يمثل تنفيذ أول اعتماد مستندي في سوريا منذ 14 عاماً لتمويل صفقة توريد مشتقات نفطية من شركة أرامكو للتجارة، الذراع التجارية لشركة «أرامكو» السعودية، خطوة في مسار إعادة تفعيل القنوات المصرفية الرسمية لتمويل التجارة الخارجية. وتكتسب هذه الخطوة أهمية من ارتباطها بتأمين مستوردات استراتيجية عبر ترتيبات مصرفية منظمة، فيما يبقى تحويلها إلى آلية مستدامة رهناً بقدرة المصارف السورية على تكرار هذه العمليات وتوسيع نطاقها. ويتطلب ذلك توافر القطع الأجنبي، وإمكانية الوصول إلى التسهيلات الائتمانية، وتطوير العلاقات مع المصارف الدولية، بما يتيح تنفيذ عمليات استيراد متتالية بشروط تمويلية مقبولة.
والاعتماد المستندي هو تعهّد مصرفي يصدر بناء على طلب المستورد، يلتزم بموجبه المصرف بالدفع للمورّد عند تقديم المستندات المحددة في الاعتماد ومطابقتها لشروطه. ويُستخدم في التجارة الدولية لتنظيم عمليات الدفع والحد من مخاطر عدم السداد، مع بقاء التزام المصرف مرتبطاً بالمستندات، لا بفحص البضائع أو ضمان جودتها. ويُعد الاعتماد أداة لتنظيم الدفع وضمانه وفق شروط محددة، لكنه لا يعني تلقائياً أن المصرف منح المستورد قرضاً أو وفّر له تمويلاً جديداً؛ إذ يتوقف ذلك على شروط الاعتماد والترتيبات الائتمانية المصاحبة له. وتخضع الاعتمادات للقواعد والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية الصادرة عن غرفة التجارة الدولية (UCP 600) عندما ينص الاعتماد على تطبيقها.
وأعلن مصرف سوريا المركزي تنفيذ أول اعتماد مستندي لصالح الشركة السورية للبترول، بالتنسيق مع أحد المصارف الأمريكية الكبرى، لتمويل توريد منتجات نفطية، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ 14 عاماً.
وقال المصرف في بيان، الأحد، إن أول صفقة لتوريد المنتجات النفطية بين الشركة السورية للبترول وشركة “أرامكو” السعودية أُبرمت في إطار توسيع نطاق التعاملات التجارية المدعومة بالقنوات المصرفية الرسمية، بما يفتح مساراً جديداً لتأمين الإمدادات النفطية إلى سوريا عبر ترتيبات تجارية ومصرفية مباشرة.
وأضاف أن تنفيذ الاعتماد المستندي يمثل خطوة لترجمة الاتفاق إلى مسار عملي، إذ يوفر الأداة المصرفية اللازمة لتنفيذ الصفقة، ويؤسس لآلية تمويل وتسوية للتجارة المرتبطة بتوريد المنتجات النفطية.
وأوضح المصرف أن أهمية هذه الخطوة تتجاوز الصفقة ذاتها، لارتباطها بتهيئة القنوات المصرفية اللازمة لتمويل التجارة الاستراتيجية، وتنسيق الإجراءات المستندية مع الأطراف المعنية، بما يدعم انتظام الإمدادات النفطية ويعزز موثوقية تنفيذ العمليات التجارية عبر النظام المصرفي الرسمي.
وأشار إلى أنه يعمل بالتنسيق مع الشركة السورية للبترول على تطوير الترتيبات المالية والمستندية اللازمة لتيسير عمليات التوريد، بما يدعم استمرارية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية، ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة مشترياتها الاستراتيجية عبر قنوات مصرفية منظمة.
وتأتي هذه الخطوة بعد مباحثات أجراها وفد مصرف سوريا المركزي، برئاسة الحاكم صفوت رسلان، مع البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نيويورك، في 5 تشرين الأول الجاري، تناولت الملفات العملية للعلاقة المصرفية بين الجانبين، وفي مقدمتها حالات استخدام حساب المصرف المركزي السوري لدى البنك.
من جهتها، أكدت الشركة السورية للبترول أن تنفيذ أول اعتماد مستندي عبر مصرف سوريا المركزي لتوريد مشتقات نفطية من شركة أرامكو للتجارة، الذراع التجارية لأرامكو السعودية، يمثل خطوة مهمة لتعزيز آليات تمويل التوريدات النفطية وفتح مسارات أكثر فاعلية للتعاملات التجارية.
