في الثالث عشر من أيلول الماضي، أعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية توقيع اتفاق لإنشاء كابل بحري يربط مدينة طرطوس بجزيرة قبرص، في مشروع يحمل اسم «إيبلا»، ومن المقرر أن يتيح لسوريا اتصالاً مباشراً بشبكات الاتصالات الأوروبية والعالمية مطلع عام 2028. قد يبدو المشروع واحداً من خطوات تحديث البنية الرقمية التي أنهكتها سنوات الحرب، فيما يحمل موقعه بين الساحلين السوري والقبرصي دلالة تتجاوز قطاع الاتصالات، بعدما أصبح البحر المتوسط أحد المسارات التي تبحث دمشق عبرها عن فرص اقتصادية وشراكات دولية تعيد وصل البلاد بالأسواق والمؤسسات التي ابتعدت عنها لأكثر من عقد.
وللمفارقة، فإن البحر الذي فصل بين البلدين جغرافياً ظلّ يجمعهما ضمن شبكة واسعة من المصالح التجارية والسياسية، وتكفي رحلة بحرية قصيرة للوصول من الساحل السوري إلى جزيرة تقع داخل الاتحاد الأوروبي، ما يمنح العلاقة مع نيقوسيا موقعاً مختلفاً في حسابات دمشق، التي انتقلت بعد سقوط النظام المخلوع من مرحلة استعادة الاتصالات الدبلوماسية إلى البحث عن شراكات تستفيد من موقعها بين آسيا وأوروبا، ومن حاجة الدول المتوسطية إلى التعاون في الملاحة والطاقة والأمن والهجرة.
وقد عاد هذا المسار إلى الواجهة في 28 من تشرين الأول الماضي، عندما بحث مستشار الشؤون الأوروبية في وزارة الخارجية والمغتربين حمزة المصطفى مع السفير القبرصي المكلف سيفاك أفيديسيان تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية، استكمالاً لمشاورات بدأت مع الأشهر الأولى للتحول السياسي السوري، وشهدت زيارة وزير الخارجية القبرصي كوستانتينوس كومبوس إلى دمشق في شباط 2025، ولقاءات أخرى على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وبين زيارة الوزير القبرصي التي جاءت لاستكشاف مستقبل العلاقات مع الإدارة السورية الجديدة، واتفاق الكابل البحري الذي انتقل إلى التحضير للتنفيذ، تتضح المسافة التي قطعتها الاتصالات الثنائية، وسط سؤال يتعلق بقدرة البلدين على تحويل التقارب الجغرافي إلى مصالح اقتصادية وأمنية مستدامة، وما يمكن أن تمنحه نيقوسيا لدمشق داخل الاتحاد الأوروبي، في مرحلة أعادت فيها بروكسل النظر بعلاقاتها مع سوريا وبدأت إزالة القيود التي فُرضت خلال حكم النظام السابق.
أهمية العلاقات السورية – القبرصية
لم تكن قبرص بعيدة عن تداعيات الأزمة السورية طوال سنوات الثورة، فقد جعلها موقعها في شرق المتوسط إحدى الدول الأوروبية المعنية بحركة اللاجئين والهجرة غير النظامية، وأمن الملاحة البحرية، والتطورات العسكرية والسياسية على الساحل الشرقي للبحر، حيث تتداخل مصالح دول المنطقة مع حسابات الاتحاد الأوروبي وتركيا والقوى الدولية.
وكانت هذه الجغرافيا حاضرة في زيارة كومبوس إلى دمشق في العشرين من شباط 2025، حين التقى الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، حاملاً موقفاً قبرصياً يدعم إعادة انخراط سوريا في المجتمع الدولي، مع التأكيد على احترام القانون الدولي وسيادة الدول وحسن الجوار، وهي مبادئ تكتسب أهمية خاصة في منطقة تتداخل فيها مطالب ترسيم الحدود البحرية ومصالح الطاقة والاعتبارات الأمنية.
ويقرأ المحلل السياسي والاقتصادي سعد الدين فجيني، في تصريحات خاصة لـ«الثورة السورية»، تطور العلاقات ضمن التحولات التي أعقبت سقوط النظام المخلوع وإعادة تشكل التوازنات في شرق المتوسط، معتبراً أن قبرص تمتلك خصوصية تجمع قربها الجغرافي من سوريا بعضويتها في الاتحاد الأوروبي، بما يسمح بتطوير شراكة تتجاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية نحو التعاون الاقتصادي والسياسي والبحري.
وقد يمنح هذا الموقع دمشق قنوات إضافية للتواصل مع المؤسسات الأوروبية، في وقت تسعى فيه إلى استقطاب الاستثمارات وإعادة تأهيل مرافقها الاقتصادية، بعدما أثقلت سنوات الحرب قطاع النقل والاتصالات والطاقة، وقلصت قدرته على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.
