الصين تلاحق واشنطن في الذكاء الاصطناعي .. فهل تتجاوزها؟

زمن القراءة: 11 دقائق

في سباق الذكاء الاصطناعي، لا يكفي أن تصل إلى السرعة نفسها التي يتحرك بها منافسك، فالأهم أن تمتلك القدرة على تحديد اتجاه السباق وصناعة قواعده.

وبينما تتنافس الولايات المتحدة والصين على قيادة الثورة التكنولوجية، تبدو الشركات الصينية وكأنها تسير خلف نظيراتها الأمريكية مستفيدة من ابتكاراتها ونماذجها المتقدمة، في استراتيجية تمنحها فرصة لتقليص الفجوة بسرعة، لكنها قد تحرمها في الوقت نفسه من امتلاك مقومات التفوق المستقل.

ويشبه هذا المشهد متزلجاً مائياً يندفع خلف قارب سريع، مستفيداً من الأمواج التي يتركها خلفه، وقد يتمكن أحياناً من التحرك بسرعة تفوق سرعة القارب نفسه، لكنه لا يستطيع تجاوزه. ويستخدم بعض الخبراء هذا التشبيه لوصف مسار تطور الذكاء الاصطناعي في الصين، حيث يعتمد جانب من التقدم الذي تحققه مختبراتها وشركاتها على الابتكارات التي تطورها الشركات الأمريكية الرائدة.

تقطير النماذج

يثير هذا الاعتماد تساؤلات بشأن قدرة الصين على تحقيق اختراقات مستقلة في القطاع، خصوصاً مع تنامي استخدامها تقنية تُعرف باسم “تقطير النماذج”، التي تسمح بتدريب نماذج ذكاء اصطناعي جديدة اعتماداً على المخرجات والنتائج التي تنتجها نماذج أخرى أكثر تقدماً، بدلاً من بناء القدرات بالكامل من الصفر.

وتكتسب هذه القضية أهمية متزايدة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، التي تسعى شركاتها إلى تحقيق عوائد من النماذج المكلفة التي تطورها، بدلاً من انتقال قدراتها إلى منافسين يقدمون نسخاً أقل تكلفة. كما ترتبط المسألة بالتنافس الاستراتيجي بين البلدين، في ظل تأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن “من ينتصر في الذكاء الاصطناعي ينتصر في كل شيء”.

لكن المفارقة أن انتشار تقنيات تقطير النماذج قد لا يمثل بالضرورة تهديداً بالحجم الذي تخشاه واشنطن، كما أنه قد لا يمنح بكين التفوق الذي تأمل في تحقيقه، بل ربما يتحول الاعتماد المفرط عليه إلى عائق أمام طموحاتها التكنولوجية.

طريق مختصر

تعتمد النماذج اللغوية الكبيرة في مراحل تدريبها الأولى عادة على كميات هائلة من النصوص المتاحة على الإنترنت، بهدف تعليمها أنماط اللغة وطريقة إنتاج الإجابات. أما تقنية تقطير النماذج، فتقوم على استخدام مخرجات نموذج متقدم لتدريب نموذج آخر، بما يسمح للأخير باكتساب مهارات وقدرات استدلالية دون الحاجة إلى تنفيذ جميع مراحل التدريب المكلفة.

وتكمن أهمية هذه التقنية في أن النماذج الأمريكية المتقدمة تنتج إجابات تتضمن مهارات تحليلية واستدلالية معقدة، وهي تحديداً القدرات التي تسعى الشركات الصينية إلى تطويرها في نماذجها الخاصة. ومن ثم، تصبح هذه المخرجات مادة تدريبية قيّمة تساعد المختبرات الصينية على تسريع عمليات التطوير وخفض تكلفتها.

وفي المقابل، تواجه الشركات الأمريكية الرائدة تحدياً مختلفاً، إذ لم تعد تمتلك نماذج أكثر تقدماً يمكنها الاستفادة منها بهذه الطريقة، كما أن النصوص المتاحة على الإنترنت أصبحت أقل قدرة على تقديم مستويات جديدة من المعرفة والمهارات. ولذلك، تتجه بصورة متزايدة إلى استخدام تقنية أكثر تعقيداً تُعرف باسم “التعلم المعزز”.

وتقوم هذه التقنية على تحديد هدف معين للنموذج، مثل حل مسألة رياضية شديدة التعقيد، ثم تركه يجرب مسارات وحلولاً متعددة حتى يتمكن من الوصول إلى الإجابة الصحيحة، بما يسمح له بتطوير قدراته الاستدلالية من خلال التجربة والتقييم.

وتشير البيانات إلى أن الشركات الأمريكية باتت تخصص أكثر من نصف مواردها الحاسوبية لتقنيات مرتبطة بالتعلم المعزز، مقارنة بنحو 5% فقط في مطلع عام 2024، وهو ما يعكس التحول الكبير في أساليب تدريب النماذج المتقدمة.