وذكرت الشركة، في بيان نشرته الأحد، أن فتح الاعتماد بالتنسيق مع أحد المصارف الأمريكية الكبرى يشكل خطوة متقدمة في تفعيل القنوات المصرفية الرسمية اللازمة لتنفيذ عمليات توريد المشتقات النفطية، وتعزيز موثوقية الإجراءات المالية والمستندية المرتبطة بها.
وأشارت إلى أن هذه الخطوة تعزز قدرة الشركة على إدارة مشترياتها الاستراتيجية عبر أدوات مصرفية منظمة، وتدعم تطوير آليات تمويل التوريدات بما يسهم في تأمين احتياجات السوق المحلية من المشتقات النفطية.
دلالات مصرفية
وفي قراءة للدلالات المالية والمصرفية لهذه الخطوة، يوضح الخبير المالي والاقتصادي وكبير مديري المحافظ الخاصة في شركة وثيق المالية، يوسف قسنطيني، لصحيفة «الثورة السورية»، أن تنفيذ الاعتماد المستندي يكتسب أهميته من ارتباطه بإمكانية إعادة تفعيل قنوات التجارة الخارجية المصرفية، ومدى قدرة القطاع المصرفي السوري على تحويل هذه التجربة إلى آلية مستدامة لتمويل المستوردات الاستراتيجية، إلى جانب دوره في تمويل صفقة توريد نفطية.
ويرى قسنطيني أن تنفيذ الاعتماد يمثل تطوراً مهماً في مسار استعادة قدرة النظام المصرفي السوري على إجراء معاملات التجارة الخارجية عبر القنوات المصرفية الدولية، موضحاً أن الاعتمادات المستندية تُعد من الأدوات الأساسية لتنظيم المدفوعات والحد من مخاطر عدم السداد في التجارة الدولية.
ويحدد قسنطيني أهمية العملية في ثلاثة جوانب رئيسية: إتاحة تنفيذ معاملات تجارية سورية عبر القنوات المصرفية الدولية، وتعزيز الثقة في الوفاء بالالتزامات التجارية، وإتاحة المجال لتطوير أدوات تمويل التجارة الخارجية مستقبلاً.
ويضيف قسنطيني أن الاعتماد المستندي يوفر للمورّد تعهداً مصرفياً بالسداد عند تقديم المستندات المطابقة لشروط الاعتماد، ما يحد من مخاطر عدم السداد من جانب المستورد. وتتوسع الحماية عند تأكيد مصرف آخر للاعتماد، وفق الشروط المتفق عليها.
ويشدد على أهمية التمييز بين إصدار الاعتماد المستندي وتوفير التمويل الائتماني؛ فإذا كان الاعتماد مغطى نقدياً بالكامل، فإنه ينظم الدفع والتسوية من دون أن يعني بالضرورة حصول المستورد على تمويل مصرفي إضافي. أما إذا كان مدعوماً بتسهيلات ائتمانية، فإن ذلك يشير إلى استعداد جهة مصرفية لتوفير تمويل تجاري وتحمل المخاطر الائتمانية المرتبطة به، وفق شروط محددة.
ويشير قسنطيني إلى أن تنفيذ اعتماد واحد يتيح تقييم إمكانية إنجاز معاملة محددة عبر القنوات المصرفية الدولية، فيما يتطلب الحكم على استعادة العلاقات المصرفية بصورة أوسع التحقق من توافر خطوط تمويل تجاري مستدامة، وقدرة المصارف الدولية على مواصلة التعامل مع المصارف السورية بصورة منتظمة.
شرطان للاستمرار
يتطلب تحويل هذه التجربة إلى آلية قابلة للتكرار توفر موارد منتظمة من النقد الأجنبي، وإمكانية الوصول إلى التمويل التجاري، إلى جانب استقرار العلاقات المصرفية الدولية والالتزام بمتطلبات الامتثال.
وفي هذا السياق، يوضح قسنطيني أن توافر السيولة بالعملات الأجنبية يحدد قدرة المصارف على الوفاء بالالتزامات الناشئة عن الاعتمادات المستندية، فيما يرتبط إصدار الاعتماد بإنشاء التزام مصرفي يستحق السداد وفق شروطه، وتبقى القدرة على تنفيذه مرتبطة بتوفر الموارد اللازمة.