وتزداد أهمية العلاقة عندما ننظر إلى التحولات التي شهدتها السياسة الأوروبية تجاه سوريا، إذ ألغى الاتحاد الأوروبي في أيار 2025 العقوبات الاقتصادية العامة التي كانت مفروضة على البلاد، مع الإبقاء على التدابير المرتبطة بالأمن والأشخاص والجهات الخاضعة لعقوبات محددة، قبل أن يتخذ مجلس الاتحاد في الحادي عشر من أيار 2026 قراراً بإنهاء التعليق الجزئي لاتفاقية التعاون المبرمة عام 1977.
وشمل القرار إعادة تطبيق البنود التجارية التي كانت معلقة منذ عام 2011، والمتصلة بإزالة القيود الكمية على واردات منتجات سورية محددة، بينها النفط ومشتقاته والمعادن النفيسة، ضمن توجه أوروبي يستهدف دعم التعافي الاقتصادي وإعادة بناء العلاقات مع دمشق، بعد سنوات كان فيها التعامل التجاري والسياسي محكوماً بقيود واسعة.
موقع جغرافي مشترك
ولم تكن نيقوسيا خارج هذا التحول، فقد سبق أن أعلنت دعمها إعادة انخراط سوريا دولياً، مع ربط التعاون باحترام القانون الدولي والاستقرار الداخلي، في موقف يعكس مصالح قبرص المباشرة في أمن جوارها المتوسطي، وما يرتبط به من حركة الهجرة والتجارة والحدود البحرية.
ويشير فجيني إلى أن بإمكان قبرص المساهمة في نقل وجهة النظر السورية إلى المؤسسات الأوروبية، وتوضيح احتياجات دمشق وأولوياتها، وتشجيع الشركات على دراسة الفرص الاستثمارية، بما يساعد على توسيع قنوات التواصل مع بروكسل، شريطة أن تبقى العلاقة مع نيقوسيا جزءاً من سياسة سورية أشمل تجاه أوروبا، تقوم على الانفتاح المتوازن والمصالح المتبادلة.
وتتحدد قيمة هذا الدور بقدرة البلدين على بناء مشروعات فعلية تستفيد من موقعهما المشترك، وقد بدأ أحد هذه المسارات يتشكل في قطاع الاتصالات، حيث وقعت الشركة السورية للاتصالات وهيئة الاتصالات القبرصية «سيتا» وشركة «يونيفي كوميونيكيشنز» الأميركية اتفاق إنشاء الكابل البحري، الذي يمتد بين طرطوس ومحطة بنتاسكيناوس في قبرص، ويضم أربعة وعشرين زوجاً من الألياف الضوئية.
ومن المقرر أن يوفر الكابل سعة أولية تصل إلى 31 تيرابت في الثانية، مع إمكانية التوسع إلى 370 تيرابت في الثانية، بما يسمح بزيادة قدرة الاتصال الدولي لسوريا وتنويع مساراته، ويحد من الاعتماد على بنية اتصالات قديمة تعود بعض مكوناتها إلى تسعينيات القرن الماضي.
ويتضح البعد الاقتصادي للمشروع عند ربطه بحاجات المؤسسات والشركات إلى اتصالات مستقرة وسريعة، إذ أصبحت التجارة الإلكترونية والخدمات المصرفية والحوسبة السحابية ومراكز البيانات تعتمد على شبكات موثوقة، ويؤثر ضعف الاتصال في قدرة الشركات على الوصول إلى الأسواق وإدارة عملياتها واستقطاب الاستثمار.
وقد ارتبط المشروع بخطط أوسع لتطوير شبكة الألياف الضوئية داخل سوريا وربطها بالكابلات البحرية، بما يتيح توزيع السعات الجديدة بين المدن والمناطق الاقتصادية، ويحول موقع البلاد الجغرافي إلى ممر محتمل لحركة البيانات بين أوروبا وآسيا والخليج، إذا استكملت الترتيبات الفنية والتجارية اللازمة.
ويرى فجيني أن البنية الرقمية تستطيع أن تشكل أساساً لتعاون أوسع بين البلدين، يشمل مراكز البيانات والخدمات الإلكترونية والأمن السيبراني، بعدما أصبحت حماية الاتصالات واستمرارية تدفق المعلومات جزءاً من الأمن الاقتصادي للدول، وتدخل في حسابات المستثمرين والشركات الدولية عند اختيار مواقع أعمالها.
