«راتب تشرين» وفواتير كثيرة.. ماذا يشتري دخل الأسرة قبل الشتاء؟

زمن القراءة: 15 دقائق

«كيف ما حسبتا ما عم تزبط»، بهذه الكلمات يختصر كنان حج لطوف، من سكان حماة، محاولاته لحساب تكاليف التدفئة والملابس الشتوية لعائلته، بعدما وجد أن دخله لا يترك مجالاً لادخار أي مبلغ لهذه النفقات، في وقت تكافح فيه أسر سورية لتغطية احتياجاتها الأساسية من الغذاء والمواصلات والخدمات.

وتستقبل العائلات السورية فصل الشتاء وسط ضغوط معيشية تعيد ترتيب أولويات الإنفاق اليومي. ورغم القرارات الرسمية بزيادة الرواتب عقب سقوط النظام المخلوع، ووصول الحد الأدنى للأجور إلى مليون و250 ألف ليرة سورية، ما تزال تكاليف المواد الأساسية والطاقة تستنزف جزءاً كبيراً من دخول الأسر.

وشهدت أسعار الوقود في سوريا سلسلة من التعديلات خلال الأشهر الماضية، مع اعتماد وزارة الطاقة آلية لمراجعة الأسعار تبعاً لتغيرات الكلفة العالمية وظروف الاستيراد والتوريد.

وسُجلت الزيادة الأكبر في 12 أيلول الماضي، عندما ارتفعت أسعار المشتقات النفطية بنسب تراوحت بين نحو 9 و40 بالمئة، وصعد سعر ليتر المازوت من 12500 إلى 17500 ليرة، فيما عزت وزارة الطاقة الزيادة إلى ارتفاع «استثنائي» في كلفة تأمين المشتقات عالمياً.

عجز يبدأ قبل الشتاء

جاء ارتفاع أسعار المازوت وبقية المشتقات النفطية قبيل فصل الشتاء، ليضيف كلفة جديدة على الأسر التي تحتاج إلى تأمين وسائل التدفئة إلى جانب نفقاتها الشهرية المعتادة.

ومع بداية تشرين الأول، تواجه أسر سورية معادلة صعبة بين دخل محدود وفواتير تتزايد مع انخفاض درجات الحرارة، فيما تضيق الخيارات أمامها لتقليص نفقاتها وتأمين التدفئة والملابس الشتوية.

كنان، وهو أب لثلاثة أطفال وموظف في إحدى مديريات حماة، يبلغ دخله الشهري نحو مليون ونصف المليون ليرة. ويدفع 700 ألف ليرة لإيجار منزل في منطقة عشوائية، و300 ألف للمواصلات، ونحو 800 ألف للطعام الذي يقتصر، وفق قوله، على الحد الأدنى من الخبز والبقوليات والخضار من دون لحوم، إضافة إلى 100 ألف ليرة شهرياً للكهرباء.

ويشرح لـ«الثورة السورية» حجم الفجوة بين دخله ونفقاته: «يبلغ العجز في راتبي شهرياً خارج أوقات الشتاء نحو 400 ألف ليرة، أضطر إلى استدانتها، أو إذا استطاعت زوجتي حياكة بعض المطرزات وبيعها، نستطيع حينها تغطية ذلك العجز الشهري وسداد بعض الديون».

وبحسب الأرقام التي يوردها كنان، فإن نفقاته الأساسية تتجاوز دخله حتى قبل حلول الشتاء، ما يتركه من دون هامش يمكن اقتطاعه لتغطية تكاليف التدفئة.

ويصف الخيارات المتاحة أمام أسرته بقوله: «نحن نعيش أصلاً ضمن الحد الأدنى، فاللحوم والفواكه حذفناها منذ زمن من قائمة المشتريات، وأي شيء آخر فيه نوع من الرفاهية حذفناه. فماذا نحذف أيضاً كي نؤمن مصدر التدفئة في الشتاء؟ هل نحذف مصروف الطعام كي نموت من الجوع؟ أم نستغني عن إيجار البيت فنصبح في الشارع؟».

بالنسبة إلى كنان، لا يحمل الشتاء معه مخصصات إضافية في ميزانية الأسرة، لعدم قدرته على اقتطاع أي مبلغ من نفقاتها الأساسية لتأمين التدفئة، ويختتم حديثه: «مصدر التدفئة الوحيد لدينا هو الأغطية الصوفية المهترئة، وكل ثلاث أو أربع سنوات أستدين من أقاربي لشراء ملابس صوفية مستعملة لعائلتي».