ويشير إلى أن استدامة هذه الآلية تستلزم وجود مصادر منتظمة للنقد الأجنبي، سواء من الصادرات أو التدفقات الاستثمارية أو التمويل الخارجي أو الأرصدة الأجنبية المتاحة، إلى جانب إعداد توقعات دقيقة للتدفقات النقدية وربط الالتزامات بمواعيد استحقاقها.
وينبّه إلى أن التوسع في الاعتمادات المغطاة نقدياً بالكامل قد يؤدي إلى تجميد جزء من السيولة الأجنبية، ما يحد من المرونة المالية المتاحة لتمويل احتياجات الاستيراد الأخرى.
أما على مستوى التمويل التجاري، فيلفت إلى أن توسيع نطاق تمويل الواردات الاستراتيجية يتوقف على إمكانية الحصول على تسهيلات بشروط مقبولة من المصارف الدولية، تشمل خطوط الائتمان التجاري المتجددة، وتأكيد الاعتمادات المستندية، وترتيبات تمويل المورّدين والمستوردين، إضافة إلى الاعتمادات التي تتيح تأجيل السداد وفق شروط محددة.
ويضيف أن الانتقال التدريجي من التغطية النقدية الكاملة إلى التمويل التجاري القائم على الجدارة الائتمانية يمكن أن يحسن إدارة السيولة، شريطة عدم تراكم التزامات خارجية تتجاوز القدرة الفعلية على السداد. ويؤكد كذلك أهمية التمييز بين تأجيل سداد قيمة الاعتماد للمورّد والحصول على تسهيل ائتماني من المصرف، إذ لا يعني تأجيل السداد بالضرورة حصول المستورد على تمويل ائتماني.
محددات فرص التوسع
ويتطلب استمرار الاعتمادات المستندية توافر السيولة والتمويل، إلى جانب بناء علاقات مصرفية دولية تدعم تنفيذ العمليات وتسويتها بصورة منتظمة.
ويوضح قسنطيني أن دور المصارف المراسلة يتجاوز تنفيذ التحويلات، ليشمل إبلاغ الاعتمادات وتأكيدها وإدارة التعويضات والتسويات وتوفير خطوط التمويل. ويشدد على أهمية تنويع هذه العلاقات لتقليل الاعتماد على مصرف واحد وتوسيع خيارات التسوية والتمويل.
وفي ما يتعلق بالإطار الأميركي للعقوبات على سوريا، يشير إلى أن التطورات القانونية التي تسمح بتقديم خدمات مصرفية محددة للمؤسسات السورية قد تساعد على تهيئة الظروف لتنفيذ المعاملات، لكنه يلفت إلى أن السماح القانوني لا يعني إلزام المصارف الدولية بقبولها، إذ تبقى قراراتها مرتبطة بتقييم المخاطر والجدارة الائتمانية ومتطلبات الامتثال.
كما يشير إلى أن توسيع العمليات يتطلب الالتزام بالمعايير الدولية المتعلقة بمعرفة العميل، والتحقق من المستفيد الحقيقي، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وفحص العقوبات، والتحقق من الأطراف والأنشطة المرتبطة بالمعاملة.
وتزداد أهمية هذه المتطلبات في تجارة المنتجات النفطية، نظراً إلى تعدد الأطراف المرتبطة بالتوريد والنقل والتأمين والشحن والتسوية.
ويحدد قسنطيني أبرز العقبات المحتملة في محدودية الموارد الأجنبية، وصعوبة الحصول على تسهيلات ائتمانية خارجية، وارتفاع تكاليف المخاطر والضمانات، ومحدودية شبكة المصارف المراسلة، إلى جانب التحديات التشغيلية والتقنية، وتقلبات أسعار الصرف والطاقة، ومخاطر التأخر في الشحن أو التسوية.
ويرى أن تحويل هذه التجربة إلى آلية مستدامة يتطلب تكامل ثلاثة عناصر أساسية: السيولة الأجنبية، والقدرة الائتمانية، والكفاءة المصرفية والرقابية، بما يضمن توافر الموارد اللازمة، وإمكانية الوصول إلى التمويل، والقدرة على تنفيذ العمليات وإدارتها بكفاءة.
كلفة التمويل
على مستوى إدارة المدفوعات الخارجية، يوضح قسنطيني أن الاعتمادات المستندية تساعد على تنظيم قيمة الالتزامات وعملاتها وشروطها ومواعيد استحقاقها، بما يحسن توقع التدفقات النقدية بالعملات الأجنبية، والتخطيط للاحتياجات التمويلية، وربط التزامات الاستيراد بالموارد المتاحة.
