بريطانيا في الظلام: نفاد الغاز ليس التهديد الوحيد هذا الشتاء

زمن القراءة: 12 دقائق
في عام 2003، منع الركاب من دخول محطة بريكستون خلال العطل الكبير الذي أصاب الشبكة الوطنية للكهرباء (غيتي)

ملخص

تواجه بريطانيا شتاءً محفوفاً بأخطار انقطاع الكهرباء، في ظل تراجع احتياطات الغاز، وتزايد الطلب من مراكز البيانات، وتأخر تحديث الشبكة، وهدر طاقة الرياح، وبين التهديدات السيبرانية واختناقات نقل الكهرباء، تتزايد المخاوف من اضطرار السلطات إلى تقنين الإمدادات، في اختبار صعب لأمن الطاقة البريطاني.

شهدت المملكة المتحدة انقطاعات خطرة في إمدادات الكهرباء في مناسبات عدة خلال العقود الماضية. فمن إضرابات عمال المناجم في سبعينيات القرن الماضي التي فرضت تقنيناً واسع النطاق للطاقة، إلى “العاصفة الكبرى” عام 1987 التي أودت بحياة 18 شخصاً وحرمت نحو 1.5 مليون شخص من الكهرباء، وصولاً إلى العطل الذي أصاب الشبكة الوطنية عام 2003 وتسبب في تعطل آلاف الركاب داخل مترو أنفاق لندن. ومع ذلك، اعتاد البريطانيون في معظم الأوقات على التعامل مع الكهرباء بوصفها خدمة مضمونة؛ يكفي الضغط على مفتاح الإنارة حتى تعمل.

بدأ هذا الشعور بالاطمئنان يتبدد في الأوان الأخيرة، بعدما حذرت تقارير من احتمال استنزاف مخزونات الغاز في بريطانيا قبل نهاية الشتاء. وفي أسوأ السيناريوهات، قد تضطر السلطات إلى تقنين الإمدادات من خلال خفض كميات الغاز المخصصة لكبار المستهلكين الصناعيين، بما في ذلك محطات توليد الكهرباء.

وأشار تقرير جديد لمشغلي شبكات نقل الغاز في أوروبا إلى أن الشتاء القارس قد يستنزف مخزونات الغاز البريطانية في غضون بضعة أشهر. ويزيد من خطورة الوضع تراجع مستويات الاحتياطات في مرافق التخزين الأوروبية التي تعتمد عليها بريطانيا لتعويض أي نقص في الإمدادات، أما إذا اضطرت إلى زيادة وارداتها من الولايات المتحدة، فمن المرجح أن ترتفع فواتير الطاقة المنزلية إلى مستويات أعلى بكثير.

وعلى رغم أن المنازل ستكون في الأرجح بمأمن من انقطاع إمدادات الغاز مباشرةً، نظراً إلى التعقيدات التقنية المرتبطة بفصلها وإعادتها، فإنها ستكون أكثر عرضة لانقطاع الكهرباء إذا توقفت إمدادات الغاز عن محطات توليد الطاقة.

وإذا أضفنا إلى ذلك التشريعات الجديدة التي أُقرت هذا الصيف، ومنحت مشغل شبكة الكهرباء “نيسو” صلاحية قطع الإمدادات في حالات الطوارئ من دون الحاجة إلى موافقة حكومية سابقة، بهدف تجنب انقطاعات واسعة النطاق عند نقص الإمدادات، قد نكون أمام انقطاعات متناوبة تستمر ساعات، بهدف منع انهيار النظام بأكمله.

من زاوية ما، لا تبدو هذه التحذيرات المقلقة مستغربة. في الصيف الماضي، شهدت إسبانيا والبرتغال انقطاعاً للكهرباء غير مسبوق على صعيدي نطاقه ومدته، أغرق السكان في الظلام. وفي المملكة المتحدة خلال هذا الصيف، وجّهت “نيسو” مناشدات متكررة لزيادة توليد الكهرباء، في مسعى إلى مواجهة الضغوط التي فرضتها موجة الحر الشديد خلال هذا العام على أنظمة الكهرباء، وفي الشهر الماضي، قال مبلّغون عن مخالفات إن “نيسو”، “لم تلتزم بمعايير أمن الشبكة الموضوعة بغرض منع انقطاع الكهرباء”، ونفت الحكومة لاحقاً هذه المزاعم.

