حوافز جديدة للاستثمار العقاري.. هل تصل آثارها إلى المواطن؟

زمن القراءة: 11 دقائق

تراهن هيئة الاستثمار السورية على حزمة من التسهيلات الإجرائية والإعفاءات لتحفيز الاستثمار في قطاع العقار والإنشاء، واستقطاب مستثمرين محليين وعرب وأجانب لإطلاق مشروعات جديدة. غير أن ترجمة هذه الحوافز إلى أثر ملموس في السوق ترتبط بقدرتها على تجاوز عقبات التمويل وتعقيدات الملكية، وضمان حماية أموال المشترين والالتزام بتنفيذ المشروعات. كما يبقى انعكاسها على أسعار المساكن وقدرة المواطنين على شرائها رهناً بمدى إسهامها في تنشيط البناء وتوسيع المعروض، إلى جانب توفير حلول تمويلية تتيح لشريحة أوسع الحصول على السكن.

وفي هذا الإطار، أصدرت هيئة الاستثمار السورية إطاراً تنظيمياً جديداً للاستثمار في قطاع العقار والإنشاء، يتضمن تسهيلات إجرائية وحوافز استثمارية وضوابط للإعلان والبيع على الخارطة، بهدف تبسيط المعاملات وتعزيز الثقة بالسوق وتوسيع فرص الاستثمار أمام القطاع الخاص والشركات العربية والأجنبية.

وبحسب ما أعلنته الهيئة، السبت الماضي، يمنح الإطار الجديد مرونة أكبر في هيكلة الاستثمارات من خلال شركات المساهمة، والشركات محدودة المسؤولية، وشركات الشخص الواحد، إضافة إلى شركات الغرض الخاص (SPV) المخصصة لتنفيذ مشروعات محددة.

كما يتيح الإطار عدم إعادة تقديم الوثائق أو الدراسات التي سبق تقديمها واعتمادها، إلا عند انتهاء صلاحيتها أو حدوث تغيير جوهري فيها، مع إمكانية اعتماد مسارات إجرائية مبسطة ومسرّعة لإنجاز المعاملات المرتبطة بالمشروعات الاستثمارية.

وفي ما يتعلق بتنظيم السوق العقارية، يحدد الإطار آليات الإعلان والترويج والبيع على الخارطة، وفق موافقة الهيئة والأصول المعتمدة، إلى جانب تخصيص حساب مالي مستقل وحساب ضمان لكل مشروع، وإخضاع عمليات التنفيذ والبيع للرقابة والتقارير الدورية، بهدف تعزيز حماية أموال المشروعات والمستثمرين.

ويسمح الإطار الجديد للشركات الأجنبية المتخصصة العمل من خلال فروع مرخصة، شريطة امتلاك خبرة لا تقل عن خمس سنوات في بلد المنشأ، والالتزام بمتطلبات الهيئة.

أما الحوافز الاستثمارية، فتشمل إعفاء الآلات والمعدات والأجهزة اللازمة لتنفيذ المشروعات من الرسوم الجمركية والمالية، وفقاً لأحكام النظام، إلى جانب إعفاء عقود ووثائق المشروعات المقامة على أملاك الجهات العامة من رسم الطابع.

الجدوى الاقتصادية

وفي ما يتعلق بالجدوى الاقتصادية لهذه التسهيلات، يرى الخبير العقاري والاقتصادي الدكتور محمد أنور وردة، أن التسهيلات والإعفاءات يمكن أن تسهم في تحسين جاذبية الاستثمار العقاري في سوريا، من خلال خفض بعض تكاليف تنفيذ المشروعات، واختصار الإجراءات والوقت اللازم للترخيص، وتوفير أشكال قانونية أكثر مرونة للشراكة والتمويل.

وقال وردة لصحيفة “الثورة السورية”، إن هذه العوامل تؤثر في قرار المستثمر، إذ يمثل التأخير الإداري كلفة مالية، فيما يساعد وضوح الإجراءات على تقدير الالتزامات والعوائد.