كما تتيح المتابعة المنتظمة للاعتمادات تعزيز الرقابة على العمليات التجارية من خلال الربط بين العقود ومستندات التوريد والالتزامات المصرفية والمدفوعات الفعلية، بما يساعد على تحديد الالتزامات القائمة والمستحقة وتحسين إدارة المخاطر.
ويشير قسنطيني إلى أن أثر استخدام الاعتماد المستندي في ميزان المدفوعات والاحتياطيات الأجنبية يرتبط بمصادر النقد الأجنبي والتدفقات الفعلية والالتزامات الخارجية، إذ تتوقف النتائج على حركة هذه التدفقات وحجم الالتزامات المرتبطة بها.
وفي ما يتعلق بتكلفة التمويل، يرى قسنطيني أن انتظام تنفيذ الاعتمادات وتوسع العلاقات المصرفية قد يسهمان في تحسين شروط التوريد، وخفض بعض تكاليف الوساطة والمخاطر، وتعزيز القدرة على التفاوض بشأن آجال الدفع. وتبقى الكلفة النهائية للاستيراد مرتبطة بشروط كل عملية، بما فيها رسوم التمويل والتسوية والضمانات.
ويضيف أن التكلفة الإجمالية للاعتماد المستندي تشمل رسوم فتحه وإبلاغه وتأكيده، وتكاليف التمويل والفوائد إن وجدت، ورسوم التسوية وفروق أسعار الصرف، إلى جانب تكلفة الفرصة البديلة للأموال المجمدة لتغطية الاعتماد. وقد ترتفع تكلفة العمليات الأولى في ظل محدودية العلاقات المصرفية وارتفاع هوامش المخاطر ومتطلبات الضمان، ما يجعل تقييم كل عملية وفق تكلفتها الإجمالية ومقارنتها ببدائل الدفع والتمويل المتاحة أمراً ضرورياً.
أما في ما يتعلق بمخاطر التسوية، فيوضح قسنطيني أن الاعتماد المستندي يساعد على الحد من بعض مخاطر عدم السداد، من خلال ربط التزام المصرف بتقديم مستندات مطابقة لشروط الاعتماد. وتبقى مخاطر أخرى قائمة، تشمل عدم مطابقة المستندات، ونقص السيولة عند الاستحقاق، والجدارة الائتمانية للمصارف المشاركة، وتقلبات أسعار الصرف.
ويؤكد أن التزام المصرف بالسداد مقابل مستندات مطابقة لشروط الاعتماد لا يضمن جودة المنتجات المستوردة أو مطابقة الكميات المستلمة فعلياً لشروط العقد. لذلك، ترتبط فعالية الاعتماد بدقة الشروط التعاقدية والمستندية، وكفاءة إجراءات الفحص والتسوية، وحسن إدارة السيولة والمخاطر.
مؤشرات تقيس نجاح التجربة
لتحديد مدى نجاح التجربة وإمكان توسيع استخدامها في قطاعات أخرى، يقترح قسنطيني الاستناد إلى مؤشرات مالية ومصرفية تقيس النتائج الفعلية، بدلاً من الاكتفاء بعدد الاعتمادات المفتوحة.
وتشمل هذه المؤشرات عدد الاعتمادات المنفذة وقيمتها، ونسبة الاعتمادات التي سُويت في مواعيدها، ومتوسط زمن التنفيذ، والتكلفة الإجمالية كنسبة من قيمة الاعتماد، ونسبة التغطية النقدية.
كما تتضمن قيمة التسهيلات الائتمانية التجارية المتاحة والمستخدمة، وعدد المصارف المراسلة النشطة، ومعدل المخالفات المستندية والتأخير، ونسبة الالتزامات المستحقة التي تغطيها موارد أجنبية متاحة، وعدد القطاعات المستفيدة من الاعتمادات.
ويؤكد قسنطيني أهمية التمييز بين الاعتمادات الصادرة والمستخدمة والمبالغ التي سُويت فعلياً، لضمان استناد التقييم إلى العمليات التي اكتملت مراحلها، بدلاً من الاكتفاء بالإعلان عن إصدار الاعتماد.
ويوضح أن المتابعة ينبغي أن تشمل مدى تحسن شروط الاستيراد، وانتظام الإمدادات، وانخفاض التكلفة الفعلية للحصول على السلع الاستراتيجية، بما يساعد على تقييم جدوى توسيع استخدام هذه الآلية. ويمكن أن يشمل التوسع مستقبلاً قطاعات الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج والصناعة والطاقة، وفق احتياجات الاقتصاد، وتوافر التمويل، وقدرة المصارف على التنفيذ.
