اقتصاد العودة في سوريا… مهن تنتعش وتكاليف تثقل العائدين

زمن القراءة: 7 دقائق

لم تعد عودة السوريين من بلدان اللجوء تقتصر على حركة العائلات التي تعبر الحدود حاملة ما تبقى من مقتنياتها، بل بدأت تفتح سوقا من الخدمات المرتبطة باستقرارها مجددا داخل البلاد. فمن نقل الأثاث وشحن الممتلكات الشخصية، مرورا بترميم المنازل وإصلاح شبكات المياه والكهرباء وصولاً إلى شراء الأثاث والأجهزة المنزلية واستكمال الأوراق الرسمية ظهرت احتياجات جديدة توفر فرص عمل لأصحاب المهن والمشروعات الصغيرة، لكنها تفرض في المقابل أعباء مالية إضافية على العائلات العائدة.

وبحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بلغ عدد السوريين الذين عادوا من الخارج نحو 1.8 مليون شخص حتى الثالث من أيلول 2026، فيما تجاوز عدد النازحين داخلياً الذين عادوا إلى مناطقهم الأصلية مليوني شخص.

ويعني هذا الحجم من الحركة السكانية وجود احتياجات متزايدة للسكن والنقل والخدمات، وإن كان حجم الإنفاق الفعلي مرتبطا بالقدرة المالية للعائلات العائدة، يعمل الشاب السوري خالد الوكيل مع اثنين من إخوته في نقل الأثاث والممتلكات الشخصية من تركيا إلى سوريا، في نشاط يقول إنه توسع مع زيادة حركة العودة، وأتاح له فرصة عمل جديدة بعد سنوات عانى خلالها من قلة فرص العمل.

ويشرح الوكيل أن عملهم يقوم على تلبية احتياجات السوريين الراغبين في العودة من تركيا، من خلال نقل أثاثهم وممتلكاتهم من منازلهم في تركيا إلى منازلهم في سوريا، وفق شعار “من المنزل إلى المنزل” بما يختصر على العائلات عناء ترتيب عمليات النقل والتعامل مع أكثر من جهة، وتبدأ العملية بحسب الوكيل، بتوضيب الأثاث داخل المنزل في تركيا، ثم نقله بواسطة شاحنات يستأجرونها أو يتفقون مع أصحابها إلى المعابر الحدودية التركية.

وهناك يتولى الفريق نقل الأثاث إلى شاحنة أخرى تكون بانتظاره داخل الأراضي السورية قبل متابعة الطريق إلى المحافظة التي تقصدها العائلة، وتختلف أجور النقل بحسب المسافة بين الولاية التركية التي تنطلق منها الشحنة والمحافظة السورية التي تصل إليها وتتراوح وسطيا بين ألف و1500 دولار، وفق الوكيل.

وتعكس تجربتهم جانباً من الأنشطة التي يمكن أن تنمو مع حركة العودة إذ لا تقتصر الاستفادة على أصحاب شركات النقل بل تمتد إلى سائقي الشاحنات وعمال التحميل والتفريغ والعاملين في خدمات التغليف والتخزين، لكن كلفة النقل نفسها تمثل جزءاً من النفقات التي يتعين على العائلات حسابها قبل اتخاذ قرار العودة خصوصاً عندما تكون المسافة طويلة أو تترافق عملية الانتقال مع تكاليف استئجار منزل جديد أو إصلاح منزل قديم.

بعد وصول الأثاث إلى سوريا تبدأ مرحلة أخرى من الإنفاق، ترتبط بمدى جاهزية المنزل لاستقبال أصحابه، فبعض العائلات تعود إلى مساكن تحتاج إلى أعمال إصلاح محدودة، مثل طلاء الجدران أو إصلاح الأبواب والنوافذ فيما تحتاج منازل أخرى إلى ترميمات أوسع تشمل تمديدات المياه والكهرباء وأجزاء من البناء.

ويقول أيمن داوود، صاحب ورشة ترميم في إدلب: إن سوق الترميم شهدت نشاطاً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة، مع رغبة كثير من العائلات العائدة في تجهيز منازلها قبل الاستقرار فيها، ويوضح أن معظم الأعمال التي تنفذها الورشة تتركز حالياً على الإصلاحات الأساسية مثل ترميم الجدران وطلاء المنازل وإصلاح شبكات المياه والكهرباء وهي أعمال تتطلب الاستعانة بعمال من اختصاصات مختلفة من البنائين إلى السباكين وفنيي الكهرباء.

