الزيدي في دمشق.. هل تعود سوريا بوابة نفط العراق؟

زمن القراءة: 10 دقائق

إن كان الرئيس السوري أحمد الشرع قد استبق زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى دمشق بفيض من المعطيات المقرونة برؤية بالغة التفاؤل لملامح الأفق المشترك لعلاقة البلدين الاستراتيجية على مختلف المسارات، فإن الفرص القائمة على “حامل الجغرافيا” تسبق كافة القراءات، بل وتفرض نفسها بسلاسة وسيرورة ديناميكية عندما تتوفر الإرادة السياسية، الإرادة ذاتها التي طالما أغلقت الأفق وسدّت بوابات النفاذ في زمن صراع جناحي البعث في البلدين.

اليوم، علي الزيدي في دمشق لا ليؤسس لعلاقة جديدة، بل ليرسي قيماً مضافة على إحداثيات ارتسمت على مدار العام 2026، مدفوعة بقناعات المصلحة المشتركة، وإن تعززت بعد اندلاع أزمة الممرات مع بدء الحرب الإسرائيلية – الأميركية – الإيرانية، فسوريا غدت بوابة الخلاص لبلد نفطي بامتياز يقوم اقتصاده على رهان الممرات واستدامة تدفق الصادرات.

فأي أفق جديد سيُصار إلى مأسسته في العلاقات السورية – العراقية من اليوم فصاعداً بعد الحدث السوري – العراقي في دمشق؟

سباق نحو الفرص الدسمة

الواقع أن ثمة قناعات عراقية وراء ما يشبه “الجماح الاستراتيجي”، إن صح التعبير، لالتقاط الفرصة السورية، تجلى في سلسلة قرارات تبناها مجلس الوزراء العراقي خلال الأشهر الماضية، تقضي باعتماد المرافئ السورية منصاتٍ لتصدير النفط العراقي، إما عبر الصهاريج كخيار إسعافي، أو عبر إعادة إحياء خط كركوك – بانياس التاريخي.

فسوريا بوابة العراق إلى المتوسط، ويمكن أن تتحول إلى امتداد لوجستي لتجارته مع أوروبا وشمال أفريقيا والأمريكيتين، وفقاً للدكتور المهندس البحري سلمان ريا، الذي يرى أن تحقيق هذه الإمكانية يتطلب ربط المرافئ البحرية بالمرافئ الجافة والسكك الحديدية وممرات الطاقة، والاستفادة من دروس التجارب السابقة.

والعلاقات الاقتصادية السورية – العراقية تكتب، وفقاً للدكتور ريا في حديثه لـ”المدن”، أهمية تتجاوز التبادل التجاري التقليدي، لأنها تتصل بموقع البلدين في شبكة التجارة والطاقة والنقل في الشرق الأوسط وشرق المتوسط. فالعراق يمتلك موارد طاقة وقاعدة إنتاجية وسوقاً واسعة، فيما تمتلك سوريا منفذاً مباشراً إلى البحر المتوسط، ومرافئ تجارية، وموقعاً يربط بلاد الرافدين بالساحل الشرقي للمتوسط والأسواق المتصلة به.

مرافئ الإنقاذ الرشيق

ويعوّل الخبير الاقتصادي البحري على المرافئ كمرفق استراتيجي للنهوض بأفق التعاون الاستراتيجي بين البلدين، ويرى أن المقاربة الاستراتيجية تقتضي إعادة تعريف وظيفة المرافئ السورية؛ فميناء طرطوس وميناء اللاذقية لا ينبغي أن يُنظر إليهما بوصفهما نقطتي وصول ومغادرة للسفن فقط، وإنما بوصفهما مركزين في شبكة لوجستية تمتد إلى الداخل السوري والحدود العراقية والأسواق الإقليمية.

لكنه يلفت إلى أهمية إنشاء شبكة من المرافئ الجافة ومراكز التجميع والتوزيع، مرتبطة بالمرافئ البحرية عبر السكك الحديدية والطرق السريعة. وتتولى هذه المراكز تخزين البضائع وفرزها وتجميعها وتوزيعها، وإنجاز جانب من الإجراءات الجمركية والخدمات اللوجستية، قبل نقل الشحنات إلى وجهاتها النهائية.

