سد الفرات في سوريا: عقدان بلا تقييم وفيضان يقترب

زمن القراءة: 8 دقائق
سد الفرات

يواجه سد الفرات في الرقة تحديات متعددة، فبعد خمسة عشر عاماً من الحرب وتراجع الصيانة وتقلبات المناخ الحادة بين الجفاف والسيول، يقرع الخبراء والمهندسون جرس الإنذار في المنشأة الاستراتيجية الأهم في سوريا لتقييم مخاطر إنشائية وتشغيلية فرضتها تداعيات الحرب السورية على امتداد عقد ونصف وزلزال تركيا وسوريا في 2023 وما تبعه من هزات ارتدادية، وصولاً إلى الاضطرار لفتح بوابات السد بشكل غير عادي بسبب تزايد الوارد المائي من تركيا، ما يستدعي تقييمات فنية عاجلة تتجاوز البيروقراطية الإدارية نحو استراتيجية متكاملة لضمان أمان السد وحوض الفرات.

15 عاماً من الاستنزاف
وفي حديث لـِ “المدن”، يوضح الدكتور أحمد غازي مجر، خبير إدارة ترب مالحة ومياه، أنه على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية (2011–2026)، تحول سد الفرات من مشروع وطني كبير لتنظيم مياه النهر وتوليد الكهرباء وري مساحات واسعة، إلى أحد أكثر مؤشرات أزمة المياه والطاقة وضوحاً في سوريا.

ولم يكن ذلك نتيجة عامل واحد، بل نتج عن تداخل الجفاف وتراجع الواردات المائية، والسيطرة العسكرية المتعاقبة، قبل أن تعود إدارة مرافقه إلى العاملين والفنيين المختصين في كانون الثاني 2026 وفق وزارة الطاقة السورية، بالإضافة إلى أضرار الحرب وضعف الصيانة، إلى جانب التوتر المزمن مع تركيا حول تدفقات النهر، ومشكلات مزمنة في كفاءة استخدام المياه وإدارتها داخلياً.

مناسيب حرجة وتخزين ميت
وإلى جانب الحرب، يلفت الدكتور أحمد غازي مجر إلى موجات الجفاف الشديدة، إذ تشير دراسة حديثة لمؤسسة “كارنيغي” إلى أن بحيرة الأسد اقتربت خلال جفاف 2020–2022 من “منسوب التخزين الميت” بنحو متر واحد فقط، ما هدد تشغيل العنفات وسلامة التشغيل الفني، كما وثّقت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) عام 2023 توقف أو تعطل الري في أجزاء من الرقة ودير الزور نتيجة انخفاض التدفق، ما اضطرها مع شركائها لإعادة تأهيل مضخات للتكيف مع المناسيب الجديدة. 
ويبرز هنا العامل التركي عبر مشروع جنوب شرق الأناضول (الغاب)؛ فبينما ينص بروتوكول 1987 على تدفق متوسط شهري مقداره 500 م³/ثانية إلى سوريا وتؤكد أنقرة عدم استخدام المياه سياسياً، تتهم مصادر سورية ومنظمات محلية تركيا بخفض التدفقات خاصة منذ 2020، ما فاقم الوضع الكارثي في سوريا والعراق.
ويؤكد الدكتور أحمد غازي مجر أن الحرب وسوء الإدارة أضافا طبقة ثانية للأزمة؛ فكفاءة تحويل المياه لإنتاج زراعي وكهرباء تعتمد على سلامة شبكات الري والصرف وكفاءة المضخات وصيانة العنفات، في وقت يعتمد فيه الري تاريخياً في سوريا على الري السطحي مع مشكلات ملوحة وصرف وفواقد مائية.

كما أن انخفاض المنسوب يضغط على تشغيل العنفات عند المناسيب الحرجة، فيصبح إنتاج الكهرباء منافساً لاستخدامات المياه الأخرى، ويؤدي نقص الكهرباء لصعوبة تشغيل محطات الضخ، فتتشكل حلقة مفرغة: “مياه أقل، كهرباء أقل، ضخ أقل، إنتاج زراعي أقل، ثم حاجة أكبر إلى المياه والطاقة|، والحاجة الأكبر للمياه والطاقة تعني زيادة احتمالية الوصول إلى التخرين الميت ما يؤثر على سلامة السد.

عقدان بلا تقييم فني
وعلى الصعيد الإنشائي، يقول مهندس عمل في عدد من المنشآت المائية سابقاً، يفضّل عدم الإفصاح عن اسمه، أنّ سدود الفرات الثلاثة (الطبقة، كديران، منبج) لم تخضع لأي تقييم فني للسلامة الإنشائية والاستقرار وحساب عامل الأمان منذ عشرين عاماً، رغم أن المعايير العالمية وشروط استثمار السدود تفرض إجراء تقييم شامل كل خمس سنوات.

ويشير المهندس إلى أن هذه العقود شهدت تغيرات في مناسيب التخزين وتمرير الحمولات وطريقة الإدارة، وتعرض المنطقة لهزات أرضية ومعارك وتفجيرات، وسط انعدام لأعمال القياس والمراقبة لغياب الأجهزة المساحية والكوادر المتمكنة، وإهمال الدوائر المدنية والمائية كلياً، خاصة خلال فترة سيطرة “قسد”.
وحذّر أن فتح البوابات لفترات طويلة ومرات عديدة ـ واستمرار عمل السدود حالياً مع فتح البوابات ـ يُحدث اهتزازات كبيرة في جسم السد قد تسبب انزياحات في أقسام مبنى المحطة وهبوطاً في أساسات السدود الترابية، ما يستوجب تكثيف تواتر القياسات في الظروف الاستثنائية.