مازوت التدفئة يحتاج إلى ثلاثة رواتب

أثار رفع أسعار المحروقات، ولا سيما المازوت، موجة من الاستياء، ما دفع وزارة الطاقة إلى طرح ثلاثة أنواع من المازوت بمواصفات وأسعار مختلفة وفق طبيعة الاستخدام، بدلاً من حصر السوق بنوع واحد مرتفع المواصفة والتكلفة.

وبموجب الآلية الجديدة، حُدد سعر ليتر المازوت المدعوم بـ11500 ليرة، ويخصص للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، فيما يبلغ سعر النوع الثاني 15000 ليرة للاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الهندسية والثقيلة، ويستمر بيع المازوت ذي المواصفات القياسية بسعر 17500 ليرة لليتر.

وينتظر سوريون بدء طرح المازوت المدعوم، في وقت ما تزال فيه آلية توزيع الكميات المخصصة للمواطنين قيد الإعداد من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والشركة السورية للبترول، من دون تحديد موعد لبدء التوزيع حتى الآن.

شكري عزقول، 68 عاماً، متقاعد من دمشق يعيش مع زوجته في منزلهما بحي القنوات، ولا يتجاوز راتبه مليوناً و350 ألف ليرة. ومع اقتراب كل شتاء، يجد نفسه أمام صعوبة تأمين وسيلة للتدفئة ضمن إمكاناته المادية.

ويشرح شكري لـ«الثورة السورية»: «كل شتاء نستغني عن مازوت التدفئة ونكتفي بالبطانيات والألبسة الصوفية للهروب من البرد القارس، لكن هذا الفصل أصبحت مضطراً لتأمين المازوت، فزوجتي أصيبت بالربو، وبالتالي يجب أن يكون البيت دافئاً، لأن البرد يؤدي إلى تهيج المجاري التنفسية لديها وتحفيز نوبات السعال وضيق التنفس، ما يعني تكاليف إضافية لتأمين الدواء».

ولحساب ما يحتاجه خلال الشتاء، أحضر شكري دفتراً وبدأ بتقدير استهلاك المدفأة وكلفتها قياساً إلى راتبه. ويخطط لتشغيلها خمس ساعات يومياً، باستهلاك يقارب ثلاثة ليترات من المازوت.

وعلى أساس سعر المازوت المدعوم البالغ 11500 ليرة لليتر، تصل الكلفة اليومية إلى 34500 ليرة، أي نحو 3.1 ملايين ليرة خلال ثلاثة أشهر، بما يزيد على راتبي شكري الشهريين ويقترب من راتبه لثلاثة أشهر.

التدفئة على حساب نفقات أخرى

تضع هذه الكلفة شكري أمام خيارات محدودة، إذ سيستهلك تأمين المازوت بالحد الأدنى جزءاً كبيراً من دخله، في حين يرى أنه لا يستطيع خفض ساعات تشغيل المدفأة عن خمس ساعات يومياً بسبب الحالة الصحية لزوجته.

أما الكهرباء، التي قد تشكل خياراً آخر للتدفئة، فيستبعدها شكري بسبب ارتفاع تكلفتها وساعات التقنين خلال الشتاء. ومع ارتفاع أسعار الكهرباء العام الماضي ووصول سعر الكيلوواط إلى 600 ليرة، وفق الشريحة، تصبح زيادة الاستهلاك عبئاً إضافياً على ميزانية الأسرة.

وبحثاً عن خيار أقل كلفة، وجد شكري عبر «فيسبوك» إعلاناً لمدفأة تعمل على الكاز. وبحسب حساباته، تحتاج المدفأة إلى نحو ليتر واحد لتشغيلها خمس ساعات، بسعر 10 آلاف ليرة، ما يخفض كلفة التدفئة خلال ثلاثة أشهر إلى نحو 900 ألف ليرة، مقارنة بأكثر من ثلاثة ملايين ليرة عند استخدام المازوت وفق معدل الاستهلاك الذي حدده.

لكن شراء المدفأة نفسها أضاف نفقة جديدة، إذ يبلغ سعر الحجم الصغير منها نحو 500 ألف ليرة. ولتأمين المبلغ، أعاد شكري توزيع نفقات الشهر، التي تشمل 750 ألف ليرة للطعام، و250 ألفاً للكهرباء والغاز، و100 ألف للإنترنت، و150 ألفاً للمواصلات، و100 ألف ليرة للأدوية.

ويشرح خطته قائلاً: «قررت هذا الشهر الاستغناء أولاً عن أسطوانة الغاز، وتوفير 150 ألف ليرة، لأن مدفأة الكاز لها مكان مخصص للطهي عليها. كما خفضنا مصروف الطعام 100 ألف ليرة، واستغنيت عن المواصلات وقررت الذهاب مشياً على الأقدام لشراء المستلزمات الضرورية، وأوقفت اشتراك الإنترنت المنزلي مؤقتاً واكتفيت بباقة إنترنت صغيرة على الهاتف، وبالتالي استطعنا توفير نحو 500 ألف ليرة لشراء المدفأة».