ويتيح هذا النموذج نقل جزء من وظائف التخزين والتوزيع إلى الداخل، وتسريع إخلاء الأرصفة والساحات البحرية، وتقليص زمن بقاء السفن والبضائع، ورفع معدل دوران الأرصفة. وبذلك يمكن زيادة الطاقة الإنتاجية الفعلية للمرافئ، أي حجم البضائع التي تستطيع مناولتها خلال فترة زمنية محددة، من دون الاعتماد على التوسعة البحرية وحدها. وتتيح هذه المراكز فرصاً استثمارية في المستودعات ومناولة الحاويات والتبريد والتخليص الجمركي والصيانة والتوزيع. وهكذا تتحول حركة الترانزيت من مجرد عبور للبضائع إلى نشاط اقتصادي فاعل.

شاهد على الارتكاس

يتصدر خط كركوك – بانياس الأنباء والتحليلات المتعلقة بمسارات التعاون السوري – العراقي، ربما لأنه ملمح باقٍ في سفر علاقة البلدين وشاهد على ما فعلته السياسة في الاقتصاد.

فتاريخ الخط مثال واضح على الإمكانات الاقتصادية للتكامل السوري – العراقي، وعلى المخاطر التي تهدد استمراره عندما يخضع لتقلبات العلاقات السياسية. من وجهة نظر الخبير ريا، الذي يشير إلى أن الخط دخل الخدمة عام 1952، لكنه لم يعمل بصورة متصلة طوال تاريخه، فقد شهد انقطاعات بسبب الخلافات السياسية والمالية، وتوقف عام 1982 في سياق القطيعة السورية – العراقية والحرب العراقية – الإيرانية. ثم استُخدم مجدداً لفترة قصيرة نحو عامي 2000 و2001، قبل أن يتعرض لأضرار جسيمة خلال حرب العراق عام 2003، ويخرج من الخدمة منذ ذلك الحين.

وتكشف هذه المراحل أن أهمية الخط الاقتصادية لم تكن موضع شك من حيث المبدأ، لكن استمراره تأثر بالخلافات على رسوم العبور وبالقرارات السياسية والأوضاع الأمنية. وهذا التمييز ضروري عند تقييم فرص إحيائه اليوم.

إلا أن مشروع كركوك – بانياس عاد إلى واجهة التعاون السوري – العراقي خلال عام 2026، مع الإعلان عن تفاهمات لإعداد الدراسات الفنية والمالية اللازمة لإعادة تأهيل الخط والمنشآت المرتبطة به. ويمثل ذلك فرصة لإعادة تقييم أحد المسارات التاريخية لتصدير النفط العراقي، لكنه لا يعني أن الخط أصبح جاهزاً للتشغيل.

استحقاقات مطلوبة

لكن هذا غير كافٍ برأي الخبير البحري، إذ يتطلب المشروع تحديد كلفة إعادة التأهيل، وحالة الأنابيب ومحطات الضخ، والقدرات التخزينية، واحتياجات المرافئ والمنشآت الساحلية، فضلاً عن حجم التدفقات النفطية المتوقع ومصادر التمويل والجدول الزمني.

كما ينبغي أن تُحتسب الجدوى من منظور متكامل، يشمل كلفة نقل النفط إلى المتوسط، ورسوم العبور، وكلفة المناولة والتصدير البحري، والمخاطر الأمنية والتشغيلية، ومقارنة هذه العناصر بالمسارات البديلة.

ومن الضروري كذلك وضع اتفاق طويل الأجل يحدد حقوق الطرفين والتزاماتهما، وآليات احتساب التعرفة، وضمانات استمرار التدفق، وتسوية النزاعات. فإعادة تأهيل الأنابيب من دون بناء إطار مؤسسي مستقر قد تعيد إنتاج مواطن الضعف التي عرفها المشروع في الماضي.

والفرصة الأوسع تكمن في تحويل الساحل السوري إلى مركز لخدمات الطاقة، بما يشمل التخزين والتشغيل والصيانة والخدمات الهندسية والتصدير البحري، وفقاً لما تثبته دراسات الجدوى.

علاقات “من حديد”

ثمة عامل جاذب بجدواه للعلاقات الاقتصادية بين دمشق وبغداد، وهو النقل السككي، الذي يراه الدكتور ريا أحد المحاور الأساسية التي يمكن أن تربط الموارد العراقية بالمرافئ السورية، وتمنح حركة التجارة بين البلدين كفاءة أكبر.

فالسكك الحديدية مناسبة، في ظروف تشغيلية معينة، لنقل البضائع الثقيلة والمواد السائبة والحاويات بكميات كبيرة وعلى مسافات طويلة. ويمكن أن تكمل النقل البري، الذي يتمتع بمرونة أكبر في التوزيع والوصول إلى الوجهات النهائية.