الاستدامة.. الاختبار الحقيقي
ويرى قسنطيني أن تنفيذ أول اعتماد مستندي منذ 14 عاماً يمثل خطوة مهمة في إعادة تفعيل أدوات التعامل المصرفي الدولي المرتبطة بالتجارة السورية، ويشكل بداية لمسار استعادة القدرة المصرفية، يبقى نجاحه مرهوناً بمدى استدامته.
ويوضح أن الأهمية المباشرة للعملية تكمن في إثبات إمكانية إصدار اعتماد مستندي لتنفيذ معاملة تجارية استراتيجية عبر ترتيبات مصرفية دولية، فيما تتوقف أهميتها المستقبلية على قدرة النظام المصرفي على تحويل هذه الإمكانية إلى ممارسة منتظمة.
ويؤكد أن النجاح يُقاس بقدرة المؤسسات السورية على تنفيذ عمليات استيراد متكررة وتسويتها عبر القنوات المصرفية الرسمية، وتطوير العلاقات مع المصارف الدولية، والحصول على تمويل تجاري بشروط مناسبة، بما يتيح تخفيف الاعتماد على التغطية النقدية الكاملة.
ويخلص قسنطيني إلى أن القيمة الاقتصادية لهذه الخطوة تكمن في إمكان البناء عليها لإعادة بناء منظومة تمويل التجارة الخارجية، بما يعزز قدرة الاقتصاد السوري على تأمين احتياجاته الاستراتيجية بانتظام وكفاءة أكبر.
انتظام التوريدات
وإلى جانب الأبعاد المصرفية والتمويلية، يتوقف الأثر الاقتصادي للصفقة على مدى انعكاسها على انتظام إمدادات المشتقات النفطية وتكاليفها، في ظل الفجوة بين الإنتاج المحلي واحتياجات السوق السورية. ويرى الخبير في النفط والطاقة، الدكتور أحمد عبد الرزاق الضحيك، أن صفقة «أرامكو» قد تعزز أمن الإمدادات وتحد من هذه الفجوة، عبر تحسين انتظام التوريدات وتقليل الاعتماد على الوسطاء والشراء الطارئ، مشيراً إلى أن تقييم أثرها الفعلي يتطلب معرفة كميات التوريد وشروطه وتكاليفه.
ويقول الضحيك لصحيفة «الثورة السورية» إن إنتاج النفط المحلي يبلغ نحو 112 ألف برميل يومياً، مقابل احتياجات تتجاوز 300 ألف برميل، مع ضرورة التمييز بين الخام والمشتقات الجاهزة، إذ لا يعكس الفارق عجزاً مباشراً في البنزين والمازوت، نظراً إلى دور المصافي ونوعية الخام وكفاءة التكرير.
ويشير إلى أن تحديد أثر الصفقة يتطلب معرفة كميات التوريد ونوعيتها وتكاليفها وشروط التسليم، موضحاً أن توريد 20 ألف برميل من المشتقات يومياً يعادل نحو 3.18 ملايين ليتر، و30 ألف برميل نحو 4.77 ملايين ليتر، وهي أمثلة حسابية وليست كميات معلنة ضمن الاتفاق.
وحول انعكاس انتظام توريد المشتقات النفطية على تكاليف الإنتاج والتشغيل في قطاعات النقل والصناعة والزراعة، يوضح الضحيك أن الأثر الاقتصادي يرتبط بخفض تكلفة الوقود وتقليص الخسائر الناجمة عن نقصه، إذ قد يسهم انتظام الإمدادات في الحد من توقف المركبات وتعطل خطوط الإنتاج، وتسهيل تشغيل مضخات الري والآليات الزراعية ونقل المحاصيل، ولا سيما خلال موسمي الزراعة والحصاد.
ويؤكد أن انتظام التوريد لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار، لارتباطها بالأسواق العالمية وتكاليف النقل والتأمين والتمويل والضرائب والرسوم، لكنه قد يخفف الأعباء الناجمة عن نقص المحروقات واضطراب توزيعها، مشيراً إلى أن تأخر الري أو الحصاد قد يتسبب بخسائر إنتاجية لا يمكن تعويضها.
ولقياس الأثر الفعلي للصفقة، يدعو إلى متابعة التكلفة النهائية لليتر البنزين والمازوت، وحجم المخزون الاستراتيجي، وانتظام وصول الشحنات، وساعات توقف المنشآت الصناعية بسبب نقص الوقود، إلى جانب تكاليف نقل البضائع وتشغيل الآليات الزراعية ومدى الاعتماد على الشراء الطارئ.
