تحول إستراتيجي يرفع حصة أوروبا في التجارة الخارجية بأكثر من 53%

زمن القراءة: 8 دقائق

ملخص

تحولت الصين من مصدر رئيس للطلب على المنتجات الأوروبية إلى منافس متزايد القوة، وبلغ عجز الاتحاد الأوروبي في تجارة السلع معها 402.976 مليار دولار خلال عام 2025.

قال تقرير لـ”بنك قطر الوطني” إن التحول في السياسة التجارية الأوروبية يمثل استجابة إستراتيجية لاقتصاد عالمي يزداد انقساماً ويصعب التنبؤ بمساراته، في ظل ما تشهده سلاسل الإمداد والتوريد من أزمات مع استمرار التوترات الجيوسياسية وحروب التجارة.

وأوضح أن الاتفاقات التجارية الجديدة للاتحاد الأوروبي تمثل أداة إستراتيجية لتنويع الشراكات التجارية بعيداً من أكبر شريكين تجاريين له وفتح أسواق جديدة أمام صادراته، لا سيما ضمن الاقتصادات ذات إمكانات النمو المرتفعة، وفي مقدمها الهند وتكتل “ميركوسور” ورابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان)، فضلاً عن ضمان وصول أكثر موثوقية إلى المواد الخام الحيوية.

وأشار التقرير إلى أن المكاسب الناجمة عن هذه الاتفاقات ستتراكم تدريجاً بما يدعم قدرة الاقتصاد الأوروبي على الصمود في المدى المتوسط، ذاكراً أن البيئة الخارجية للاتحاد الأوروبي شهدت على مدى العامين الماضيين تدهوراً ملحوظاً، في ظل تراجع موثوقية أكبر شريكين تجاريين له في آنٍ.

اتفاق أوروبي – أميركي لتحديد الرسوم الجمركية

التقرير أشار إلى أن الإطار الجديد للتجارة المتبادلة والعادلة والمتوازنة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة دخل حيز التنفيذ في الأول من يوليو (تموز) الماضي، باعتباره أحد الأطر الرئيسة المنظمة للتجارة الثنائية بين الجانبين، إذ يضع سقفاً للرسوم الجمركية عند 15 في المئة على معظم صادرات الاتحاد الأوروبي، مما يفرض حاجزاً هيكلياً أعلى أمام نفاذ الصادرات الأوروبية إلى أكبر أسواقها.

وفي المقابل لفت التقرير إلى تحول الصين من مصدر رئيس للطلب على المنتجات الأوروبية إلى منافس متزايد القوة، إذ بلغ عجز الاتحاد الأوروبي في تجارة السلع معها 359.8 مليار يورو (402.976 مليار دولار) خلال عام 2025، بعد انخفاض صادراته إليها بنسبة 6.5 في المئة وارتفاع وارداته منها بنسبة 6.4 في المئة.

وربط التقرير هذه التطورات بتوجه بروكسل نحو توسيع شبكة اتفاقاتها التجارية، في أوسع تحرك من نوعه منذ عقود، مستعرضاً الاتفاقات التجارية التي أبرمها الاتحاد الأوروبي مع تكتل “ميركوسور” والمكسيك وإندونيسيا والهند وأستراليا خلال عام 2025 والنصف الأول من العام الحالى، مقدراً أن تسهم مجتمعةً في رفع حصة التجارة الخارجية للاتحاد الأوروبي المشمولة باتفاقات التجارة الحرة إلى 53.3 في المئة، مقارنة بنسبة 46.3 في المئة نهاية عام 2025.

ولفت التقرير إلى امتداد التحول في السياسة التجارية الأوروبية إلى منطقة جنوب شرقي آسيا، موضحاً أن الاتحاد الأوروبي والفيليبين توصلا خلال سبتمبر (أيلول) الماضي إلى توافق مهم في شأن اتفاق للتجارة الحرة تضمن تحرير أكثر من 94 في المئة من بنود التعرفة الجمركية، بينما تتقدم المفاوضات مع تايلاند وماليزيا مع استهداف استكمال الاتفاقات الثلاثة بحلول عام 2027.

واعتبر أن الاتفاقات المرتقبة إلى جانب تلك القائمة مع سنغافورة وفيتنام وإندونيسيا، ستتيح للاتحاد الأوروبي بناء شبكة تجارية تغطي معظم دول رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان)، التي تعد إحدى أسرع مناطق العالم نمواً.

تنويع العلاقات التجارية يتصدر ثلاثة أهداف لدول أوروبا

ناقش التقرير ثلاثة أهداف رئيسة لهذا التحول تتمثل في تنويع العلاقات التجارية بعيداً من الشركاء الرئيسين الذين أصبحت سياساتهم تتسم بتزايد عدم اليقين، وإيجاد مصادر جديدة للطلب الخارجي وفرص للنمو في ظل فتور الاقتصاد الأوروبي، فضلاً عن تعزيز الأمن الاقتصادي عبر تأمين إمدادات مستقرة وموثوقة من المواد الخام الحيوية.

وفي تناوله الهدف الأول، أوضح التقرير أن الاتفاقات الجديدة تحد من انكشاف الاتحاد الأوروبي على أكبر شريكين تجاريين له، في ظل تزايد صعوبة التنبؤ بسياساتهما التجارية، مبيناً أن الرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة أثرت سلباً على الطلب ومشيراً إلى تراجع صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة بنسبة 30.4 في المئة على أساس سنوي خلال الربع الأول من العام الحالي.

