اشتدت، تبقى اختباراً للإرادة الوطنية، ومن يمتلك إرادة العمل والإنتاج يمتلك القدرة على العبور”.
وفاء فرج
المصدر: الثورة السورية
