مسح يرصد البطالة والأجور والعمل غير المنظم.. مؤشرات تعيد قراءة واقع التشغيل

زمن القراءة: 9 دقائق

يرتبط واقع العمل بصورة مباشرة بقدرة الأفراد والأسر في سوريا على تأمين احتياجاتهم الأساسية وتحقيق الاستقرار المعيشي، ما يجعل توفر بيانات حديثة عن التشغيل والبطالة وخصائص العاملين والباحثين عن فرص عمل أساساً لفهم التحولات التي يشهدها سوق العمل.

ومع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات الماضية، تتزايد الحاجة إلى بيانات ميدانية تحدد حجم القوى العاملة وخصائصها وتوزعها، وتكشف الفروق على مستوى المحافظات والفئات السكانية، بما يساعد على تحديد أولويات التشغيل والتدريب ووضع البرامج وفق الاحتياجات الفعلية.

وفي هذا السياق، بدأت هيئة التخطيط والإحصاء تنفيذ مسح القوى العاملة في مختلف المحافظات، بهدف تحليل توزيع القوى العاملة ديموغرافياً واقتصادياً ورصد مؤشرات التشغيل والبطالة، ضمن عينة تشمل عشرات آلاف الأسر.

37,800 أسرة لرصد سوق العمل 

يكتسب مسح القوى العاملة أهمية خاصة هذا العام، إذ يُنفذ بعد انقطاع طويل، رغم طبيعته الدورية، وفق رئيس دائرة الإعلام في هيئة التخطيط والإحصاء محمد عثمان.

وأوضح عثمان لـ«الثورة السورية» أن المسح يعتمد أحدث المعايير الدولية، ويهدف إلى نقل بيانات سوق العمل من التقديرات إلى القياس الميداني، ومعالجة الفجوات الإحصائية المتراكمة حول واقع التشغيل، ورصد الخصائص الفعلية للعمالة ضمن الفئة العمرية المعتمدة لقوة العمل، وهي 15 سنة فأكثر.

ويستهدف المسح عينة تضم 37,800 أسرة موزعة بالتساوي على المحافظات السورية، بواقع 2,700 أسرة في كل محافظة، وتشمل مختلف الأحياء والنواحي والقرى، بهدف توفير قاعدة بيانات تغطي واقع سوق العمل على مستوى سوريا.

واعتمد تصميم العينة توزيعاً جغرافياً متوازناً يتيح إجراء مقارنات إحصائية بين المحافظات، ورصد الفروق الديموغرافية والاقتصادية، إضافة إلى قياس الخصائص التعليمية والعمرية للسكان المشمولين بالمسح.

ويُنفذ المسح وفق منهجية وأدوات إحصائية موحدة في المحافظات، فيما تخضع البيانات بعد جمعها لمراحل ضبط الجودة والتنظيف والمعالجة، مع مراعاة خصائص كل محافظة عند إعداد النتائج والتقارير.

وتعتمد الهيئة في جمع البيانات على فرق ميدانية، يتألف كل منها من شخصين يزوران الأسر المستهدفة ويستوفيان بيانات الاستمارة إلكترونياً باستخدام الأجهزة اللوحية، بما يسمح بجمع التفاصيل المتعلقة بالعمل والجودة الحياتية للمشتغلين.

وتتوقع الهيئة إنجاز عملية الجمع الميداني قبل نهاية عام 2026، على أن تصدر النتائج الأولية، وفق التقديرات التي عرضها عثمان، بين أواخر كانون الثاني وبداية شباط 2027.

مؤشرات تتجاوز معدل البطالة

ويتجاوز المسح حساب معدلات البطالة والتشغيل إلى قياس مكونات تفصيلية لسوق العمل، تشمل طبيعة الوظائف ومستويات الأجور وساعات العمل وخصائص القطاع غير المنظم «غير الرسمي».

