لم تعدِ السيطرة على العامل تبدأ وتنتهي عند باب المصنع أو المكتب؛ فقد تمتد إلى منزله، وتلاحقه عبر أقساط الرهن العقاري، وفواتير العلاج، وقروض التعليم.
فكلما ازدادت الالتزامات المالية، أصبح فقدان الوظيفة أكثر كلفة، وتراجعت قدرة الموظف على الاعتراض على الأجور المنخفضة أو ظروف العمل غير المستقرة.
وبهذا المعنى، لا تبدو الديون مجرد عبء مالي على الأسر، بل قد تتحول إلى أداة تضبط سلوك العمال وتحدّ من قدرتهم على مقاومة الاستغلال.

تطرح هذه الفكرة محور كتاب «الديون ومستقبل العمال: التمويل بوصفه استغلالاً في القرن الحادي والعشرين»، للاقتصادي جيورجوس غوزوليس، الصادر عن مطبعة جامعة بريستول عام 2026.
ويربط الكتاب بين تصاعد ديون الأسر وتراجع القوة التفاوضية للعاملين، معتبراً أن اتساع الفجوة بين ما يقدمه الموظفون للشركات وما يحصلون عليه في المقابل يمثل أحد أوجه الاستغلال في الاقتصاد المعاصر.
التمويل يفرض سلطته على بيئة العمل
منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، تناولت دراسات عديدة أثر التوسع المالي في عدم المساواة، والميزانيات الأسرية، وتفاصيل الحياة اليومية.
لكن تأثير نمو ديون الأسر في موقع العامل داخل بيئة العمل لم يحظَ بالاهتمام نفسه.
ويعالج غوزوليس هذه المسألة من خلال الجمع بين الاقتصاد السياسي ودراسات التمويل وعلاقات العمل، متجاوزاً المقاربات التي تركز عند بحث مستقبل الوظائف على الذكاء الاصطناعي والأتمتة والمنصات الرقمية وأشكال التوظيف الجديدة.
ويرى أن الديون الشخصية، بدلاً من أن تكون مجرد انعكاس لركود الأجور وانعدام الأمان الوظيفي، تسهم في ترسيخ هاتين الظاهرتين، إذ تجعل العامل أكثر اعتماداً على استمرار حصوله على راتبه.
فكلما ارتفعت التزاماته المالية، زادت خسائره المحتملة في حال فقدان الوظيفة، وأصبح أقل استعداداً للمخاطرة بالإضراب أو الانضمام إلى النقابات أو الدخول في مواجهة مع صاحب العمل.
ويصف الكتاب هذه الظاهرة بصعود «الطبقة العاملة المثقلة بالديون»، وهي شريحة متزايدة من العاملين الذين تتحدد خياراتهم بدرجة أكبر وفق قدرتهم على سداد الالتزامات المالية، في وقت تضعف فيه المؤسسات الجماعية وتزداد هشاشة الوظائف.
ويربط المؤلف هذا التحول بتراجع الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، والخصخصة، وتحرير الأسواق من القيود التنظيمية.
ومع انتقال مزيد من التكاليف الأساسية إلى الأسر، لم تعد الديون مسألة اختيار مالي فردي فحسب، بل أصبحت سمة هيكلية في حياة قطاعات من الطبقة العاملة.
ديون الأسر.. حلقة في منظومة الاستغلال
يتمثل أحد أبرز إسهامات الكتاب في ربط ديون الأسر بالارتفاع الحاد في مستويات عدم المساواة داخل الولايات المتحدة وعلى مستوى العالم.
ووفقاً لتقرير عدم المساواة العالمي لعام 2026، يحصل أغنى 10% من سكان العالم على 53% من الدخل، مقابل 8% فقط للنصف الأفقر من السكان. ورغم وضوح هذه الفجوة، فإن التفسيرات السائدة لا تتناولها عادة من زاوية الاستغلال، بل تركز على قدرة الأثرياء على الاستفادة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية.
ويقدم غوزوليس تفسيراً مختلفاً، إذ يرى أن الأجور في الاقتصاد الذي تهيمن عليه الأنشطة المالية تتعرض لضغوط هبوطية تتيح للشركات توجيه حصة أكبر من عوائدها النقدية إلى المساهمين.

وتكتسب هذه العوائد أهمية خاصة في دعم أسعار الأوراق المالية، التي تستمد قيمتها السوقية من توقعات المستثمرين بشأن العوائد المستقبلية، وليس من قيمة جوهرية ثابتة بالضرورة.
ومن ثم، يصبح استمرار التدفقات النقدية إلى المساهمين عاملاً مهماً في دعم تلك الأسعار.
وفي المقابل، يؤدي الضغط على أجور العاملين إلى توسيع الفجوة بين مساهمتهم في إيرادات الشركات وما يحصلون عليه منها، وهو ما يراه المؤلف شكلاً من أشكال الاستغلال الاقتصادي.
وتؤدي ديون الأسر دوراً أساسياً في هذه العملية عبر آليتين مترابطتين.
من جهة، تساعد القروض على سد الفجوة بين تراجع حصة العمال من الدخل وحجم الاستهلاك المطلوب لدعم إيرادات الشركات وأرباحها.
