أشعل انهيار “Ueno Bank”، أكبر بنك رقمي في باراغواي، أزمة سياسية ومالية غير مسبوقة بعدما وجد نحو 3 ملايين عميل أنفسهم غير قادرين على الوصول إلى حساباتهم أو سحب أموالهم، في تطور هز الثقة بالنظام المالي في الدولة الواقعة بأميركا الجنوبية.
البنك الرقمي الذي كان يفخر عبر موقعه الإلكتروني بأن قاعدة عملائه تمثل نحو 60% من السكان البالغين في البلاد، بحسب وكالة “أسوشيتد برس”، تحول بين ليلة وضحاها إلى مقصلة لعدد من كبار المسؤولين في باراغواي.
قرر البنك المركزي وضع البنك تحت نظام “المعالجة المصرفية” بعد تراجع نسبة الملاءة الرأسمالية إلى أقل من نصف الحد القانوني المطلوب، وهي خطوة تسمح للسلطات بنقل الودائع إلى مؤسسات أخرى قبل تصفية الأصول المتبقية.
لم تقتصر تداعيات الأزمة على المودعين الأفراد، إذ كان البنك يدير ما بين 800 و850 مليون دولار من الأموال العامة، من بينها نحو 380 مليون دولار تخص صندوق التقاعد والرعاية الصحية الحكومي.
وأدى ذلك إلى تصاعد المخاوف بشأن مصير أموال المتقاعدين والموظفين الحكوميين، رغم تأكيد السلطات استمرار صرف المعاشات ونقل المستفيدين إلى بنوك أخرى.
كما أعلنت الحكومة العمل على تسريع عمليات تعويض المودعين وضمان استعادة الأموال العامة المودعة لدى البنك.
لماذا انهار البنك؟
تشير التحقيقات الأولية إلى أن الأزمة لم تنتج عن هجوم إلكتروني أو خلل تقني، بل عن مشكلات مرتبطة بالحوكمة والرقابة المصرفية.
واتهم الادعاء العام إدارة البنك بمنح قروض لشركات مرتبطة بملاك المؤسسة بما يتجاوز الحدود القانونية المسموح بها، وهو أحد أكثر أنواع المخاطر التي تثير قلق الجهات الرقابية حول العالم.
وأصدر المدعون أوامر باعتقال 8 مسؤولين، بينهم رئيس البنك خوان مانويل غوستال والرئيس التنفيذي فيدريكو ميغول فاسكيز، ضمن تحقيقات تتعلق بشبهات إساءة الأمانة ومخالفات مالية أخرى.
أزمة تتجاوز القطاع المصرفي
سرعان ما تحولت القضية إلى أزمة سياسية، فقد تعرض الرئيس الباراغوياني سانتياغو بينيا لضغوط متزايدة بسبب علاقاته السابقة بمجموعة “Grupo Vázquez” المالكة للبنك ما دفعه لتقديم استقالته أمس الخميس، كما طلب استقالة رئيس البنك المركزي كارلوس كارفالو الذي سبق أن تولى إدارة المؤسسة التي تحولت لاحقاً إلى “بنك أوينو”.
وكان منتقدو الحكومة قد أثاروا خلال السنوات الماضية مخاوف بشأن تضارب المصالح بعدما تدفقت مئات الملايين من الدولارات من الأموال الحكومية إلى البنك الذي كان يشهد نمواً سريعاً.
ماذا عن أموال العملاء؟
رغم حالة الذعر التي سادت بين العملاء، فإن معظم المودعين يتمتعون بحماية نظام ضمان الودائع في باراغواي.
ويغطي الصندوق الحكومي ما يصل إلى نحو 38 ألف دولار لكل مودع، وهو ما يكفي وفق تقديرات أولية لتغطية نحو 97% من عملاء البنك بالكامل.
لكن أصحاب الودائع الكبيرة ما زالوا يواجهون قدراً أكبر من الغموض، إذ لم تضمن السلطات حتى الآن استرداد جميع الأموال التي تتجاوز سقف الحماية.
هل يمكن أن تتكرر الأزمة في دول أخرى؟
تكشف أزمة Ueno أحد أكبر المخاطر التي تواجه القطاع المالي الرقمي عالمياً، وهي تركّز عدد هائل من العملاء والأموال داخل مؤسسة واحدة تنمو بوتيرة أسرع من قدرة الجهات الرقابية على متابعتها.
ولا يرى خبراء أن ما جرى مرتبط بالذكاء الاصطناعي أو بالتكنولوجيا المالية بحد ذاتها، بل بممارسات الإقراض والرقابة والحوكمة. ومع ذلك، فإن اعتماد ملايين الأشخاص على منصة مصرفية رقمية واحدة جعل آثار الأزمة تنتشر بسرعة غير مسبوقة.
ويبدو أن الدرس الأهم من التجربة الباراغوانية هو أن التكنولوجيا قادرة على تسريع النمو، لكنها لا تستطيع تعويض غياب الرقابة وإدارة المخاطر، وهي الحقيقة التي اكتشفها 3 ملايين عميل دفعة واحدة عندما حاولوا الدخول إلى حساباتهم ولم يجدوا إليها سبيلاً.
المصدر: العربية نت