وذكر عثمان أن المسح سيتيح قياس معدل البطالة العام، والعجز عن العمل، والعمالة الناقصة المرتبطة بساعات العمل، كما سيساعد على التمييز بين الباحث النشط عن فرصة عمل، أي العاطل فعلياً، وضعيف المشاركة أو المحبط، من خلال الأسئلة التفصيلية التي تجمعها الفرق الميدانية إلكترونياً.

وتكمن أهمية هذا التمييز، وفق عثمان، في تحديد طبيعة التدخل المطلوب لكل فئة، إذ يحتاج الباحث النشط عن عمل إلى فرص تشغيل، فيما تتطلب حالات ضعف المشاركة أو الإحباط سياسات للتحفيز وإعادة الإدماج والتأهيل المهني.

وفيما يتعلق بالمعايير الدولية، أوضح عثمان أن اعتماد معايير مؤتمر إحصائيي العمل «ICLS-21» التابع لمنظمة العمل الدولية يعني تطبيق أحدث المفاهيم المعتمدة في تصنيف حالات العمل والبطالة والأنشطة الإنتاجية.

وتساعد هذه المعايير، بحسب عثمان، على الفصل بين العمل المأجور لغرض الكسب وأشكال العمل الأخرى، وتوفير مؤشرات موحدة قابلة للمقارنة على المستويين الإقليمي والدولي.

وتسعى هيئة التخطيط والإحصاء إلى مأسسة المسح وتنفيذه سنوياً وفق المعايير الدولية، بما يوفر بيانات دورية عن المتغيرات التي يشهدها سوق العمل.

بيانات لتحديد أولويات التشغيل

يغطي المسح الميداني للأسر جانب عرض قوة العمل، ويكشف مستويات التأهيل التعليمي وتخصصات الباحثين عن عمل والمشتغلين، فيما تحتاج دراسة العلاقة بين مخرجات التعليم والتدريب واحتياجات الاقتصاد إلى قياس جانب الطلب أيضاً.

وأشار عثمان إلى أن الهيئة تأمل في خطوات لاحقة تنفيذ مسح للطلب على قوة العمل لدى المؤسسات وقطاعات الأعمال، بما يسمح بدمج نتائج مسحي العرض والطلب وتحديد الاختصاصات التي تشهد فائضاً أو نقصاً بصورة أدق.

ومن المقرر أن تشكل البيانات المستخلصة من الأسر المستهدفة قاعدة للاستفادة منها في إعداد الخطة التنموية وتحديد قطاعات النمو، بالتنسيق مع الجهات المعنية، ولا سيما وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، المشاركة في اللجان التوجيهية والفنية للمسح.

ووفق عثمان، ستستخدم النتائج الأولية في الانتقال من الخطط العامة إلى برامج أكثر توجيهاً، فيما يسمح التوزيع الجغرافي للعينة بتحديد المناطق الأكثر حاجة إلى برامج التشغيل والمشاريع الصغيرة والتدريب المهني.

وتعتزم الهيئة، بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والجهات المعنية، الاستفادة من نتائج المسح في مجالات الترخيص والتمويل وتوجيه دعم الشركاء الدوليين وفق احتياجات المناطق.

البيانات وحدها لا تخفض البطالة

ويرى الخبير الاقتصادي أدهم قضيماتي أن الأهمية الاقتصادية لمسح القوى العاملة تكمن في قدرته على تقديم صورة عن حجم الموارد البشرية المتاحة للاقتصاد السوري وقدراتها ومستوى مشاركتها في عملية التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

وأوضح قضيماتي لـ«الثورة السورية» أن سوق العمل في سوريا يواجه مجموعة من الصعوبات المتداخلة، تشمل البطالة وتراجع النشاط الإنتاجي وتضرر المنشآت الصناعية والبنية التحتية وهجرة نسبة من الكفاءات، إضافة إلى ضعف أجور الكفاءات الموجودة داخل البلاد وما يسببه ذلك من تشجيع على الهجرة.