وهنا تجد الشركات الصينية فرصة للاستفادة من القدرات التي طورتها النماذج الأمريكية عبر عمليات تدريب مكلفة، إذ يمكنها نقل جانب من هذه المهارات إلى نماذج أصغر وأقل تكلفة، بدلاً من تكرار عملية التطوير من البداية.

ويشبه ذلك حصول الطالب على دروس مكثفة من معلم يمتلك خبرة متقدمة، بدلاً من اضطراره إلى اكتشاف جميع الحلول بنفسه. وتقدم تجربة شركة «ديب سيك» الصينية مثالاً على ذلك، إذ أظهرت دراسة نُشرت في يوليو ضمن أبحاث جمعية اللغويات الحاسوبية أن نموذجاً صغيراً جرى تدريبه باستخدام 800 ألف مثال أنتجها أحد أقوى نماذج الشركة، تمكن من رفع نتيجته في اختبار رياضيات شائع من 15% إلى 46%.

ورغم أن الوصول إلى قدرات النماذج الرائدة يتطلب كميات أكبر بكثير من البيانات، فإن المؤشرات تكشف عن استخدام الشركات الصينية هذه الاستراتيجية على نطاق واسع.

حجم الاستفادة الصينية

كشف تقرير نشرته شركة «أنثروبيك» في سبتمبر أن خمس شركات صينية جمعت أكثر من 180 مليون رسالة من نماذجها خلال خمسة أشهر فقط، في مؤشر على حجم الجهود المبذولة للاستفادة من مخرجات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأمريكية.

كما أظهرت المقارنات وجود تشابه ملحوظ بين بعض النماذج الصينية ونظيراتها الأمريكية، إلى درجة أن بعض النماذج الصينية قد تعرّف عن نفسها أحياناً باسم «كلود» أو «تشات جي بي تي»، وهو ما يعزز التساؤلات بشأن مدى اعتمادها على مخرجات النماذج الأجنبية في عمليات التدريب.

ومع ذلك، لا يمكن إرجاع التقدم الصيني في الذكاء الاصطناعي بالكامل إلى تقليد النماذج الأمريكية، إذ تمتلك الصين قاعدة قوية من الباحثين والمهندسين، وتُظهر مؤشرات المؤتمرات العلمية العالمية حضوراً بارزاً للباحثين من أصول صينية.

ووفقاً لبيانات الأوراق البحثية المقدمة إلى مؤتمر “نيوربس”، أحد أبرز المؤتمرات العالمية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، فإن أكثر من نصف أبرز الباحثين في هذا المجال حول العالم من أصول صينية.

لكن الكفاءات البشرية وحدها لا تكفي لحسم المنافسة، إذ تظل الرقائق الحاسوبية المتقدمة المحرك الأساسي لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وهنا تتمتع الولايات المتحدة بميزة كبيرة، حيث تمتلك شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة قدرات حاسوبية تفوق ما يمتلكه منافسوها الصينيون مجتمعين.

وتساعد تقنية تقطير النماذج الشركات الصينية على تعويض جانب من هذا النقص، عبر الاستفادة من القدرات التي طورتها الشركات الأمريكية دون تحمل التكلفة الكاملة لتدريب نماذج مماثلة.

ويقدر باحثون أن النماذج الصينية تتأخر حالياً بنحو ثلاثة إلى ستة أشهر عن أفضل النماذج الأمريكية، فيما يرى سيف خان، من مركز التكنولوجيا وفنون إدارة الدولة في واشنطن، أن الفجوة قد تقترب من الضعف في حال غياب تقنية تقطير النماذج.

تكلفة التقليد ترتفع

في مواجهة هذا التوسع، بدأت شركتا «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» اتخاذ إجراءات للحد من استغلال نماذجهما في عمليات التقطير.

وشملت الإجراءات إغلاق ثغرة اكتُشفت في أغسطس، كانت تتيح للشركات الصينية الوصول إلى تفاصيل عمليات الاستدلال التي تنتجها النماذج الأمريكية أثناء معالجة المشكلات، إلى جانب تكثيف أنظمة رصد محاولات جمع البيانات واستخدامها في تدريب نماذج منافسة.

كما بدأت «أنثروبيك» فرض رسوم على بعض طلبات استخدام «كلود»، حتى عندما يكتشف النموذج أن الطلب مرتبط بمحاولة تقطير ويرفض الاستجابة له، وهو ما يجعل محاولات استخراج البيانات مكلفة حتى في حال عدم تحقيق نتائج.

