السندات الدولية.. اختبار الجدارة الائتمانية للاقتصاد السوري

زمن القراءة: 13 دقائق

تتجه سوريا نحو اختبار خيارات تمويلية جديدة لدعم التعافي وإعادة الإعمار، مع بحث إصدار سندات في أسواق الدين الدولية خلال العام المقبل. ويضع هذا التوجه الجدارة الائتمانية للبلاد أمام اختبار يرتبط بقدرتها على معالجة الالتزامات السابقة، واستعادة ثقة المستثمرين، وتوفير شروط مالية تسمح بالاقتراض بتكلفة قابلة للتحمل، مع ضمان توجيه التمويل نحو مشروعات إنتاجية ترفد الاقتصاد بإيرادات تساعد على سداد الديون.

وتُعدّ السندات السيادية إحدى أدوات الاقتراض التي تستخدمها الحكومات لتوفير التمويل من المستثمرين، إذ تطرح بموجبها أوراقاً مالية مقابل التزام بسداد قيمتها الأصلية في آجال محددة، إضافة إلى الفوائد المتفق عليها. ويتيح إصدارها في أسواق الدين الدولية الوصول إلى قاعدة أوسع من المستثمرين والمصارف العالمية، بما يوفر مصدراً إضافياً لتمويل الموازنة أو المشروعات الاستثمارية، وفق شروط الإصدار وحجم الطلب عليه.

وتتحدد تكلفة هذا التمويل وفق مجموعة من العوامل، أبرزها الجدارة الائتمانية للدولة، ومستوى المخاطر الاقتصادية والسياسية، وسعر الفائدة السائد عالمياً، وآجال السداد والعملة التي تصدر بها السندات. وكلما ارتفعت المخاطر التي يقدّرها المستثمرون، ارتفع العائد الذي يطلبونه مقابل إقراض الدولة، ما يجعل القدرة على السداد وشفافية البيانات المالية واستقرار السياسات الاقتصادية عناصر أساسية في تحديد شروط الاقتراض.

وكان وزير المالية محمد يسر برنية، كشف عن مباحثات مع مؤسسات مالية ومصارف دولية لتنفيذ طرح خاص في أسواق الدين الدولية، مرجحاً أن يتم ذلك خلال العام المقبل.

وقال برنية، في تصريحات على هامش اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، إن الطرح المحتمل سيسهم في بناء الجدارة الائتمانية لسوريا تدريجياً، مؤكداً أنه لمس تفهماً كبيراً من البنوك الدولية، لا سيما المصارف الأميركية الكبرى، خلال المناقشات.

إعادة بناء العلاقات المالية

ورأى المحلل الاقتصادي شادي سليمان، أن الحديث عن إمكانية إصدار سوريا سندات في أسواق الدين الدولية، يشكل مؤشراً مهماً على توجهات السياسة المالية خلال المرحلة المقبلة، في ظل المساعي الرامية إلى إعادة بناء العلاقات المالية مع الخارج، ومعالجة الالتزامات السابقة، وتهيئة الظروف اللازمة لاستعادة الوصول إلى مصادر التمويل الدولية.

وأشار سليمان، في حديثه لصحيفة «الثورة السورية»، إلى أن هذه الخطوة تكتسب أهمية خاصة في حال تسوية المتأخرات المستحقة لبعض الجهات، إذ تمثل معالجة هذه الالتزامات إحدى الركائز الأساسية لتحسين الوضع المالي خارجياً، وتعزيز المصداقية الائتمانية، وفتح المجال أمام خيارات تمويلية جديدة تدعم احتياجات الاقتصاد الوطني.

وأوضح أن إصدار السندات في أسواق الدين الدولية يُعدّ إحدى الأدوات التي تلجأ إليها الحكومات لتوفير التمويل اللازم لتغطية احتياجاتها المالية، وتمويل المشروعات الاستثمارية، وإدارة استحقاقات الديون. وتقوم هذه الأداة على طرح أوراق مالية للمستثمرين، مقابل التزام الدولة بسداد أصل المبلغ والفوائد وفق شروط وآجال محددة.

من جانبه، أبدى الخبير المالي والمصرفي الدكتور فراس شعبو، استغرابه من توجه الحكومة نحو الاقتراض، معتبراً أن السندات تظل شكلاً من أشكال الدين، سواء كانت داخلية أم خارجية.

وقال شعبو لصحيفة «الثورة السورية» إن إصدار السندات يخضع لاعتبارات متعددة، ولا يرتبط بالرغبة في الاقتراض وحدها. فعند طرح سندات دولية، يجب أن يكون سعر الفائدة جاذباً للمستثمرين الراغبين في شرائها. أما الاعتبار الثاني، فيتعلق بالتصنيف الائتماني للدولة المصدرة، مشيراً إلى أن سوريا لا تملك تصنيفاً ائتمانياً، والمخاطر المرتبطة بها مرتفعة جداً، ما قد يرفع أسعار الفائدة التي يطلبها المستثمرون.

لكن عند تناول المسألة بموضوعية، وفق شعبو، فإن إصدار السندات يتيح توفير التمويل والسيولة اللازمة للاستثمارات وإعادة الإعمار وتطوير البنى التحتية، مشيراً إلى أن التعاقد الفعلي على إصدار هذه السندات سيعني استعادة الثقة بالاقتصاد السوري.

أما المحلل الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم، فاعتبر أن دراسة إصدار سندات في أسواق الدين الدولية خطوة مهمة من حيث الرسالة والاتجاه، لكنها لا تزال في مرحلة النية والاستكشاف، ولم تتحول بعد إلى قرار تمويلي قابل للتنفيذ في المدى القريب.

وأضاف عبد الكريم، في حديثه لصحيفة «الثورة السورية»، أن القيمة الحقيقية للإصدار الأول تكمن في إنشاء ما يُسمى «منحنى العائد السيادي»، أي سعر مرجعي يوضح تكلفة اقتراض الدولة لآجال مختلفة، تستند إليه المصارف والشركات السورية لاحقاً في تسعير اقتراضها الخارجي.

ولفت إلى أن الإصدار يتيح مصدراً للتمويل خارج إطار المنح والقروض الميسرة المرتبطة بقرارات المانحين، ويخضع الدولة لانضباط السوق، إذ يتابع المستثمرون المؤشرات المالية باستمرار ويعيدون تسعير المخاطر مع كل تطور. غير أن تحقيق هذه المكاسب يظل مشروطاً بطرح السندات بكلفة محتملة، وتوجيه حصيلتها إلى مشروعات قادرة على توليد إيرادات تساعد على السداد.

مؤشرات الجاهزية

ولا تزال مؤشرات الجاهزية لطرح سندوات دولية والقدرة على السداد محدودة، وفق عبد الكريم، إذ قدّرت موازنة عام 2026 الإيرادات العامة بنحو 8.7 مليارات دولار، والنفقات بنحو 10.5 مليارات دولار، أي بعجز مخطط يقارب 1.8 مليار دولار. وفي النصف الأول من العام، بلغت الإيرادات الفعلية نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق بنحو 3.7 مليارات دولار، ما أسفر عن عجز بنحو مليار دولار، قالت الوزارة إنها غطته بتمويل استثماري قصير الأجل يستحق السداد خلال عام.

وأشار إلى أن الرواتب والأجور استحوذت على 36 بالمئة من الإنفاق، بقيمة 1.34 مليار دولار، ما يعني أن جزءاً كبيراً من النفقات يتسم بالجمود ويصعب خفضه. ويُعد مستوى الإيرادات الضريبية من أبرز المؤشرات على القدرة على السداد، إذ لا تتجاوز 3.5 بالمئة من الناتج المحلي، وفق تصريح وزير المالية في أيار الماضي، وهي نسبة متدنية جداً بالمقاييس الدولية.

ويضاف إلى ذلك أن سوريا لا تزال مدرجة على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي، التي تضم الدول الخاضعة لرقابة معززة بسبب وجود ثغرات في أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ما يزيد تحفظ المستثمرين والمصارف الدولية. كما أشار صندوق النقد الدولي إلى وجود فجوات كبيرة في توفر البيانات الاقتصادية وجودتها، وهي بيانات يحتاج إليها المستثمر لتقدير المخاطر، فيما لا تملك سوريا حتى الآن تصنيفاً ائتمانياً سيادياً منشوراً.

من جهته، رأى سليمان أن الانتقال بهذا التوجه من مرحلة التصريحات إلى التنفيذ الفعلي قد يشكّل تطوراً مهماً في مسار إعادة الاندماج المالي مع الاقتصاد العالمي. لكن دخول أسواق الدين الدولية يتطلب توفر مجموعة من الشروط، أبرزها وضوح الإطار المالي للدولة، والقدرة على إدارة الدين العام، وتحسين الشفافية والإفصاح، وتوفير بيانات اقتصادية موثوقة، إلى جانب مراعاة تقييم المستثمرين للمخاطر السياسية والاقتصادية والمالية.

وأضاف سليمان أن المتأخرات المالية المستحقة للدول الدائنة والمؤسسات الدولية تُعدّ من أبرز الملفات المؤثرة في قدرة الدول على استعادة علاقاتها التمويلية مع الأسواق الخارجية. ولفت إلى أن إحراز سوريا تقدماً في تسوية هذه الالتزامات من شأنه أن يحسّن صورتها المالية، ويسهّل الحوار مع الدائنين، ويعزز فرص التعاون مع المؤسسات المالية الدولية.

وتمتد أهمية تسوية المتأخرات إلى تهيئة بيئة أكثر ملاءمة للحصول على التمويل، سواء عبر الاتفاقيات الثنائية، أو برامج الدعم المالي والفني، أو أدوات الاقتراض المتاحة في الأسواق الدولية، بحسب سليمان، الذي يربط انعكاس هذا التقدم على فرص التمويل الجديدة بطبيعة التسويات التي تم التوصل إليها، وحجم الالتزامات المتبقية، ومدى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية مستقبلاً.

تقدم ملموس في مسارين

واعتبر شعبو أن تصريح وزير المالية يعكس استعداداً لتهيئة الظروف اللازمة للعودة إلى أسواق المال الدولية، في ظل مباحثات جارية بشأن إصدار هذا النوع من السندات.

وفي السياق ذاته، أكد عبد الكريم أن التقدم الذي أعلنه وزير المالية حقيقي، لكن طبيعته تستدعي التمييز بين التقدم التفاوضي والمؤسسي والإنجازات المكتملة والموثقة. وأوضح أن الإنجاز المكتمل حتى الآن يتمثل في استعادة العلاقات مع البنك الدولي، فيما لم تُعلن بعد اتفاقات تسوية ملزمة مع بقية الدائنين تتضمن أرقاماً وشروطاً محددة.

وأشار إلى أن الإنجاز الموثق يتمثل في سداد السعودية وقطر المتأخرات المستحقة على سوريا لمجموعة البنك الدولي، والبالغة نحو 15 مليون دولار. ورغم أن المبلغ محدود مقارنة بحجم الديون، فإن أثر التسوية كبير، إذ أزالت العائق القانوني أمام عودة سوريا إلى التعامل مع البنك بعد انقطاع دام أكثر من أربعة عشر عاماً. ولفت إلى أن هذه التسوية لم تُموّل من الخزينة السورية، بل من دولتين داعمتين.

وتبع ذلك توفير تمويل فعلي، إذ تقول وزارة المالية إن سوريا حصلت على منح بقيمة 493 مليون دولار من المؤسسة الدولية للتنمية، وهي ذراع البنك الدولي المخصصة لتقديم المنح والقروض شديدة التيسير للدول منخفضة الدخل. وتشمل هذه المنح قطاعات الكهرباء والصحة والمياه والقطاع المالي والمالية العامة والتعليم.

كما أعلن وزير المالية أن مراجعة البنك الدولي لإجراءات سوريا في مجال استدامة الدين وشفافيته جاءت مرضية، ما يفتح الباب أمام تخصيص تحفيزي وزيادة المنح في السنة المالية 2027. ومع ذلك، لم تُنشر بيانات تفصيلية تميّز بين المبالغ الموقّعة وتلك التي صُرفت فعلياً على الأرض.