ومن جهة أخرى، تسهم الديون في إبقاء حصة العمال من إيرادات الشركات منخفضة، لأن الموظفين المثقلين بالالتزامات المالية يصبحون أقل قدرة على مقاومة خفض الأجور، خشية أن تؤدي المواجهة مع أصحاب العمل إلى فقدان وظائفهم وتعثرهم في السداد.
الديون تضعف العمل الجماعي
لا يقتصر تأثير المديونية على العلاقة الفردية بين الموظف وصاحب العمل، بل يمتد إلى العمل النقابي والتحركات الجماعية.
ويتتبع الكتاب توسع التنظيم العمالي بعد الحرب العالمية الثانية، ثم تراجع كثافة الانتساب إلى النقابات في ظل السياسات النيوليبرالية.
ويربط غوزوليس هذا التراجع بتضافر العولمة وتراجع التصنيع واتساع التمويل وارتفاع ديون الأسر، معتبراً أن هذه العوامل أضعفت قدرة العمال على التنظيم والدفاع عن مصالحهم المشتركة.
وفي هذا السياق، يطرح مفهوم «الإسكات القسري بالديون»، الذي يشير إلى أن العامل قد يمتلك الحق القانوني في الإضراب ووقف العمل، لكنه يفتقر عملياً إلى القدرة على ممارسته، بسبب التزاماته المالية وخشيته من انقطاع دخله.
وبذلك، لا تعمل الديون بمعزل عن سلطة الإدارة، بل تعززها، وتنقل أدوات الانضباط الاقتصادي من موقع العمل إلى حياة العامل الخاصة.
الخوف من فقدان الوظيفة يرسخ الهشاشة
في فصل بعنوان «الديون واليأس في العمل»، يستعيد المؤلف مفهوم «الجيش الاحتياطي من العمال» لدى كارل ماركس وفريدريك إنجلز، ليجادل بأن الوظائف الهشة والمنخفضة الأجر ليست ظاهرة عرضية في الرأسمالية المعاصرة، بل تمثل حالة هيكلية يمكن أن يستخدمها أصحاب العمل للضغط على العاملين.
وتزيد الديون من حدة هذه الهشاشة؛ فالبطالة لا تعني فقدان الدخل فحسب، بل تهدد أيضاً قدرة الفرد على الوفاء بالتزاماته القائمة.
ونتيجة لذلك، قد يقبل العامل أعباء عمل مفرطة، وأجوراً راكدة، وشروط توظيف غير مستقرة، بدلاً من المخاطرة بفقدان وظيفته.
كما أن المديونية ليست عبئاً مالياً فقط، بل مصدراً للقلق الاقتصادي والنفسي، وقد تعزز أوجه عدم المساواة القائمة على الطبقة والنوع الاجتماعي والعرق.
ويشير الكتاب إلى أن التحيزات المنهجية في تقييم الجدارة الائتمانية للأفراد قد تسهم بدورها في إعادة إنتاج هذه الفوارق.
وتكمن أهمية هذا الطرح في الجمع بين مجالين بحثيين غالباً ما يُدرسان بصورة منفصلة: تمويل الاقتصاد والمجتمع من جهة، وأسواق العمل والعلاقات الصناعية والعمل الجماعي من جهة أخرى.
ففهم تراجع قوة العمال، وفقاً للكتاب، يتطلب النظر ليس فقط إلى تغيرات الوظائف والنقابات والتشريعات، بل أيضاً إلى الالتزامات المالية التي يحملها العاملون معهم خارج مكان العمل.
هل يمكن إضفاء الطابع الديمقراطي على التمويل؟
يخصص الكتاب فصله الختامي، «نظّموا، قاوموا، ألغوا: إضفاء الطابع الديمقراطي على التمويل والعمل»، لبحث النتائج السياسية لهذه الرؤية.
وبدلاً من التعامل مع الديون الشخصية باعتبارها مشكلة ينبغي على الأفراد إدارتها وحدهم، يربط غوزوليس بين النضال بشأن الديون والصراع الجماعي حول ظروف العمل وتوزيع القوة الاقتصادية.
وتشمل مقترحاته تنظيم المدينين والمستأجرين، وإضفاء الطابع الديمقراطي على المؤسسات المالية عبر التعاونيات المملوكة للعاملين والخاضعة لسيطرتهم، إلى جانب توسيع نطاق الديمقراطية داخل أماكن العمل.
ويؤكد هذا التوجه أن إصلاح النظام المالي لا يمكن فصله عن سياسات العمل؛ فتقليص ارتهان العاملين للدائنين قد يعزز قدرتهم على التنظيم والمطالبة بحقوقهم، بينما يمكن لإعادة بناء القوة الجماعية داخل بيئة العمل معالجة الظروف التي تجعل الاستدانة ضرورة متكررة في المقام الأول.
وتكمن القيمة الأساسية للكتاب في تقديم تفسير يربط بين المديونية وسلوك العمال وقدرتهم على التنظيم، مستنداً إلى شواهد من سياقات تاريخية ووطنية مختلفة.
ووفقاً لهذه الرؤية، لا تتوقف سلطة رأس المال عند بوابة المصنع أو باب المكتب، بل تمتد إلى داخل المنزل عبر الديون، لتصبح الالتزامات المالية إحدى الأدوات التي تؤثر في حرية العامل وقدرته على التفاوض والمقاومة في القرن الحادي والعشرين.
المصدر: إل إس إي