ويعزو أستاذ سياسات الطاقة والبيئة في كلية لندن الجامعية بول إيكينز، تزعزع استقرار إمدادات الطاقة في المملكة المتحدة إلى ثلاثة عوامل: انتقال البلاد إلى الطاقة النظيفة (ولّدت المصادر المتجددة أكثر من نصف الكهرباء في المملكة المتحدة خلال العامين الماضيين)، وتركيز صناع السياسات المفرط على توليد الكهرباء، مما صرف انتباههم عن تحديث الشبكة، فضلاً عن تزايد عدد مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي في أنحاء البلاد، إذ أفادت تقارير بأنها كانت تستهلك ستة في المئة من الكهرباء في المملكة المتحدة خلال أيار الماضي.

وأعلن “مكتب أسواق الغاز والكهرباء” في المملكة المتحدة (أوفجيم)، وهو الهيئة المنظمة لقطاع الطاقة، في شباط أن أكثر من 140 مركزاً للبيانات تقدمت بطلبات للربط بالشبكة، وأن بعض الطلبات يتعلق بقدرات تتجاوز 50 غيغاواط، وإذا نُفذت هذه الخطط، فستستهلك مراكز البيانات كمية من الكهرباء تفوق ما تستهلكه بقية البلاد مجتمعة. يقول إيكينز “لست متأكداً من مدى استدامة ذلك، ليس بيئياً وحسب، بل أيضاً على صعيد القدرة على توفير الكهرباء أيضاً”.

تستعد هيئة تنظيم الطاقة لفرض رسم جديد على مطوري مراكز البيانات مقابل الحصول على سعات ربط بالشبكة الكهربائية، في خطوة تستهدف الحد من المشاريع المضاربية التي تحجز سعات من الشبكة من دون تنفيذها فعلياً. وتتراوح الرسوم المقترحة، المعروفة باسم “رسم الالتزام لمراكز البيانات”، بين 237.5 ألف و712.5 ألف جنيه استرليني لكل ميغاواط (ما يعادل 313 ألف دولار إلى 940 ألف دولار).

ويقول أستاذ سياسات الطاقة مدير معهد الموارد المستدامة في كلية لندن الجامعية، جيم واتسون: “إذا وافق ’أوفجيم‘ على تخصيص جزء من قدرة الشبكة لشركة، ثم لم تنفذ الشركة مشروعها، فستكون قد حجزت ذلك الجزء ومنعت الآخرين من استخدامه، وتعد رسوم الالتزام وسيلة لاختبار مدى جدية المطورين حين يقترحون إنشاء مركز للبيانات، هل هم مستعدون لترجمة تعهداتهم إلى استثمارات فعلية؟”

وإلى جانب الطلب المتزايد من مراكز البيانات، تواجه شبكة الكهرباء بالفعل مشكلة تراكم طلبات الربط المقدمة من مشاريع الطاقة المتجددة، في وقت نسابق فيه الزمن للوصول إلى الصفر الصافي للانبعاثات.

يقول إيكينز: “من اللافت حقاً أننا نولد الآن أكثر من 50 في المئة من كهربائنا من مصادر متجددة، ونشهد انقطاعات أقل مما كنا نشهده حين كنا نعتمد على الوقود الأحفوري، لكننا، حين نمر بمرحلة انتقالية، كالطلاق أو الانتقال إلى منزل جديد أو تغيير الوظيفة، نواجه أوجه عدم يقين شتى يتعين علينا التعامل معها، لا يختلف نظام الكهرباء عن ذلك”.