ويرى داوود أن عودة النازحين والمهجرين أسهمت في تنشيط الحركة لدى عدد من أصحاب المهن مع ارتفاع الحاجة إلى إصلاح المساكن وتجهيزها، لكنه يشير إلى أن ارتفاع أسعار المواد الأساسية بات يشكل هاجسا لدى أصحاب المنازل، ويزيد صعوبة الاتفاق على تكلفة نهائية للأعمال، ويعني ذلك أن الطلب المتزايد لا ينعكس على ورش الترميم وحدها بل يمتد إلى محال مواد البناء والدهانات والأدوات الصحية والكهربائية، فضلاً عن العمال الذين تعتمد عليهم هذه الأنشطة.

في المقابل، لا يرى العائدون إلى سوريا في انتعاش سوق الترميم فرصة اقتصادية بالضرورة، إذ تتحول زيادة الطلب وارتفاع أسعار المواد وأجور العمال إلى عبء إضافي على العائلات التي تحاول تجهيز منازلها بمدخرات جمعتها خلال سنوات اللجوء، ومن بين هؤلاء حسن حيدان وهو لاجئ سوري يقيم في تركيا ويعمل على إكساء منزله استعدادا للعودة إلى اللاذقية، ويقول إنه فوجئ بارتفاع تكاليف مواد الإكساء وأجور اليد العاملة، مقارنة بما كان يتوقعه عندما بدأ التخطيط للعودة.

ويوضح حيدان أنّ زيادة الطلب على أعمال الإصلاح جعلت العثور على أصحاب المهن والاتفاق معهم أكثر صعوبة، إذ يواجه تأخيرات في إنجاز الأعمال، إلى جانب الارتفاع الكبير في التكاليف، ويضيف أن كلفة إكساء منزله قاربت الضعف خلال العامين الماضيين، ما اضطره إلى تمديد إقامته في تركيا إلى حين الانتهاء من تجهيز المنزل.

ويقول حيدان إنه أنفق قرابة 15 ألف دولار خلال أقل من عام على أعمال الإكساء، من دون أن ينتهي المنزل حتى الآن وهو ما يؤخر موعد عودته إلى اللاذقية رغم رغبته في الاستقرار مجددا في سوريا، وبحسب حيدان أدت زيادة الطلب على خدمات الترميم إلى رفع كلفة تجهيز المساكن، وهو ما جعل العودة أصعب على العائلات التي لا تمتلك موارد مالية كافية.

وبينما يستفيد بعض العاملين من توسع السوق يجد آخرون أنفسهم مضطرين إلى تأجيل عودتهم حتى يتمكنوا من تحمل النفقات، ولا تقتصر الأنشطة المرتبطة بعودة السوريين على النقل والترميم إذ تشمل أيضا شراء الأثاث والأجهزة المنزلية، واستئجار المساكن أو البحث عن عقارات مناسبة، إلى جانب خدمات إدارية وقانونية تتعلق باستصدار الوثائق وإثبات الملكية واستكمال المعاملات الرسمية، كما يمكن أن يرتفع الطلب على المدارس الخاصة والنقل المدرسي والقرطاسية مع استقرار العائلات التي لديها أطفال.

وفي مؤشر إلى اتساع الاحتياجات قدّر البنك الدولي في تشرين الأول 2025 كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، منها 75 مليار دولار للمباني السكنية وتوضح هذه الأرقام حجم الأضرار والاحتياجات التي تواجه قطاع الإسكان، إلى جانب الطلب الناتج من عودة النازحين والسكان المقيمين أصلاً.

وتظل قدرة العائلات على الإنفاق عاملاً حاسماً في تحديد مدى استمرار النشاط الجديد، فالعائد الذي يمتلك دخلاً ثابتاً يستطيع استكمال ترميم منزله وشراء الأثاث، بينما قد تضطر أسرة أخرى إلى الاكتفاء بالإصلاحات الضرورية أو تأجيل العودة بسبب ارتفاع التكاليف.

حسام رستم

المصدر: العربي الجديد

آخر الأخبار