وأجّل شراء الكاز إلى راتب الشهر المقبل مستفيداً من اعتدال الطقس خلال تشرين الأول، إذ يحتاج، وفق حساباته، إلى نحو 300 ألف ليرة شهرياً للتدفئة. ويخطط لتغطية هذه الكلفة من المبالغ التي كان ينفقها على أسطوانة الغاز والمواصلات، فيما خصص 200 ألف ليرة من المبلغ الذي وفره لشراء كنزتين صوفيتين له ولزوجته من أحد محال البالة.

وتعيد هذه الخيارات إلى الواجهة ما رصدته دراسة مسحية أجراها “مركز حرمون للأبحاث” مطلع عام 2023، إذ أظهرت أن 44 بالمئة من الأسر السورية كانت تضطر إلى تقليل كميات الطعام لتوفير التدفئة في الشتاء، فيما كان شخص واحد من كل خمسة أشخاص يستغني عن الدواء والمستلزمات الطبية غير العاجلة للسبب نفسه.

وركزت الدراسة على «آليات التكيف القاسية» التي تلجأ إليها الأسر في مواجهة شح مصادر الطاقة وارتفاع الأسعار، ومنها تقليص الإنفاق على الغذاء والدواء لتأمين التدفئة.

وفي حلب، تبدو الخيارات أكثر صعوبة بالنسبة إلى غسان شيخ الحدادين، وهو عامل مياومة يتراوح دخله الشهري بين مليون ونصف المليون ومليوني ليرة في الأشهر التي يتوافر فيها العمل، قبل أن ينخفض خلال الشتاء مع تراجع أعمال البناء.

ويقيم غسان مع أسرته في حي السكري ضمن بناء آيل للسقوط، ويختصر وضع أسرته بالقول: «في حلب البرد قارس ولا يرحم. كنا في العام الماضي نشتري الحطب، لكن هذا العام وصل سعر طن الحطب إلى أربعة ملايين ليرة وأصبح الأمر صعباً».

ويضيف: «إذا أردت تأمين طن واحد من الحطب، يلزمني عمل شهرين كاملين دون أن نأكل أو نشرب أبداً. عملي اليومي بالكاد يكفي للطعام والشراب، ولا يوجد شيء نحذفه من قائمة المشتريات كي نشتري بدلاً منه مازوتاً وألبسة شتوية. الأولوية المطلقة هي لتأمين الغذاء اليومي كي لا يجوع أطفالي الأربعة».

ومع خروج الملابس الشتوية الجديدة من حسابات الأسرة، يجمع غسان خلال الخريف مواد بلاستيكية وبقايا أحذية وقطعاً من الكرتون لاستخدامها في المدفأة عند اشتداد البرد، رغم معرفته بالأضرار الصحية الناجمة عن دخانها.

أما صيانة المدفأة وشراء ملابس جديدة للأطفال، فيتعامل معهما بالإمكانات المتاحة، ويقول ساخراً: «الصيانة نقوم بها بأنفسنا بأدوات بدائية. أما الملابس، فالجديد أصبح خارج حساباتنا تماماً منذ سنوات. نعتمد على ملابس العام الماضي، أو نلجأ إلى أسواق البالة التي باتت هي الأخرى تكوي بأسعارها».

مازوت على دفعات

في وقت تعجز فيه عائلات عن تأمين تكاليف التدفئة دفعة واحدة، يحاول آخرون توزيع شراء المازوت والملابس الشتوية على عدة أشهر، مستفيدين من هامش في دخلهم يسمح بإعادة ترتيب النفقات لمواجهة البرد.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن حاجة الأسرة إلى المازوت خلال فصل الشتاء قد تتراوح بين 400 و1000 ليتر في بعض المناطق، وترتفع في المناطق الجبلية، ما يجعل كلفة التدفئة عبئاً كبيراً على الأسر محدودة الدخل.

مهند الباشا، 35 عاماً، من سكان حي الجامعة في إدلب، يعمل في شركة خاصة ويتقاضى راتباً قدره أربعة ملايين ليرة سورية. ورغم أن دخله أعلى من رواتب كثير من العاملين، فإنه يرى أن نفقات الشتاء تستنزف مدخراته.

ووضع مهند خطة لتوزيع تكاليف الشتاء على عدة أشهر، نظراً إلى برودة الطقس في إدلب. وخصص خلال الشهر الحالي مليون ليرة لشراء الملابس الشتوية، مستفيداً من مبلغ كان مخصصاً لعلاج ابنه المصاب بالروماتيزم، الذي يحتاج إلى إبرة بيولوجية شهرية بكلفة مليون ليرة. ومع تحسن حالته الصحية، سمح الطبيب بتأجيل الإبرة هذا الشهر، على أن يأخذها في الشهر المقبل لتجنب تراجع حالته.

وفي تشرين الثاني، يخطط لاقتطاع مليون ليرة من نفقات الغذاء واللباس والمصروفات الترفيهية غير الضرورية، لشراء نحو 90 ليتراً من المازوت المدعوم، تكفي، وفق حساباته، لتدفئة المنزل خلال الشهر، بمعدل استهلاك يقارب ثلاثة ليترات يومياً وتشغيل المدفأة بين خمس وست ساعات.

ومع اشتداد البرد خلال كانون الأول وكانون الثاني وشباط، ترتفع المخصصات التي يحتاجها إلى نحو مليون ونصف المليون ليرة شهرياً. ولتأمينها، يعتزم زيادة التقشف في نفقات الغذاء، وصولاً إلى الاكتفاء بوجبة واحدة يومياً، وتقليص مصاريف المواصلات والإنترنت والكهرباء، وتأجيل الفحوص الدورية لابنه. ويخطط لشراء نحو 130 ليتراً من المازوت شهرياً، بما يسمح بتشغيل المدفأة بين سبع وثماني ساعات يومياً، باستهلاك يقارب أربعة ليترات.

التدفئة من دون استنزاف الغذاء

أمام صعوبة تأمين تكاليف التدفئة، يطرح الخبير في الأمن الغذائي خالد قبش مجموعة من أساليب التأقلم التي يمكن أن تساعد الأسر على توفير مصدر للدفء من دون استنزاف مخصصاتها الغذائية، ومن بينها العمل لساعات إضافية لزيادة الدخل متى كان ذلك متاحاً.

ومن الخيارات التي يطرحها قبش لـ«الثورة السورية» تقليص الإنفاق على المواد غير الغذائية ضمن سلة الاحتياجات الدنيا، والاستفادة من مصدر التدفئة نفسه في طهي الطعام وتسخين المياه المستخدمة في التنظيف والاستحمام.

ويمكن للأسر، وفق قبش، شراء مواد التدفئة على دفعات بدلاً من تأمين احتياجات الموسم كاملة دفعة واحدة، أو اللجوء إلى الشراء الآجل والتقسيط، بما يتيح استمرار الإنفاق على الاحتياجات الغذائية.

ويضع ضمن الخيارات أيضاً تقليل الإنفاق على الملابس الشتوية بالاعتماد على الملابس القديمة، إلى جانب خفض المصروف على مواد النظافة خلال فصل الشتاء.

ومن زاوية اقتصادية، يرى المحلل فراس شعبو أن إدارة دخل الأسرة أصبحت معضلة في ظل ارتفاع أسعار السلع والطاقة مقابل دخل ثابت لا يواكب هذه الزيادات، معتبراً أن تجاوز كلفة الحد الأدنى من الغذاء والتدفئة لمستوى الدخل يجعل هامش إعادة توزيع الإنفاق محدوداً للغاية.

ويقدر شعبو متوسط ميزانية شريحة واسعة من المواطنين بنحو 120 دولاراً شهرياً، فيما تستحوذ التدفئة على ما لا يقل عن 20 بالمئة منها، رغم أن الدخل قبل حلول الشتاء لا يغطي أساساً جميع الاحتياجات الضرورية. وفي هذه الحالة، يرى أن الأسرة قد تلجأ إلى إعادة ترتيب مشترياتها، واختيار سلع أقل جودة وأرخص سعراً لتوفير جزء من الدخل لمصلحة التدفئة.

ومن الوسائل الأخرى التي يقترحها لتقليل استهلاك الوقود تشغيل المدفأة ساعتين أو ثلاث ساعات يومياً، وتحسين عزل المنزل للحفاظ على الحرارة، وارتداء ملابس أكثر سماكة، إلى جانب تقليص الإنفاق على اللحوم والفواكه.

أما الأسر التي تتحمل إيجار المنزل، فيرى شعبو أن مشكلتها تتجاوز طريقة إدارة الإنفاق إلى وجود فجوة فعلية بين الدخل والنفقات الأساسية، ما يستدعي، بحسب رأيه، دعماً من الدولة عبر منح مالية أو توفير سلع بأسعار مخفضة.

ويحذر في الوقت نفسه من أن الاستغناء عن التدفئة قد ينقل العبء من بند إلى آخر، إذ يمكن أن يؤدي التعرض للبرد الشديد إلى إصابة أفراد الأسرة، ولا سيما الأطفال، بالمرض، لتتحول المبالغ التي جرى توفيرها من التدفئة إلى نفقات للعلاج.

هاني كرزي
المصدر: الثورة السورية
آخر الأخبار