اختراق علمي.. الليزر يقرأ “البصمة الدهنية” لشيخوخة الأجساد

زمن القراءة: 6 دقائق

في أنسجتنا الحية، تخوض خلايانا مواجهة طاحنة تستعر مع مرور الزمن والتقدم في العمر، وعندما تشتد الضغوط الخارجية أو تصاب المادة الوراثية بأضرار بالغة، تختار بعض الخلايا مساراً بيولوجياً دقيقاً؛ حيث تمتنع عن الانتحار والموت المبرمج، وتتوقف في الوقت نفسه عن الانقسام، لتدخل في حالة بيولوجية تعرف باسم الشيخوخة الخلوية.

تمثل هذه الخلايا الهرمة سلاحا ذا حدين في جسم الكائن الحي؛ فهي تعمل كمسعف أولي مفيد ومؤقت يسهم في إغلاق الجروح وإصلاح الأنسجة عند الطوارئ، لكن تراكمها مع التقدم في السن يحولها إلى عبء ثقيل يفرز إشارات التهابية مستمرة تؤدي إلى تلف الأعضاء المحيطة بها.

حتى وقت قريب، كان تشخيص الخلايا يعتمد بشكل شبه حصري على تتبع النشاط الجيني وقراءة نسخ الحمض النووي الريبي وهو غير كاف، إلى أن تعاون فريق بحثي مشترك من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومستشفى ماساتشوستس العام وجامعة هارفارد لتطوير منصة تقنية مبتكرة أطلقوا عليها اسم “رامان أوميكس”، ووثقوا نتائجهم في دراسة حديثة منشورة في دورية “نيتشر إيجنغ”.

يقول جيون وونغ، من مركز أبحاث الليزر في الطب الحيوي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الأمريكي في تصريحات حصرية للجزيرة نت: “أظهرت بيانات التعبير الجيني لدينا أن الأنسجة الشابة، أو تلك التي تمر بمرحلة ترميم، تتخذ حالة هرم أكثر استجابة وارتباطا بعمليات الإصلاح، في حين أظهرت الأنسجة المسنة سمات تتوافق أكثر مع حالة مزمنة مختلة الوظيفة، وهكذا، فإن البرنامج الخلوي الأساسي ذاته قد يؤدي إلى عواقب متباينة للغاية، وذلك تبعاً لتوقيت ظهوره، ومدة استمراره، وطبيعة البيئة النسيجية المحيطة به”.

تناغم مجهري مع الليزر

في أنسجتنا الحية، تخوض خلايانا مواجهة طاحنة تستعر مع مرور الزمن والتقدم في العمر (رويترز)

الاكتفاء بالبيانات الجينية يشبه محاولة الحكم على سلامة مبنى ضخم بالاطلاع على مخططاته الهندسية الورقية فقط، دون فحص مواد البناء الفعلية كالخرسانة والأسمنت، فالجينات تمثل التعليمات الإرشادية فقط، بينما يتشكل الواقع المادي والملموس لخلايا أجسادنا من كتل معقدة من الدهون والبروتينات والسكريات التي تحدد مرونتها وكيمياء غشائها الخارجي وتفاعلاتها المباشرة.

ولمعالجة هذا القصور العلمي، تأتي منصة “رامان أوميكس” لتجمع بين شقين متكاملين؛ الأول هو تقنيات فحص نشاط الجينات داخل الخلايا وأماكن وجودها الأصلية بدقة، والثاني هو التصوير المجهري المعتمد على مطيافية رامان الفائقة.

يقول جيون: “يطلعنا تسلسل الجينات على الجينات النشطة داخل الخلية، لكن ذلك يمثل جزءاً من الصورة، في المقابل، يوفر لنا التصوير بطريقة “رامان” نوعاً مختلفاً من المعلومات؛ إذ يستخدم الضوء لقراءة التركيب الكيميائي للخلية، بما في ذلك الإشارات المتعلقة بالدهون والبروتينات والأحماض النووية والأنسجة المحيطة”.

تعمل مطيافية رامان من خلال توجيه شعاع ليزري غير مدمر نحو الخلية، لتصطدم جزيئات الضوء بالروابط الكيميائية وترتد عنها في ظاهرة تعرف علميا باسم التشتت غير المرن للضوء.