ويعتبر الضحيك أن الجدوى تُقاس بالتكلفة النهائية للوقود عند وصوله إلى المستهلك أو المنشأة الإنتاجية، إذ قد تكون الشحنة الأعلى سعراً أكثر جدوى إذا وصلت في موعدها، مقارنةً بشحنة أرخص يؤدي تأخرها إلى تعطيل الإنتاج.
هل تنخفض الأسعار؟
وحول انعكاس الاتفاق على أسعار البنزين والمازوت، يرى الضحيك أن توقع انخفاض مباشر لا يزال سابقاً لأوانه، في ظل عدم الإعلان عن تفاصيل الأسعار والكميات وتكاليف النقل والتسليم، فضلاً عن تأثر السعر المحلي بسعر الصرف والضرائب والرسوم والتكاليف التشغيلية.
ويشير إلى أن تقليص تكاليف الوساطة والتمويل والشحن، وتحسين انتظام الإمدادات، قد يخففان الضغوط السعرية ويسهمان في استقرار السوق، مؤكداً أن تحقيق أمن الإمدادات ينبغي أن يترافق مع توفير الطاقة بتكلفة تسمح باستمرار النشاط الاقتصادي.
ثلاثة مسارات لأمن الطاقة
وفي ما يتعلق بتوظيف الصفقة ضمن استراتيجية وطنية مستدامة للطاقة، يقترح الضحيك العمل على ثلاثة مسارات متوازية، تتمثل في تنويع مصادر الإمداد، وتطوير الإنتاج والتكرير المحليين، ورفع كفاءة المنظومة المالية واللوجستية.
ويشمل المسار الأول تطوير العلاقة مع «أرامكو» السعودية عبر اتفاقيات توريد متوسطة وطويلة الأجل، بكميات مرنة وأسعار مرتبطة بمؤشرات دولية واضحة، إلى جانب تنويع الموردين وفق الجدوى الاقتصادية وتوافر المنتجات، وبحث فرص التعاون مع العراق لتأمين النفط الخام وبعض المشتقات، والاستفادة من الإمكانات التركية في توفير المنتجات النفطية ومصادر أخرى للطاقة.
ويتمثل المسار الثاني في زيادة الإنتاج المحلي عبر إعادة تأهيل الحقول والآبار، وتطوير مصفاتي حمص وبانياس، وتحسين كفاءة التكرير لزيادة إنتاج البنزين والمازوت من الخام المتاح.
ويؤكد الضحيك أهمية مواصلة الاستثمار في الموارد الوطنية بالتوازي مع الاستيراد، بما يسهم في خفض فاتورة الواردات والطلب على القطع الأجنبي، إلى جانب تطوير إنتاج الغاز الطبيعي لدعم توليد الكهرباء وتقليل استهلاك المشتقات النفطية في بعض الاستخدامات الصناعية والخدمية.
ويركز المسار الثالث على تطوير البنية المالية واللوجستية لقطاع الطاقة، عبر تعزيز قدرات المصارف وإجراءات الامتثال وأنظمة الدفع والتسوية، بالتوازي مع الاستثمار في الخزانات الاستراتيجية والمرافئ وخطوط نقل النفط والمشتقات.
كما يدعو الضحيك إلى بحث إمكانية إعادة تفعيل الربط النفطي مع العراق، والاستفادة من الموقع الجغرافي لسوريا لتطوير أنشطة النقل والتخزين والتكرير، بما يعزز أمن الإمدادات ويوفر فرصاً اقتصادية إضافية.
ويخلص الضحيك إلى أن صفقة توريد المشتقات النفطية مع «أرامكو» تمثل خطوة مهمة في مسار التعافي الاقتصادي السوري، وفرصة لاختبار إمكانية استعادة أدوات تمويل التجارة الدولية بعد انقطاع طويل.
ويؤكد أن نجاحها يرتبط بتحويلها إلى منظومة مستدامة وشفافة لتمويل الواردات الاستراتيجية، وتنويع مصادر الطاقة، وخفض تكاليف الإمداد وتعزيز الإنتاج الوطني، بما يدعم قدرة سوريا على تقليص اعتمادها على استيراد النفط وتحسين إدارة مواردها وتمويل احتياجاتها من الطاقة.
وعد ديب
المصدر: الثورة السورية