وتقول الشركة إن الإجراءات الجديدة خفضت كميات البيانات التي تمكنت الجهات القائمة بالتقطير من جمعها بنسبة تتراوح بين 90% و99%، رغم إقرارها بأن هذه القيود قد لا تحقق نتائج دائمة.

لكن تشديد القيود يحمل تكلفة اقتصادية أيضاً، إذ قد يؤدي إلى خسارة الشركة ما بين 5% و7% من إيراداتها، باعتبار أن الجهات التي تستخدم النماذج في عمليات التقطير تظل ضمن قاعدة عملائها.

وتبرر «أنثروبيك» موقفها بأن بعض الشركات الصينية تطرح نماذج متقدمة تقترب من مستوى النماذج الرائدة، دون توفير الضوابط اللازمة لمنع إساءة استخدامها، وهو ما تعتبره مصدراً محتملاً للمخاطر الأمنية.

الاعتماد على أمريكا

رغم أن الحد من تقطير النماذج قد يبطئ تقدم المنافسين الصينيين على المدى القصير، فإن حرمانهم من الوصول إلى المخرجات الأمريكية قد يدفعهم إلى تطوير قدرات أكثر استقلالية، وهو ما قد لا يكون في مصلحة الشركات الأمريكية على المدى الطويل.

وتثير هذه المسألة نقاشاً داخل قطاع التكنولوجيا الصيني نفسه، إذ لا يرى كثير من الباحثين أن استخدام مخرجات النماذج الأمريكية يمثل مخالفة أخلاقية بالضرورة، خاصة أن الشركات الرائدة بنت أنظمتها هي الأخرى بالاستفادة من بيانات متاحة على الإنترنت.

لكن بعض القيادات في الشركات الصينية ترى أن الاعتماد المستمر على هذه التقنية قد يحكم على الصين بالبقاء في المركز الثاني، مهما نجحت في تقليص الفجوة مع الولايات المتحدة.

وتبرز هنا مخاوف مرتبطة بالمرحلة المقبلة من تطور الذكاء الاصطناعي، وتحديداً ما يُعرف بـ«التحسين الذاتي المتكرر»، وهي قدرة النماذج على تطوير أجيال جديدة من الأنظمة بصورة مستقلة. ويرى باحثون صينيون أن الوصول إلى هذه المرحلة قد يتطلب بنية متقدمة للتعلم المعزز وقدرات حاسوبية لا توفرها استراتيجية تقطير النماذج وحدها.

وفي هذا السياق، أبلغ تشانغ ييمينغ، مؤسس شركة «بايت دانس» الصينية المالكة لتطبيق «تيك توك»، موظفيه في يوليو أن الشركة لن تعتمد على تقطير النماذج لتعزيز قدرات أنظمتها.

ونقل موقع «ليت بوست» الصيني المتخصص في أخبار التكنولوجيا عن تشانغ قوله إن هذه التقنية قد تساعد الشركة على تقليص الفجوة مع النماذج الرائدة بصورة مستمرة، لكنها لن تكون كافية لتجاوزها فعلياً.

وأقر تشانغ بأن التخلي عن الاعتماد على النماذج الأمريكية قد يؤدي إلى تأخر «بايت دانس» عن بعض منافسيها الصينيين، لكنه يرى أن امتلاك الشركة مصادر إيرادات أخرى يمنحها القدرة على تحمل تقديم نماذج أقل تطوراً مؤقتاً، مقابل بناء قدراتها الذاتية وتحقيق استقلال أكبر على المدى الطويل.

من يحدد سرعة الآخر؟

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمثل تقطير النماذج مصدر إزعاج تجارياً وتكنولوجياً، لكنه قد يكون في الوقت نفسه أقل خطورة من وصول الشركات الصينية إلى مستوى متقدم بصورة مستقلة، بعيداً عن التقنيات الأمريكية.

كما قد يفتح هذا الاعتماد مجالاً لإعادة النظر في تنظيم الذكاء الاصطناعي، إذ تتردد إدارة ترامب في إبطاء تطوير هذه التكنولوجيا بهدف تعزيز معايير السلامة، خشية أن يؤدي ذلك إلى منح الصين أفضلية تنافسية.

لكن إذا كانت الصين لا تزال تتحرك في أعقاب الابتكار الأمريكي، فقد لا يكون تباطؤ القارب الذي تسير خلفه كافياً لتمكينها من تجاوزه.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في سباق الذكاء الاصطناعي: فبينما يمنح تقليد النماذج الأمريكية الصين وسيلة سريعة لتقليص الفجوة، قد يصبح هذا الاعتماد نفسه العائق الأكبر أمام انتقالها من موقع المنافس الذي يلاحق الابتكار إلى موقع الدولة القادرة على صناعته وقيادة مستقبله.

المصدر: “ذي إيكونوميست”

آخر الأخبار