وأضاف أن ضعف الأجور واتساع أنماط العمل غير المنظم وغياب هيكلية فعلية للضمان الاجتماعي عوامل تزيد صعوبة معالجة البطالة.

وأشار قضيماتي إلى أن غياب البيانات الحديثة والدقيقة عن التشغيل والبطالة يجعل السياسات الاقتصادية عرضة للاعتماد على مؤشرات قديمة أو جزئية أو مغلوطة لا تعكس التحولات التي شهدها سوق العمل بعد التحرير.

وقد يؤدي ذلك، وفق قضيماتي، إلى صعوبة تقدير حجم التمويل المطلوب لبرامج التشغيل والتدريب وتحديد الفئات الأكثر حاجة إليها، ما يقلل قدرة هذه البرامج على تحقيق النتائج المطلوبة.

ولرسم صورة أكثر دقة عن سوق العمل، يرى قضيماتي أهمية قياس معدل التشغيل الذي يوضح نسبة السكان في سن العمل ممن لديهم وظائف، ومعدل المشاركة الاقتصادية الذي يقيس نسبة السكان في سن العمل ممن يعملون أو يبحثون عن عمل.

وأشار أيضاً إلى أهمية مؤشر العمل غير الكافي، الذي يشمل العاملين الراغبين في الحصول على ساعات عمل إضافية والقادرين على العمل خلالها لكن الأجور تشكل عائقاً أمامهم، إلى جانب قياس متوسط الأجور وتوزعها وعدد ساعات العمل وانتظام دفع الرواتب وقدرتها الشرائية.

وتدخل في تحليل واقع البطالة، بحسب قضيماتي، عوامل اقتصادية أخرى، منها أسعار الطاقة وانعكاساتها على تكاليف الإنتاج والأسعار والمبيعات والتمويل، ومدى قدرة المنشآت على خلق وظائف جديدة، إلى جانب الأجور والتضخم واختلاف فرص العمل بحسب النشاط الاقتصادي ومستوى البنية التحتية في المناطق.

وأوضح أن معدل البطالة يقدم مؤشراً إجمالياً، فيما يحتاج فهم أسباب البطالة إلى تحليل توزيعها على الفئات السكانية والقطاعات الاقتصادية، مؤكداً أن قياس عدد العاطلين عن العمل وحده لا يقدم صورة كاملة عن أزمة التشغيل وأشكال ضعف الاستفادة من القوى العاملة.

ولا يخفض مسح القوى العاملة البطالة بصورة مباشرة، وفق قضيماتي، لكنه يوفر البيانات التي يمكن بناء سياسات تشغيل أكثر دقة وفاعلية على أساسها، فيما تتوقف النتائج على تحويل هذه البيانات إلى برامج ممولة بأهداف ومؤشرات قابلة للقياس.

ويرى قضيماتي أن ذلك يتطلب إعداد خطة وطنية للتشغيل مرتبطة بنتائج المسح، تحدد الأهداف وفق القطاع والمحافظة والفئة المستهدفة، والجهات المسؤولة عن التنفيذ ومصادر التمويل وآليات المتابعة.

كما حدد مجموعة من البيانات التي ينبغي ربطها بنتائج المسح لتكوين صورة أكثر اكتمالاً عن احتياجات سوق العمل السوري، تشمل حجم الاستثمار الفعلي والإنتاج والطاقة التشغيلية للمنشآت، ومستوى التعليم والتدريب المهني، إلى جانب بيانات السكان والهجرة والعودة.

وتمنح نتائج المسح، عند اكتمالها، الجهات المعنية قاعدة أوسع لتحديد حجم مشكلات سوق العمل وتوزعها، فيما سيعتمد أثرها الفعلي على كيفية ترجمة المؤشرات إلى سياسات وبرامج تشغيل تستهدف الفئات والمناطق والقطاعات الأكثر حاجة.

رغد خضور

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار