سعر الليرة السورية.. خبراء يحددون 5 ركائز للوصول إلى سوق صرف مستقر ‏

زمن القراءة: 8 دقائق

يربط خبراء اقتصاديون استقرار الليرة السورية بزيادة الإنتاج والصادرات وتوفير القطع ‌‏الأجنبي، إلى جانب ضبط السيولة والتضخم وإصلاح القطاع المصرفي، مؤكدين أن ‌‏ضبط سعر الصرف وحده لا يكفي ما لم يستند إلى اقتصاد منتج وثقة بالقنوات المالية ‌‏الرسمية.‏
‏ ‏ويحدد خبراء في حديث لـ”سانا” خمسة مرتكزات مترابطة للاستقرار النقدي تشمل، زيادة ‌‏الإنتاج والصادرات، وضبط التضخم والكتلة النقدية، وتنظيم سوق الصرف، وتفعيل ‌‏المصارف وقنوات الحوالات، وتحسين بيئة الاستثمار.‏

‏‏فجوات الإنتاج والتجارة.. ضغوط تتجاوز سعر الصرف

‏يرى المستشار الاقتصادي الدكتور زياد أيوب عربش أن استقرار سعر الليرة بصورة ‌‏مستدامة يتطلب معالجة ثلاث فجوات هيكلية، وهي عجز الميزان التجاري واتساع الفرق ‌‏بين الاستيراد والتصدير، وضغوط عجز الموازنة العامة، والتباعد بين القدرة الشرائية ‌‏للمواطنين والأسعار.‏
‏وأوضح عربش أن سعر صرف الدولار في السوق الموازية شهد ارتفاعاً قارب مستوى ‌‏‌‏140 ليرة سورية، بعد أن كان دون هذا المستوى قبل رفع أسعار المحروقات، في حين ‌‏ظل السعر المعلن لمصرف سوريا المركزي أدنى من أسعار السوق، ما يعكس استمرار ‌‏الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي.‏
‏ ‏وحذر من أن ارتفاع تكاليف الطاقة ومدخلات الإنتاج، مع تراجع القوة الشرائية، يعزز ‌‏الإقبال على الدولار للتحوط من انخفاض قيمة المدخرات، وأن تحسن سعر الصرف قد ‌‏يبقى مؤقتاً إذا لم ينعكس على الإنتاج والصادرات والحوالات.‏
‏ودعا عربش إلى تمويل الإنتاج بقروض بلا فوائد أو بفوائد رمزية، وفق مؤشرات قابلة ‌‏للقياس تشمل زيادة الإنتاج والتوظيف وخفض استهلاك الطاقة، مع دعم المشروعات ‌‏الصغيرة والمتوسطة والمنح والقروض الميسرة.‏
‏ ‏كما شدد على ترشيد الاستيراد وفق الأولويات الاقتصادية، ودعم المنشآت المنتجة للسلع ‌‏البديلة للمستوردات، وتأمين الطاقة محلياً أو بتكاليف أقل، وتنويع الصادرات وربط ‌‏التمويل بنتائج إنتاجية واضحة، إلى جانب معالجة البيروقراطية وتوفير بيئة قانونية ‌‏مستقرة للاستثمار.‏
ويتقاطع ذلك مع ما يطرحه أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة ‌‏الدكتور عبد الرحمن محمد، الذي يضع قاعدة إنتاجية تقلص الاستيراد وتوفر القطع ‌‏الأجنبي ضمن ثلاثة شروط أساسية للاستقرار النقدي، إلى جانب احتياطي أجنبي كافٍ ‌‏يتيح للمصرف المركزي مواجهة التقلبات، واستقرار سياسي وأمني يعزز الثقة بالليرة.‏
‏ويرى محمد أن التحسن الظرفي لا يصبح مستداماً ما لم يتحول إلى عوامل هيكلية، إذ قد ‌‏تدعم الحوالات الموسمية السوق مؤقتاً، بينما يستمر الضغط مع ضعف الإنتاج وشح ‌‏الدولار وتراجع الاحتياطيات.‏

‏سيولة أكثر أم تضخم أكبر؟ معادلة ضبط النقد

‏ ‏يعزو الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، تقلبات الصرف إلى ‌‏عوامل اقتصادية وهيكلية وسياسية وجيوسياسية تؤثر في عرض القطع الأجنبي والطلب ‌‏عليه.‏
‏ ‏وبيّن أن ارتفاع فاتورة المستوردات، ولا سيما المشتقات النفطية والطاقة والمواد الأولية ‌‏ومستلزمات الإنتاج، يولد طلباً مستمراً على الدولار، فيما يضعف اتساع الفجوة بين ‌‏السعر الرسمي والموازي فاعلية القنوات الرسمية، وقد يدفع إلى تصريف العملات ‌‏والحوالات خارجها.‏
‏ ‏وأشار قوشجي إلى أن ضعف الثقة بالقطاع المصرفي وتذبذب السيولة يشجعان الاحتفاظ ‌‏بالدولار أو السلع للتحوط، بينما تؤثر المضاربات والشائعات والتطورات السياسية ‌‏والاقتصادية قصيرة الأجل في الأسعار.‏
‏ ‏ودعا إلى إعادة النظر في سياسة تقييد السيولة، بما يحقق التوازن بين المعروض النقدي ‌‏والطلب عليه، وتمكين المصارف التجارية من شراء العملات الأجنبية وبيعها ضمن إطار ‌‏تنظيمي واضح لجذب الحوالات وعائدات التصدير.‏
‏ ‏كما شدد قوشجي على التوجه نحو تحرير موجه لسعر الصرف بعد تهيئة الظروف النقدية ‌‏والمصرفية، بما يساعد المصارف على استقطاب الودائع بالليرة والدولار وتلبية ‌‏احتياجات المتعاملين.‏
‏ ‏وأوضح أن تمويل الرواتب أو عجز الموازنة بالتوسع النقدي، من دون نمو إنتاجي مقابل، ‌‏يزيد المعروض من الليرة والضغط على سعر الصرف.‏
‏ ‏من جهته، يؤكد الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل أن استقرار الليرة يحتاج إلى ‌‏توازن فعلي بين عرض القطع الأجنبي والطلب عليه، وضبط التضخم والسيولة وزيادة ‌‏الإنتاج والصادرات، محذراً من زيادة الكتلة النقدية دون نمو إنتاجي يقابلها.‏

وفي هذا السياق يدعو أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور ‌‏عبد الرحمن محمد‏ إلى ضبط الكتلة النقدية والامتناع عن تمويل العجز الحكومي نقدياً، ‌‏وتنظيم سوق الصرف وتوحيد مرجعية الأسعار تدريجياً، وتقليص الاعتماد على الاستيراد ‌‏وتعزيز المعروض المحلي.‏

‏الحوالات والصادرات والاستثمار.. 3 روافد لتدفق القطع الأجنبي

‏ ‏لفت محمد إلى أن استقرار الليرة يمكن أن يستمر إذا دعمته تدفقات فعلية من الحوالات ‌‏والاستثمارات والصادرات، موضحاً أن مرور هذه التدفقات عبر المصارف والقنوات ‌‏الرسمية يعزز قدرة المصرف المركزي على إدارة سوق الصرف.‏
‏وأشار إلى أن الحوالات مصدر مهم للعملات الأجنبية رغم تأثرها بالموسمية والظروف ‌‏الإقليمية، بينما تستطيع الصادرات توفير تدفقات أكثر استدامة مع توسيع الإنتاج وتحسين ‌‏الوصول إلى الأسواق.‏
‏بدوره، دعا المغربل إلى تطوير البنوك المراسلة والمدفوعات والقنوات الرسمية ‌‏للحوالات، وتقليص الفجوة بين السوقين الرسمية والموازية، محدداً أبرز المخاطر في ‌‏ارتفاع فاتورة الاستيراد والطاقة، وضعف الإنتاج والصادرات، وعودة التضخم، وزيادة ‌‏السيولة دون غطاء إنتاجي، وتراجع تدفقات القطع الأجنبي والثقة.‏
‏وفي السياق نفسه، شدد قوشجي على ضرورة تشجيع السوريين في الخارج على استثمار ‌‏مدخراتهم في مشروعات تنموية، بما يتجاوز الاقتصار على الحوالات الاستهلاكية، ‌‏وربط جذب العملات الأجنبية بزيادة الإنتاج وعائدات التصدير.‏

‏‏المصارف والحوالات.. نحو استعادة الثقة وتوسيع القنوات الرسمية

يرى عربش أن تنشيط الإقراض وإصلاح المصارف وتطوير المدفوعات الإلكترونية، ‌‏إلى جانب توفير قنوات آمنة للحوالات، عناصر مترابطة لدعم استقرار الليرة، مشدداً على ‌‏ضرورة توفير بيئة قانونية مستقرة للاستثمار.‏
‏ودعا قوشجي إلى تمكين المصارف التجارية من شراء العملات الأجنبية وبيعها ضمن ‌‏إطار تنظيمي واضح، بما يساعد على جذب الحوالات وعائدات التصدير واستقطاب ‌‏الودائع بالليرة والدولار وتلبية احتياجات المتعاملين.‏
أما محمد، فأوضح أن إعادة هيكلة المصارف وتفعيل البنوك المراسلة وتنظيم الائتمان ‌‏والمدفوعات الإلكترونية توسع التعاملات الرسمية وتحد من السوق الموازية، لكن آثار ‌‏هذه الإجراءات تحتاج إلى وقت للظهور.‏
‏ ‏‏تشمل الخطوات الرسمية الرامية إلى تطوير القطاع المالي إحداث سوق دمشق للعملات ‌‏الأجنبية والذهب، ومشروع تحديث القطاع المالي، والتعاون مع مؤسسات مصرفية دولية.‏
‏ ‏وفي حزيران 2026، أتاح مصرف سوريا المركزي للمستفيدين اختيار تسلم الحوالات ‌‏الواردة عبر شركات التحويل العالمية بالليرة أو بالقطع الأجنبي وفق رغبتهم والإمكانات ‌‏المتاحة لدى الجهة المسلمة، قبل أن يعلن الحاكم محمد صفوت رسلان في 27 أيلول ‌‏توجه المصرف إلى طلب تسليم الحوالات بالقطع الأجنبي حصراً.‏
‏ ‏كما توقع رسلان دخول رؤوس أموال أجنبية تتجاوز مليار دولار لتأسيس مصارف ‌‏جديدة، مشيراً إلى اهتمام سبعة وفود أبدت رغبتها في تأسيس مصارف في سوريا، وأن ‌‏استكمال الإجراءات سيبدأ وفق القوانين الناظمة.‏
‏ ‏ويخلص الخبراء إلى أن استقرار الليرة السورية يرتبط بقدرة السياسات النقدية والمالية ‌‏على خفض الضغوط التضخمية، وتوسيع تدفقات القطع الأجنبي عبر القنوات الرسمية، ‌‏وتحويل التمويل إلى إنتاج وصادرات وفرص عمل.‏

المصدر: سانا

آخر الأخبار