لكن تطوير الربط السككي يتطلب، برأي د. ريا، تقييماً فنياً للخطوط القائمة في البلدين، وتحديد المقاطع التي تحتاج إلى إعادة تأهيل، ودراسة إنشاء وصلات جديدة حيث تقتضي الجدوى ذلك. كما يستلزم توحيد المعايير التشغيلية، وتحسين أنظمة الإشارات والاتصالات، وتنظيم إجراءات عبور الحدود وتبادل بيانات الشحن.

وينبغي دراسة إمكان ربط المراكز الاقتصادية العراقية بالمرافئ الجافة السورية، ثم بالمرافئ البحرية في طرطوس واللاذقية، ضمن شبكة متعددة الوسائط. أما الربط بين ميناء الفاو العراقي والساحل السوري، فيمكن بحثه بوصفه تصوراً استراتيجياً يحتاج إلى دراسات مسار وكلفة وتمويل وحجم شحن متوقع، قبل اعتباره مشروعاً قابلاً للتنفيذ.

وتكمن أهمية هذا النهج في أنه يتيح نقل البضائع بين وسائل النقل المختلفة وفقاً للكلفة والزمن وطبيعة الشحنة، بدلاً من الاعتماد على الطرق البرية وحدها.

كما أن المرافئ الجافة ومراكز التجميع والتوزيع تستطيع أن تؤدي دوراً محورياً في هذه الشبكة، من خلال استقبال البضائع وفرزها وتجميعها وإعادة توزيعها، وربط الأسواق ومناطق الإنتاج بالموانئ والمعابر الحدودية.

وبذلك يصبح الممر الاقتصادي منظومة خدمات متكاملة، لا مجرد طريق أو خط سككي. وتقاس كفاءته بكلفة نقل الطن الواحد، وزمن الرحلة، وانتظام الخدمة، وسرعة عبور الحدود، وقدرته على استقطاب حركة تجارية مستدامة.

سطوة الجغرافيا

في عموم المشهد المستقبلي الذي تتسارع ملامحه بين سوريا والعراق، يمكن إطلاق العنان لقدر كبير من التفاؤل الواقعي، لأن ثمة مصالح حقيقية تفرض نفسها، لا مجرد مجاملات سياسية آنية أو قصيرة المدى. وهذا ما يصفه الدكتور ريا بـِ “حكمة الانطلاق من الجغرافيا إلى المصالح المستدامة”، ويشير إلى أن سوريا والعراق تمتلكان مقومات تكامل اقتصادي تتجاوز النفط والتبادل التجاري، فالعراق يحتاج إلى تنويع منافذ الطاقة والتجارة، وسوريا تحتاج إلى استعادة كفاءة مرافئها وشبكات النقل، وتوسيع قاعدة الخدمات اللوجستية والاستثمار والإنتاج.

ويضيف د. ريا: القيمة الاستراتيجية الحقيقية لا تكمن في خط أنابيب منفرد أو طريق سريع أو رصيف جديد، إنها تكمن في ربط هذه العناصر ضمن شبكة واحدة تصل حقول الإنتاج بالمرافئ، والمرافئ بالمرافئ الجافة، والمراكز الداخلية بالحدود، والطرق والسكك الحديدية بخطوط الملاحة البحرية.

فالتجارب السابقة تثبت أن التعاون الاقتصادي ممكن، لكنها تثبت أيضاً أن استمراره يحتاج إلى مؤسسات واتفاقات تحمي المصالح المشتركة من تقلبات السياسة. ومن دون ذلك، يمكن أن تتحول البنية التحتية إلى أصول معطلة، مهما بلغت أهميتها الجغرافية.

أما إذا نجح البلدان في بناء منظومة نقل وطاقة وخدمات لوجستية متكاملة، فيمكن لسوريا أن تستعيد دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للتجارة والعبور والتوزيع، وأن يحصل العراق على خيارات أكثر تنوعاً وموثوقية للوصول إلى الأسواق العالمية.

الجغرافيا تمنح البلدين فرصة، والتاريخ يقدم دروساً، لكن الاقتصاد هو الذي يحدد قيمة هذه الفرصة. ومعيار النجاح واضح: خفض كلفة النقل وزمنه، وزيادة القيمة المضافة، وخلق فرص العمل، وبناء مصالح متبادلة تجعل التعاون أكثر استدامة وجدوى للطرفين.

ناظم عيد

المصدر: المدن

آخر الأخبار