وتتصل هذه الإمكانيات بطبيعة البحر المتوسط نفسه، الذي تعبره شبكات اتصال وملاحة ونقل طاقة تربط ثلاث قارات، وتتنافس الدول المطلة عليه على تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية والمرافق المرتبطة بالتجارة، بما يجعل التعاون السوري -القبرصي قابلاً للامتداد إلى قطاعات أخرى، تتطلب تنسيقاً تنظيمياً واستثمارات وشراكات مع القطاع الخاص.
دعم حضور سوريا
وبينما تعمل سوريا على تطوير مرافئها وإعادة تأهيل الطرق والسكك الحديدية، تمتلك قبرص موانئ وشبكات تجارية وعلاقات مع الأسواق الأوروبية، يمكن الاستفادة منها في إنشاء خطوط نقل منتظمة وخدمات إعادة الشحن والتخزين والتأمين البحري، بما يسمح بزيادة الحركة التجارية بين الساحلين وربطها بأسواق أبعد.
ولا تقتصر هذه الفرص على انتقال البضائع، إذ يمكن أن تصبح الموانئ نقطة اتصال بين الصناعات والخدمات والاستثمارات، خصوصاً إذا جرى تطوير مناطق التخزين والتوزيع وربط المرافق البحرية بالمناطق الإنتاجية داخل سوريا، ضمن مشروعات تستهدف زيادة القيمة الاقتصادية التي تحتفظ بها البلاد من حركة التجارة.
ويضع فجيني التعاون في مجال الطاقة ضمن المسارات الممكنة، سواء عبر تبادل الخبرات في تنظيم القطاع، أو دراسة فرص الربط الكهربائي والطاقة المتجددة، أو بحث المشروعات المتعلقة بالموارد البحرية، مع مراعاة التعقيدات القانونية والسياسية التي تحكم شرق المتوسط وحدوده ومناطق النفوذ الاقتصادي فيه.
فالبحر الذي يمنح الدول المطلة عليه فرصاً اقتصادية واسعة، يحمل أيضاً خلافات مرتبطة بترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة واستكشاف الغاز والعلاقات بين قبرص وتركيا، ما يجعل أي تعاون سوري – قبرصي في الملفات البحرية مرتبطاً بالتفاهمات القانونية والحسابات الإقليمية التي لا تستطيع دمشق تجاهلها، بالنظر إلى علاقاتها المتقدمة مع أنقرة ومصالحها مع بقية دول المنطقة.
ولهذا يشدد فجيني على أن تطوير العلاقات مع قبرص ينبغي أن يقوم على التعاون العملي بعيداً عن الاصطفافات، وأن تستفيد دمشق من موقعها وعلاقاتها في بناء شراكات متوازنة تحترم السيادة والقانون الدولي، خصوصاً أن مشروعات النقل والطاقة تحتاج إلى استقرار طويل الأمد يصعب تحقيقه إذا أصبحت جزءاً من صراعات النفوذ.
وتمنح القضايا الأمنية بدورها مساحة للتعاون، بعدما أصبح البحر المتوسط أحد الممرات التي تتداخل فيها حركة التجارة والهجرة غير النظامية والتهريب والبحث والإنقاذ، في ظلّ حاجة الدول الساحلية إلى تبادل المعلومات والتنسيق بين الجهات المسؤولة عن حماية الملاحة والاستجابة للحوادث البحرية.
ويلفت فجيني إلى إمكان تطوير هذا المسار عبر التعاون بين مراكز البحث والإنقاذ وتبادل الخبرات وتدريب الكوادر وتعزيز قدرات خفر السواحل، بما يساعد على مواجهة التحديات المشتركة وحماية حركة السفن والأفراد، ضمن صلاحيات واضحة تستند إلى القوانين والاتفاقيات الدولية.
وقد اكتسب ملف الهجرة أهمية خاصة بالنسبة إلى قبرص خلال سنوات الأزمة السورية، حين أصبحت الجزيرة إحدى وجهات طالبي اللجوء القادمين من شرق المتوسط، وارتبطت السياسات القبرصية بمناقشات أوروبية حول إدارة الحدود واستقبال اللاجئين وإعادتهم، وهي مسائل تتطلب تعاوناً يحفظ حقوق الأفراد ويأخذ في الاعتبار الظروف الأمنية والإنسانية داخل سوريا.
ظروف سياسية واقتصادية مختلفة
ومع عودة العلاقات الدبلوماسية وتوسع التعاون الاقتصادي، يمكن لهذه الملفات أن تنتقل إلى برامج مشتركة تتناول إدارة الهجرة ودعم العودة الطوعية الآمنة والكريمة وتحسين الخدمات في المناطق التي يعود إليها السكان، بما يربط معالجة التداعيات الإنسانية بالتعافي الاقتصادي والاستقرار المحلي.
وتتسع إمكانيات التعاون عندما تدخل دول أخرى في شرق المتوسط ضمن شبكة المصالح نفسها، إذ تستطيع سوريا وقبرص العمل مع اليونان ومصر ولبنان وشركاء آخرين في مشروعات تتصل بالنقل والطاقة والبيئة والأمن البحري، إذا توافرت الاتفاقات والتمويل والظروف السياسية المناسبة.
وقد بات تطوير العلاقات المتعددة الأطراف أكثر أهمية مع ارتفاع تكلفة اضطرابات طرق التجارة والطاقة، بعدما دفعت الأزمات الإقليمية الدول إلى تنويع مسارات النقل وتعزيز مرونة شبكات الإمداد، وهي تحولات تمنح الموانئ السورية فرصاً إضافية للاستفادة من موقعها، وتتطلب استثمارات قادرة على تحويل هذه الفرص إلى خدمات منتظمة ومنافسة.
ويعتقد فجيني أن الانتقال إلى شراكة مستدامة يمكن أن يبدأ بتشكيل لجنة سورية قبرصية مشتركة تضم ممثلين عن وزارات الخارجية والنقل والطاقة والاتصالات والاقتصاد والقطاع الخاص، تتولى إعداد برنامج زمني للمشروعات، وتحديد الأولويات ومؤشرات قياس التنفيذ، حتى تصبح العلاقات مبنية على نتائج اقتصادية ومؤسسية واضحة.
وتبرز أهمية هذا المقترح عندما نقارن بين المشاورات الدبلوماسية التي جرت خلال العامين الماضيين، وبين مشروع الكابل البحري الذي انتقل إلى ترتيبات تنفيذية محددة وشركات مسؤولة ومواعيد مستهدفة للتشغيل، إذ تستطيع العلاقات السياسية توفير المناخ المناسب للمشروعات، بينما تحدد الكفاءة الفنية والتمويل والإدارة قدرتها على الاستمرار.
ومع أن وصول الكابل إلى الخدمة مقرر مطلع عام 2028، ما زالت مراحل المسح والتركيب والاختبارات والتراخيص تحتاج إلى الاستكمال، وتظل مشروعات النقل والطاقة والموانئ في حاجة إلى تفاهمات واستثمارات إضافية، وهو تفاوت طبيعي بين القطاعات ينبغي أخذه في الاعتبار عند تقدير مستوى الشراكة الفعلي.
وقد كشفت التجربة السورية خلال سنوات العزلة أن الموقع الجغرافي وحده لا يكفي لضمان اندماج الاقتصاد في محيطه، بعدما أدى تراجع البنية التحتية والقيود التجارية والاضطرابات الأمنية إلى الحدّ من الاستفادة من الموانئ والمعابر وشبكات النقل، رغم استمرار أهمية موقع البلاد على المتوسط.
وتحاول دمشق اليوم إعادة بناء هذه الصلات في ظروف سياسية واقتصادية مختلفة، مستفيدة من استئناف العلاقات الأوروبية وتنامي الاهتمام الإقليمي بممرات التجارة والطاقة، ومن وجود دول قريبة جغرافياً تستطيع المشاركة في مشروعات تفتح للاقتصاد السوري أسواقاً وفرصاً جديدة.
ولعل العلاقة مع قبرص تقدم مثالاً على طبيعة التحول الذي تسعى إليه الدبلوماسية السورية، حين تنتقل من إعادة فتح أبواب التواصل السياسي إلى استخدام هذه القنوات في تطوير البنية التحتية وربط الأسواق وتبادل الخبرات، ضمن مصالح تستطيع أن تمنح العلاقات الثنائية استقراراً يتجاوز تغير الحكومات والظروف الإقليمية.
فالكابل الذي سيصل طرطوس بقبرص يحمل بيانات واتصالات عبر قاع المتوسط، فيما تتطلع دمشق إلى أن تمتد هذه الصلة إلى حركة التجارة والطاقة والاستثمار، وأن تتحول نيقوسيا من جار بحري قريب إلى شريك يساهم في إعادة وصل سوريا بالفضاء الأوروبي.
وبين الساحلين اللذين يفصل بينهما البحر وتجمعهما مصالح متنامية، ستتحدد قيمة التقارب بما يستطيع البلدان إنجازه من مشروعات واتفاقات دائمة، وحين تصبح خطوط الاتصال والنقل والتجارة جزءاً من شبكة اقتصادية متكاملة، يمكن للجغرافيا السورية أن تستعيد دوراً افتقدته خلال الحرب، وتتحول إطلالتها على المتوسط من ميزة جغرافية إلى مورد سياسي واقتصادي يدعم حضور البلاد في محيطها الإقليمي والدولي.
أغيد أبو زايد
المصدر: الثورة السورية