تتمثل إحدى العقبات الكبرى في محدودية قدرة الشبكة على نقل الكهرباء بين إسكتلندا وإنجلترا، يمنع هذا الاختناق فائض الكهرباء المولدة من الرياح وغيرها من المصادر المتجددة في الشمال من الوصول إلى مناطق الطلب المرتفع في الجنوب، حيث يتركز أكبر عدد من مراكز البيانات؛ في سلاو وحدها ما يصل إلى 40 مركزاً. يقول إيكينز: “ندفع حالياً مبالغ كبيرة لإيقاف توليد الكهرباء من المصادر المتجددة، في أوقات تهب فيها الرياح أو تشرق الشمس، لأن الطلب على الكهرباء لا يكفي لاستيعاب هذا الإنتاج كله، ليس الطلب في المرتفعات الإسكتلندية كبيراً بالقدر نفسه لأسباب واضحة، لذلك فالمسألة معقدة”.

وأظهرت بيانات “مؤشر الرياح المهدرة” في وقت سابق من هذا الشهر أن بريطانيا تكبدت هذا العام نحو مليار جنيه استرليني نتيجة اضطرارها إلى تقليص إنتاج مزارع الرياح ودفع تعويضات للمشغلين، بالتوازي مع شراء كهرباء بديلة بسبب اختناقات شبكة النقل، على رغم أن الكميات غير المستغلة كانت كافية لتزويد ملايين المنازل بالطاقة.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة “أوكتوبوس إنرجي”، غريغ جاكسون، في بيان عقب تجاوز هذه الكلفة عتبة المليار جنيه: “الطريقة التي يُدَار بها نظام الكهرباء في بريطانيا جنونية”، مضيفاً “لن تزرعوا الطماطم في حديقتكم ثم ترمونها في القمامة وتشترون بدلاً منها طماطم مستوردة باهظة الثمن من المتجر، لماذا نفعل الشيء نفسه مع الكهرباء؟”

وحذّر مركز البحوث المالية “كاربون تراكر” عام 2023 من أن هدر طاقة الرياح قد يؤدي، بحلول عام 2030، إلى انبعاث 6.8 مليون طن من الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وتكبيد البلاد 3.5 مليار جنيه استرليني، مما يرفع متوسط فاتورة الكهرباء السنوية الخاصة بالأسرة بنحو 200 جنيه، ودعا صناع السياسات إلى إعطاء الأولوية للاستثمار في تحديث الشبكة، لكي تواكب التطور في توليد الطاقة من الرياح.

ومن المتوقع أن تسهم خطوط نقل الكهرباء العالية القدرة، مثل مشروع “إيسترن غرين لينكس”، في معالجة هذا الاختناق خلال الأعوام الثلاثة إلى السبعة المقبلة، مما يعزز أمن الطاقة ويقوّي الشبكة، ويؤكد إكينز أن “هذه المشاريع ستساعد مناطق إنجلترا الرئيسة على تجنب النقص في الإمدادات الذي تعانيه حالياً”.

لكن ألا يوحي سعي “نيسو” إلى الحصول على صلاحية قطع الكهرباء اضطرارياً عن ملايين المنازل من دون موافقة الحكومة بأن ثمة ما يستدعي القلق؟ يقول إيكينز: “أشعر شخصياً بأن الأمر يتعلق أساساً بإضافة طبقة أخرى من الاحتياط”، ويضيف أن تقليل الحاجة إلى الموافقات التنظيمية “منطقي” حين تحتاج “نيسو” إلى التحرك والتكيف بسرعة.

وفي أحدث مثال على التحديات التي تواجه البنية التحتية للطاقة، أفادت تقارير بأن محطة كهرباء بريطانية توقفت عن العمل أربعة أيام نتيجة هجوم إلكتروني يُعتقد أن قراصنة مرتبطين بإيران نفذوه، وجاء هذا الهجوم غير المسبوق بعد أسابيع قليلة من تحذير مديرة مقر الاتصالات الحكومية البريطاني (GCHQ) آن كيست-باتلر [جهاز الاستخبارات الإلكترونية في المملكة المتحدة]، من أن روسيا تواصل استهداف البنى التحتية الحيوية في بريطانيا وأوروبا بصورة متواصلة.

وفي الأعوام الأخيرة، لجأت دول، منها مصر وباكستان وبنغلاديش وميانمار وكوبا وجنوب أفريقيا، إلى تقنين الكهرباء لمواجهة موجات الحر ونقص الوقود، فضلاً عن التعامل مع تداعيات أعمال صيانة الشبكات، ويُعرَف هذا الإجراء عادة باسم “تخفيف الأحمال”.

يقول سكوتي موراي، البالغ 44 سنة والمقيم في جوهانسبرغ، إن الحديث عن الانقطاعات المجدولة للكهرباء في جنوب أفريقيا بدأ بطريقة تشبه كثيراً ما يجري في المملكة المتحدة، وسرعان ما أعقبت الأحاديث الخافتة الأولى تطمينات من صنف “لا داعي للقلق”، إلى أن أصبح “الإجراء الموقت” جزءاً راسخاً من الحياة في البلاد، ويقول: “أتذكر سياسياً قال عام 2010 إن تخفيف الأحمال سيصبح ’شيئاً من الماضي‘. نحن الآن في عام 2026، ولا يزال الإجراء يحدث بانتظام”.

وفجأة، باتت مهمات يومية بسيطة، مثل شراء الطعام وإنجاز المشاريع المدرسية وعقد اجتماعات العمل، تتطلب تخطيطاً سابقاً لإنجازها خلال ساعات توافر الكهرباء، ولذلك، تشتري أسر كثيرة، ممن تستطيع تحمل الكلفة، مولدات أو أجهزة بالعاكس الكهربائي أو ألواحاً شمسية لتأمين مصدر مستقل للطاقة.

وفي المجمل، يُقدَّر أن انقطاعات الكهرباء كلّفت اقتصاد جنوب أفريقيا 35 مليار راند، أي نحو 1.6 مليار جنيه استرليني، بين عامي 2007 و2019، وهو أثر يقارب ما خلّفته الأزمة المالية العالمية عام 2008 على نمو الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

وعلى الصعيد البيئي، وجدت بحوث أن تخفيف الأحمال، إلى جانب تقادم محطات معالجة مياه الصرف، أدى إلى زيادة تصريف مياه المجاري غير المعالجة، مما ألحق أضراراً جسيمة بجودة المياه والنظم البيئية الساحلية والنهرية، وعرّض الصحة العامة للخطر.

يقول موراي: “لا يدرك المرء مقدار اعتماده على الكهرباء إلا حين تنقطع”.

فهل تقدم تجربة جنوب أفريقيا لمحة عما قد ينتظر بريطانيا؟ يطمئن واتسون الرأي العام قائلاً: “في المملكة المتحدة، يتعلق الأمر إلى حد كبير بالتخطيط لأسوأ السيناريوهات”، ويقر بأن الشركة المشغّلة للشبكة “لا تعرف التفاصيل الدقيقة الخاصة بالظروف” التي قد تؤدي إلى انقطاع الكهرباء من دون إنذار كافٍ، ولذلك تستعد للطوارئ، مثل خروج محطات كبيرة تعمل بالغاز ومزارع رياح من الشبكة في وقت واحد.

ويقول واتسون بنبرة تنذر بالخطر: “لأن هذه الأمور تحدث بسرعة، في غضون دقائق، لدينا نظام موثوق إلى حد كبير. والتحدي هو الحفاظ عليه كذلك”.

ومع توالي التحذيرات الصادرة عن الجهات المشغّلة لشبكات نقل الغاز، التي قد يؤدي تعطلها إلى أزمة طوارئ من هذا النوع، يبدو أن بريطانيا تقترب خطوة أخرى من الغرق في الظلام.

ليديا سبنسر-إليوت

المصدر:  The Independent

آخر الأخبار