وعزا التقرير في هذا الإطار جانباً من هذا الانخفاض إلى ارتفاع مستويات الصادرات مطلع عام 2025، نتيجة تسريع الشحنات تحسباً للرسوم الجمركية الأميركية المعلنة. وتعمل الصين على إعادة توجيه صادراتها التي فقدت منفذها إلى السوق الأميركية نحو أوروبا، مشيراً إلى ارتفاع فائضها التجاري مع الاتحاد الأوروبي بنسبة 24 في المئة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي.

ورأى أن إبرام مزيد من الاتفاقيات التجارية الجديدة يوفر آلية للتحوط من تلك الأخطار، عبر تنويع مصادر الطلب الخارجي وتوسيع قاعدة الشركاء التجاريين، بما يحد من التعرض لصدمات السياسات التجارية وأخطار تركز التجارة ضمن سوق واحدة.

توقعات بزيادة كبيرة في صادرات الاتحاد الأوروبي

في ما يتعلق بالهدف الثاني، أوضح التقرير أن الاتفاقات الجديدة تتيح مصادر إضافية للطلب الخارجي خلال وقت لا يزال النمو الاقتصادي الأوروبي فاتراً، وتواجه قاعدته الصناعية ضغوطاً في ظل استمرار ضعف أداء قطاع التصنيع.

واستدل البنك بالاتفاق التجاري مع الهند الذي يكشف عن حجم الإمكانات المتاحة أمام الصادرات الأوروبية، إذ ينص على إلغاء الرسوم الجمركية إلى حد كبير على الآلات التي تصل إلى 44 في المئة، والمواد الكيماوية التي تبلغ 22 في المئة، بينما ستنخفض الرسوم على السيارات الأوروبية تدريجاً من 110 في المئة إلى 10 في المئة ضمن حصة سنوية قدرها 250 ألف سيارة.

وذكر التقرير أن هذه القطاعات تحديداً تشهد تراجعاً في الحصص السوقية للمصنعين الأوروبيين لا سيما الألمان، لمصلحة المنافسة الصينية. وعلى نطاق أوسع، يستهدف الاتفاق مضاعفة صادرات الاتحاد الأوروبي من السلع إلى الهند بحلول عام 2032، بما يوفر نحو 4 مليارات يورو (4.48 مليار دولار) سنوياً من الرسوم الجمركية.

ولفت التقرير إلى أن هذه المكاسب ستتراكم تدريجاً، إذ يتوقع بدء تنفيذ الاتفاق مع الهند خلال كانون الثاني 2027، على أن يجري خفض الرسوم الجمركية على مراحل تمتد لأعوام عدة.

وفي المقابل، أورد التقرير أن اتفاق الاتحاد الأوروبي مع تكتل “ميركوسور” الذي بدأ تطبيقه موقتاً خلال أيار الماضي يتيح تحقيق مكاسب في وقت أبكر، إذ من المتوقع أن تسهم في زيادة صادرات الاتحاد الأوروبي السنوية بـ39 في المئة بحلول عام 2040.

أداة محورية لتعزيز الأمن الاقتصادي الأوروبي

أما عن الهدف الثالث، فاعتبر التقرير أن الاتفاقات التجارية أصبحت أداة محورية لتعزيز الأمن الاقتصادي الأوروبي لا سيما في ما يتعلق بالمواد الخام الحيوية، مسلطاً الضوء على استمرار اعتماد الاتحاد الأوروبي بدرجة كبيرة على الصين التي يستورد منها كامل حاجاته من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، ونحو 98 في المئة من مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة، وهي مدخلات أساس لصناعات السيارات والطاقة المتجددة والصناعات الدفاعية.

وحذر من أن هشاشة إمدادات هذه المواد تزداد إلحاحاً مع اقتراب انتهاء تعليق الصين للموجة الثانية من قيودها على الصادرات في الـ10 من تشرين الثاني الجاري، منوهاً بأن الاتفاقات التجارية مع الشركاء الغنيين بالموارد تتيح للاتحاد الأوروبي تنويع قنوات الإمداد.

وأفاد بأن الشركاء الذين يتمتعون بالفعل بمعاملة تجارية تفضيلية يوفرون ربع واردات الاتحاد الأوروبي من المواد الخام الحيوية، إذ ارتفعت وارداته من كندا بنسبة 62 في المئة خلال عام 2025، مشيراً إلى أن الاتفاق الجديد مع إندونيسيا على سبيل المثال سيسهم في توسيع نطاق هذه المصادر، وتعزيز الوصول إلى احتياطاتها الضخمة من النيكل والكوبالت والنحاس والقصدير.

وخلص التقرير إلى القول إن تنويع مصادر الإمداد لن ينهي اعتماد أوروبا على الصين، التي تسيطر على 90 في المئة من عمليات تكرير العناصر الأرضية النادرة عالمياً، لكنه سيحد من تعرض الاتحاد الأوروبي لأخطار اضطراب الإمدادات وتركيز مصادرها.

خالد المنشاوي

المصدر: إندبندنت عربية

آخر الأخبار