ورأى عبد الكريم أن ما تحقق يستحق وصفه بالتقدم الملموس على مسارين: الأول استعادة العلاقة مع البنك الدولي والحصول على تمويل فعلي منه، والثاني فتح مسارات تفاوض جادة مع المؤسسات العربية والإسلامية وبعض الدول الدائنة.

أما وصف ما تحقق بأنه تسوية للديون، فيرى أنه سابق لأوانه، إذ لم تُعلن حتى الآن اتفاقات ملزمة مع بقية الدائنين تتضمن أرقاماً وشروطاً محددة. ويتطلب التقييم النهائي للأثر المالي الإفصاح عن قيمة كل التزام، وشروط تسويته، وكلفته على الموازنة، ومواعيد سداده.

وأشار عبد الكريم إلى أن التسلسل الاقتصادي السليم يقتضي حسم ملف الديون القديمة بشفافية قبل إنشاء التزامات دولية جديدة، بما يسهم في خفض كلفة الاقتراض لاحقاً، ويحمي المالية العامة من تراكم أعباء متداخلة.

تكلفة الاقتراض

وأوضح المحلل الاقتصادي سليمان أن تكلفة الاقتراض ستتأثر بمستوى المخاطر التي يقدّرها المستثمرون، والتطورات النقدية العالمية، ومدى الثقة بقدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها في مواعيدها المحددة.

وينطوي إصدار السندات الدولية على التزامات طويلة الأجل تستلزم إدارة دقيقة للتكاليف والمخاطر، بحسب سليمان. فالاقتراض بفوائد مرتفعة قد يزيد أعباء الموازنة العامة، فيما يرفع الاقتراض بالعملات الأجنبية مخاطر الدين في حال عدم توافر إيرادات كافية بالعملة ذاتها لتغطية خدمة الدين.

وأشار شعبو إلى أن أعراف الأسواق تقضي بأن ارتفاع المخاطر يقابله ارتفاع في الفوائد والعوائد، مضيفاً أن المستثمر قد يفضّل شراء سندات أميركية بفائدة تبلغ 5 بالمئة، بدلاً من الاستثمار في سندات سورية تنطوي على مخاطر مرتفعة وتتطلب عوائد أكبر.

توظيف التمويل

ولفت شعبو إلى أن هذه السندات توفر السيولة، لكنها تنشئ التزاماً بسداد أصل المبلغ والفوائد بعد فترة زمنية محددة. وحذّر من أن توظيف هذه التمويلات في النفقات التشغيلية قد يؤدي إلى عواقب، مشيراً إلى أن سوريا قد تواجه مساراً مشابهاً لما حدث في مصر ولبنان، حيث تراكمت الديون تحت مبرر تمويل الاستثمارات.

وشدد على ضرورة توجيه حصيلة الاقتراض نحو أنشطة استثمارية، بدلاً من استخدامها في النفقات التشغيلية، محذراً من أن مخالفة ذلك قد تشكل خطراً على الاقتصاد السوري، الذي وصفه بالضعيف أساساً.

واعتبر سليمان أن نجاح أي إصدار محتمل يتوقف على تحديد الغرض من الاقتراض، وحجم التمويل المطلوب، وآجال الاستحقاق، وتكلفة الفائدة، ومصادر السداد، ومدى توافق هذه العناصر مع قدرة المالية العامة على تحمّل الالتزامات الجديدة. وفي هذا السياق، تبرز أهمية توجيه حصيلة السندات إلى استثمارات منتجة تسهم في زيادة الإيرادات وتعزيز النمو، بدلاً من استخدامها لتغطية النفقات الجارية أو سداد التزامات سابقة دون معالجة الاختلالات المالية الأساسية.

وشدد سليمان على أن نجاح سوريا في العودة إلى أسواق الدين الدولية يرتبط بقدرتها على الحصول على تمويل بشروط قابلة للتحمل، وتوظيفه في دعم النمو الاقتصادي، والحد من تراكم أعباء مالية جديدة قد تعيق مسار التعافي مستقبلاً.

ميساء العلي

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار