مؤشران يكشفان حقيقة الأسهم: هل كل ما يلمع ذهباً؟

زمن القراءة: 8 دقائق

“لا تنجذب للأسماء البراقة”..  هذا هو تحذير رائد الاستثمار القيمي “بنيامين جراهام” للرغبين في الانخراط في سوق الأسهم؛ لأنه سواء كان سبب هذا البريق دعاية إعلامية مكثفة، أو قوائم مالية “تبدو” قوية، فإنه في كثير من الأحيان ما يتضح زيف هذا البريق أو ذاك.

فعندما تتدهور أحوال الشركة أو يقرر مجلس إدارتها تجميل القوائم المالية، لا تُفصح البيانات الرسمية صراحةً عن وضعها السيئ، بل تظهر كمرآةٍ مضللة تعكس إيرادات متصاعدة وأرباحاً متنامية.

مؤشر زد

ولذلك ظهرت عبر الزمن أدوات تحليلية قادرة على قراءة ما بين السطور وكشف ما تخفيه الحسابات، وفي مقدمتها نموذج ألتس مان لاحتمالات الإفلاس  (Altman Z-Score)  ونموذج “بينش” لكشف التلاعب المحاسبي  (Beneish M-Score).

ففي عام 1968، ابتكر أستاذ التمويل بجامعة نيويورك “إدوارد ألتس مان” نموذجاً إحصائياً دقيقاً لتوقع احتمالية تعثر الشركة وإفلاسها خلال فترة زمنية تتراوح بين 12 إلى 24 شهراً. يجمع النموذج بين خمس نسب مالية أساسية يعطي كل منها وزناً ترجيحياً محسوباً وفق المعادلة التالية:

مؤشر زد = س1 + س2 + س3 + س4 + س5

– س1 هو (رأس المال العامل ÷ إجمالي الأصول): يقيس مدى قدرة الشركة على إدارة السيولة التشغيلية قصيرة الأجل.

– س2 هو (الأرباح المحتجزة ÷ إجمالي الأصول): يعكس قدرة الشركة التاريخية على تراكم الأرباح وتدويرها.

– س3 هو (الأرباح قبل الفوائد والضرائب ÷ إجمالي الأصول): يوضح الكفاءة الإنتاجية الحقيقية للأصول بعيداً عن أثر الضرائب والديون.

– س4 (القيمة السوقية للأسهم ÷ إجمالي الالتزامات): يقيس مدى تغطية رأس المال السوقي لإجمالي الديون والالتزامات.

– س5 هو (المبيعات ÷ إجمالي الأصول): يقيس معدل دوران الأصول أو كفاءة الإدارة في توليد الإيرادات.

ويُفسر المتداول نتائج هذا المؤشر وفق ثلاثة مستويات؛ حيث تشير القراءة الأقل من 1.81 إلى وقوع الشركة في “المنطقة الحمراء” ذات الخطر المرتفع للإفلاس خلال عامين، مما يستوجب التخارج الفوري.

أما القراءة المحصورة بين 1.18 إلى 2.99 فتعكس منطقة رمادية تفرض حذراً وفحصاً دقيقاً، بينما تعبر القراءة الأعلى من 2.99 عن منطقة آمنة بوضع مالي مطمئن وبعيد عن مخاطر التعثر.

توقعات صحيحة

وتوقع نموذج “زد سكور” انهيار عملاق تجارة السلع والخدمات اللوجستية في سنغافورة شركة “نوبل جروب” (Noble Group)، والتي كانت في عام 2014 تعلن عن إيرادات بمليارات الدولارات وتتداول أسهمها عند مستويات قياسية.

وبتطبيق المعادلة على بيانات ذلك العام، تبين تدهور حاد في رأس المال العامل مقارنة بالأصول وانخفاض مؤشر تغطية القيمة السوقية للالتزامات والديون المباشرة، لتبلغ النتيجة 1.22 نقطة فقط، بما وضعها في “المنطقة الحمراء” الخطرة.

 ورغم البيانات المتفائلة الصادرة عن الإدارة آنذاك، إلا أن العجز عن سداد الالتزامات المالية تسبب في تخلف الشركة عن سداد ديونها، لتنتهي بتهاوي السهم بنسبة 99% وتفكيك أصولها بالكامل عام 2018.

نموذج إم

وإذا كان نموذج “ألتس مان” يحدد متى تفلس الشركة (أو وفقاً لتعبيره يحدد تاريخ وفاة الشركة)، فإن نموذج البروفيسور “ميسود بينش” الصادر عام 1999 يكشف ما إذا كانت الإدارة تُجمّل نتائجها لإظهار أرباح وهمية، يتكون هذا النموذج من ثمانية مؤشرات مالية تقارن بين أداء الشركة في العام الحالي والعام السابق عبر المعادلة التالية:

مؤشر إم = م1 + م2 + م3 + م4 + م5

– م1 (مؤشر أيام المبيعات في الحسابات المدينة): يقيس مدى تسجيل الإيرادات دون تحصيلها نقداً لتوليد مبيعات صورية بقسمة الحسابات المدينة على مبيعات.– م2 (مؤشر هامش الربح الإجمالي): يراقب تآكل هوامش الربح الحقيقية ومدى الضغط على الإدارة لتغطيتها، وذلك بقسمة هامش الربح الإجمالي للعام الحالي على الهامش نفسه للعام السابق.

– م3 (مؤشر جودة الأصول): يقيس نسبة نمو الأصول غير الملموسة والغامضة مقارنة بالأصول الصلبة، وذلك بقسمة الأصول الثابتة والسيولة على إجمالي الأصول.
 – م4 (مؤشر نمو المبيعات): يراقب النمو السريع الذي يضغط على الإدارة للحفاظ على نسق غير واقعي، وذلك بقسمة مبيعات العام الحالي على مبيعات العام السابق.

– م5 (إجمالي المستحقات إلى إجمالي الأصول): يقيس الفارق بين الأرباح المحاسبية المدونة والتدفقات النقدية التشغيلية الحقيقية، وذلك بطرح التدفقات النقدية الواقعية من إجمالي الربح الدفتري، ثم قسمة الناتج على إجمالي الأصول.

وتُفسر نتيجة هذا النموذج بناءً على رقم يعتبر مرجعاً؛ فإذا جاءت قيمة المؤشر أكبر من الرقم السلبي -1.87، كأن تكون سالب واحد (-1) على سبيل المثال، فهذا يعكس وجود شبهة تلاعب عالية جداً بالقوائم المالية، أما إذا كانت القراءة أقل من -1.87 كأن تكون -2.5 على سبيل المثال، فإن الشركة تكون بعيدة بنسبة كبيرة عن الشبهات المحاسبية.

أداة فعالة

وتتجلى قوة نموذج “إم سكور” بوضوح عند فحص حالة شركة “سينو فورست” (Sino-Forest Corporation) الكندية، والتي كانت تُصنف عام 2010 كإحدى أكبر شركات الغابات والتنمية الزراعية بقيمة سوقية تجاوزت 6 مليارات دولار كندي.

فقد أعلنت الشركة حينها عن نمو متصاعد في الأرباح والمبيعات، لكن تطبيق النموذج كشف عن ارتفاع استثنائي وغير مبرر في مؤشر أيام المبيعات للحسابات المدينة ومؤشر جودة الأصول؛ حيث تضخمت الحسابات المدينة والأصول غير الملموسة دون أي تدفقات نقدية فعلية، ليتجاوز النموذج نقطة الخطر ويسجل قراءة قدرها -1.15، أي أكبر من -1.87.

ولاحقاً اتضح هذا التلاعب، ففي منتصف عام 2011 كشف تقرير مستقل تزوير ملكية الغابات وإعداد عقود صورية، فتسببت تلك القراءة المحاسبية في سقوط حاد للسهم بنسبة 82% خلال أيام، قبل أن ينتهي المطاف بالشركة إلى إفلاس كامل وتصفية أعمالها عام 2012.

وكانت شركة المقاولات البريطانية “كارليون” نموذجاً لانطباق النموذجين عليها، حيث كانت تُعد ثاني أكبر شركة بنية تحتية في البلاد وتدير عقوداً حكومية حيوية، وفي أواخر عام 2016، أظهرت الشركة أرباحاً تشغيلية ظاهرية، بيد أن تطبيق نموذج “إم سكور” أعطى نتيجة قدرها -1.34 نتيجة تأجيل إثبات الخسائر وتسجيل إيرادات عقود غير مؤكدة.

كما انخفض مؤشر “زد سكور” بالتوازي إلى 1.18 نقطة بسبب تضخم الديون وتراجع رأس المال العامل.

وقادت هذه الأرقام السيئة الشركة إلى انهيار سريع في كانون الثاني 2018؛ حيث خضعت للتصفية الإجبارية الفورية بفعل ديون تجاوزت 1.5 مليار جنيه إسترليني، مما أدى لتعطل مئات المشروعات العامة، بل وفتحت السلطات البريطانية تحقيقاً في كيفية التلاعب ببيانات الشركة إلى هذا الحد.

وتعتبر شركة “ساتيام للكمبيوتر” (Satyam Computer Services)  دليلاً آخر على نجاعة تطبيق نموذج “إم سكور”، حيث كانت تُصنف كرابع أكبر شركة لخدمات البرمجيات في الهند، وفي عام 2008، كانت قوائم الشركة المالية تعكس أرباحاً قياسية وسيولة نقدية تتجاوز المليار دولار، ولكن تطبيق نموذج “إم سكور” سجل رقماً مثيراً للقلق بلغ -0.85.

وفي كانون الثاني 2009، اعترف رئيس مجلس إدارة الشركة بتزوير أرباح وسيولة وهمية على مدار سنوات، ليقود ذلك لإيقاف التعامل على السهم بعد هبوطه بنسبة 90% في يوم واحد، قبل أن تتدخل الحكومة الهندية لإعادة هيكلة الشركة لإنقاذها من الإفلاس التام.

ويؤكد هذا أن الاعتماد على البيانات المالية الظاهرية أو تتبع “نغمة” التفاؤل المعلنة في تقارير الإدارة قد يؤدي لخسائر للمتداول، ولكن النماذج الإحصائية مثل “زد سكور” و”إم سكور” تُعد وسيلة لتلافي أي تلاعبات ويسمح للمستثمر باستبعاد الشركات ذات المخاطر المرتفعة قبل أن تطال الخسائر المحفظة المالية.

ولكن ينبغي على المستثمر ألا يتعامل مع هذه النماذج كبديل عن التحليل الأساسي الشامل، بل كـ “أدوات فحص أولي” وأن يستعمل هذه المؤشرات لتحديد احتمالات الخطر وإمكانية التلاعب في القوائم.

المصادر: أرقام- سي.إن.إن- فاينانشيال تايمز- ياهو فاينانس- كوربريت فاينانس إنتستيتوت- دراسة “Beneish M-score: A measure of fraudulent financial transactions in global environment?”

آخر الأخبار