ومن خلال قياس التغير الطفيف في تردد الفوتونات المرتدة، يمكن للعلماء الاستماع بدقة إلى ما يشبه التناغم والسيمفونية التي تعزفها الروابط الكيميائية أثناء اهتزازها؛ فاهتزاز روابط الكربون والهيدروجين في سلاسل الدهون يختلف كلياً عن اهتزاز روابط البروتينات أو السكريات، ويتيح هذا الفحص الضوئي قراءة الهوية الكيميائية للخلية الحية بأسلوب يحافظ على سلامة العينات، ودون الحاجة إلى صبغات صناعية قد تغير من طبيعة المركبات الأصلية.

شيخوخة مختلفة بين الرئة والجلد

طبق الباحثون هذه المنصة المتطورة على عينات مأخوذة من رئة وجلد فئران شابة تبلغ من العمر شهرين، وقارنوها بفئران مسنة بعمر 26 شهراً، وهو عمر يناظر مرحلة الشيخوخة المتقدمة لدى البشر بيولوجيا، وكشفت النتائج عن تباين واسع في نمط التقدم في السن بين هذين العضوين الحيويين.

يعلق جيون: “من النتائج المثيرة للاهتمام أنه على الرغم من اختلاف برامج التعبير الجيني اختلافاً كبيراً بين الخلايا الهرمة في رئة الفأر وجلده، فإننا رصدنا إشارة “رامان” متشابهة للدهون في كلا النسيجين. كما لاحظنا ظهور هذه الإشارة مجدداً أثناء عملية التئام الجروح”.

ثم يضيف: “ومع ذلك، أود توخي الحذر قبل القول إن الدهون هي المسبب لشيخوخة الخلايا؛ فدراستنا تظهر وجود ارتباط قوي، وليس علاقة سببية، كما لم نحدد بعد بدقة الجزيئات التي تنتج تلك الإشارة، ويعد فهم سبب ظهور هذه البصمة الدهنية بهذا الشكل المتسق أحد الأسئلة المثيرة للاهتمام التي ستتناولها أبحاثنا المستقبلية.”

بصمة دهنية

نجحت التقنية في رفع دقة تصنيف الخلايا الهرمة بنسبة وصلت إلى نحو 5.5%، لتصل الدقة الإجمالية إلى نحو 76% في الرئة و65% في الجلد، مقارنة بالاعتماد على الفحوصات الجينية وحدها، ورغم أن هذه النتيجة تثبت جدوى إضافة البيانات الكيميائية، فإنها تعكس في الوقت ذاته أن النماذج الحاسوبية لا تزال في مراحلها الأولى وتحتاج للمزيد من التدريب.

لا تزال التقنية تواجه قيوداً حقيقية، من بينها بطء المسح الضوئي وصغر مساحة الرؤية المجهرية المتاحة حالياً، بالإضافة إلى الندرة الطبيعية للخلايا التي تحمل بروتين كبح الانقسام في الأنسجة، مما يجعل حجم العينات المتاحة محدوداً، كما أوضح الفريق أن الفحوصات اقتصرت حتى الآن على شرائح مجهرية لفئران تجارب.

يمثل هذا العمل خطوة تأسيسية مهمة تفتح الباب أمام تطوير أجهزة بصرية مستقبلية تساعد في فحص الأنسجة ومراقبة هرم الأعضاء دون الإضرار بالأنسجة، وعلى المدى الطويل، قد تتيح هذه التقنية تقييم كفاءة الأدوية التجريبية المضادة للهرم.

يختتم جيون: “تعمل العديد من المجموعات البحثية والشركات حالياً على تطوير عقاقير مصممة للتخلص من الخلايا الهرمة، وتتمثل إحدى الصعوبات في معرفة مدى فعالية هذه العقاقير لدى مريض معين، ونظراً لأن تقنية القياس لدينا لا تستهلك العينة، يمكننا تتبع التغيرات في البصمة الكيميائية الحيوية للنسيج بمرور الوقت، بدلاً من الاعتماد على مقارنة عينات خزعة منفصلة، كما يمكن أن تكون هذه التقنية مفيدة في دراسة عمليات حيوية مثل شيخوخة الجلد، والتئام الجروح، والتليف النسيجي”.

عبد الله طه

المصدر: الجزيرة

آخر الأخبار