وأوضح أن لكل سد قيماً حدية مسموحة، وتجاوزها ينذر بتغير تجب مراقبته سريعاً، مؤكداً أن المؤشر الأخطر هو “الرشح وتسرب المياه” في الأقسام البيتونية أو السد الترابي، يليه “الهبوط والانزياحات” المؤثرة على استقرار السد.

وبينما يقع تحديد المعدات المنتهية الصلاحية على عاتق مهندسي الكهرباء والميكانيك، يشدد الخبراء على أن أمان واستقرار السد كمنشأة مدنية أهم من التجهيزات الميكانيكية والكهربائية، وأن التقييم الشامل ليس جولة تفقدية بل دراسة كاملة جديدة للسد ـ على غرار التقرير النهائي لتقييم سد تشرين الذي تألف من سبعة مجلدات بنحو مئة صفحة لكل مجلد ـ ما يتطلب جهة متخصصة وخبيرة.

هطولات وتشققات وبيروقراطية
ويتقاطع هذا الخطر مع تحذيرات الخبراء من الحالات الجوية القوية، حيث دقت فيضانات تركيا ناقوس الخطر مبكراً بعد تسجيل إسطنبول هطولاً بلغ 273 ملم في يومين في تشرين الأول 2026 (بما يعادل موسماً كاملاً في سوريا التي يبلغ متوسطها السنوي 252 ملم) إثر التقاء كتلة باردة من البلقان بمياه المتوسط الدافئة؛ وهي حالة قد تتكرر باتجاه الدول العربية، ما يوجب على مديريات الموارد المائية إنهاء الصيانة وضمان جاهزية البوابات والمفيضات في السدود الترابية التخزينية بنسبة 100%.
أمام هذه المعطيات، يشدد المهندس بهاء ناشر النعم في حديثه لـ”المدن” على وجوب مراقبة سد الفرات والمناطق المحيطة به وقياس توسع الشقوق والانهيارات الأرضية، بعد رصد تشوهات أرضية وشوق في منطقة الباغوز بدير الزور، التي رجحت اللجنة الفنية أنها “ناجمة عن عوامل جيولوجية وتأثيرات المياه في استقرار التربة”.
في سياق الحديث عن المخاطر المُحدقة بالسد والتقييم الفني اللازم والاستعداد الجيد للموسم المطري، كشفت مصادر من داخل سد الفرات للمدن، تأمين أجهزة المراقبة والمساحية مؤخراً وأنّ هنالك مساعي لاستقطاب عدد من الخبرات الوطنية، لكنّ إدارة السد تنتظر موافقة وزارة الطاقة، وقد حذّر المصدر من أن “الأمور تسير ببطء شديد، والزمن ليس في صالح سد الفرات” مع توقع زيادة الوارد المائي لمستوى مرتفع جداً.
للوقوف على الحالة الراهنة لسد الفرات، تواصلنا مع هيثم بكور، مدير المؤسسة العامة لسد الفرات، الذي طلب منا التواصل المكتب الإعلامي لوزارة الطاقة، وقد راسلنا الأخير دون الحصول على جواب حتى لحظة كتابة هذا التقرير.

من إدارة الأزمة إلى “هندسة الزمن المائي”
لإنقاذ السد، يؤكد الدكتور أحمد غازي مجر أن الحل لا يقتصر على المطالبة بمزيد من المياه من تركيا أو تشغيل العنفات بأقصى طاقة، بل يتطلب إدارة متكاملة للحوض تقوم على: مراقبة يومية للمنسوب والواردات، وتحديد “حجم أمان” لا يُمس من المخزون، وجدولة التوليد الكهرومائي وفق قيمة مياه الزراعة والشرب، وتحسين كفاءة الري والصرف، وإعادة تأهيل المضخات والقنوات، وتقليل الملوحة والتغدق (تشبع التربة بالماء)، وإنشاء آلية سورية–عراقية–تركية أكثر انتظاماً لتبادل البيانات والتنسيق في سنوات الجفاف. ويشدد على التعامل مع بحيرة سد الفرات كمنظومة أمن مائي وغذائي وطاقوي متكاملة، تنقل الإدارة من “إدارة الأزمة” إلى “إدارة المخاطر والطلب والمخزون” على مستوى الحوض كله.
وفي السياق ذاته، يدعو المهندس بهاء ناشر النعم إلى انتقال جوهري في سوريا من “إدارة المياه” إلى “إدارة المخاطر المائية”، ومن رد الفعل إلى التخطيط الاستباقي عبر تطبيق مفهوم “هندسة الزمن المائي”، القائم على الاحتفاظ بجزء من المياه في سنة وفيرة بدلاً من استهلاكها بالكامل لتضاعف قيمتها في سنة جفاف لاحقة. 
ويختم بالتأكيد على ضرورة حماية رأس المال المائي الحالي، وتحسين الكفاءة، وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لري المزروعات وتوفير مياه الشرب للأجيال القادمة، معتبراً أن استهلاك نحو 70% من مياه الشرب العذبة للزراعة والري هدر كبير وغير مقبول نهائياً.

غدير محمد

المصدر: المدن

آخر الأخبار