وأضاف أن الحوافز قد تسهّل اتخاذ القرار لدى مستثمر مقتنع أصلاً بجدوى السوق، في حين يحتاج المستثمر المتردد إلى ضمانات أوسع تتعلق بالتنفيذ وحماية الحقوق. وتوقع أن تزيد التسهيلات الاهتمام بالفرص الاستثمارية في سوريا، لكن حجم الاستثمارات الفعلية يتوقف على انتظام تطبيقها، وتوافر التمويل والطلب، وظهور تجارب ناجحة تعزز ثقة المستثمرين بالسوق.

وعن الانعكاسات المحتملة للإطار الجديد على حركة البناء والاستثمار العقاري، أوضح وردة أنه يمكن أن يساعد على إطلاق مشروعات توقفت بسبب التعقيدات الإجرائية، وتنشيط البناء وتشغيل العمالة والصناعات المرتبطة بالقطاع العقاري، فضلاً عن تحسين تنظيم العلاقة بين المطور والمشتري والجهات المشرفة.

ولفت إلى أن ضبط البيع على الخارطة وحسابات الضمان يمكن أن يعززا الثقة بالسوق، لكنه أشار في المقابل إلى سلبيات محتملة، منها ارتفاع أسعار الأراضي نتيجة الإعلان عن المشروعات وتشجيع المضاربة، فضلاً عن احتمال استفادة المطورين الكبار من التسهيلات بدرجة أكبر من المطورين الصغار، بما قد يزيد صعوبة المنافسة.

ومن جهته، رأى الخبير الاقتصادي والقانوني الدكتور عمار يوسف، أن الضوابط المعلنة للبيع على الخارطة تستند إلى نظام معمول به في دول عديدة، يقوم على إيداع أموال المشترين في حسابات مخصصة، وصرف المستحقات للشركات المنفذة وفق نسب الإنجاز المحققة في المشروع، بما يوفر ضمانات لحقوق المستثمرين والمشترين عند تطبيقه بصورة صحيحة.

تحدّيات التطبيق والتمويل والقدرة الشرائية

ورغم ما يمكن أن توفره التسهيلات من فرص استثمارية، فإن تحويلها إلى مشروعات فعلية يبقى مرتبطاً بقدرة السوق على تجاوز مجموعة من المعوقات.

وأوضح يوسف لصحيفة “الثورة السورية”، أن تطبيق آلية البيع على الخارطة في سوريا يواجه تحديات ترتبط بخصوصية الواقع العقاري المحلي، والحاجة إلى نظام مصرفي قادر على إدارة الأموال ومراقبتها، فضلاً عن ضرورة تعزيز الثقة بالجهات الحكومية المشرفة.

وأعرب عن اعتقاده بصعوبة تطبيق نظام البيع على الخارطة في سوريا خلال السنوات الخمس المقبلة، في ظل الظروف الحالية، مشيراً إلى أن تنفيذه يتطلب بنية تحتية مصرفية ورقابية قادرة على مواكبة حجم العمليات المالية المرتبطة بالمشروعات العقارية، وإدارة أموال المشترين وصرف مستحقات الشركات المنفذة وفقاً لمراحل الإنجاز، بما يطمئن المواطنين إلى سلامة المبالغ التي يدفعونها لشراء عقارات قبل اكتمال إنشائها.

وفي ما يتعلق بالمعوقات التي قد تحد من تحويل التسهيلات المعلنة إلى مشروعات استثمارية فعلية، حدد وردة أبرزها في غياب التمويل الميسّر طويل الأجل، وضعف القدرة الشرائية لدى شريحة واسعة من المواطنين، وتعقيدات الملكية ومشكلات الاستملاكات القديمة وتسوية حقوق أصحابها، ونقص الخدمات والبنية التحتية في كثير من المواقع، وعدم وضوح المدد والكلف النهائية اللازمة للحصول على الموافقات.

وأضاف إلى ذلك الصعوبات التي قد تواجه المستثمر في المدفوعات والتحويلات المصرفية، في ظل القوانين والممارسات المصرفية المعمول بها حالياً.

وأكد أن الإعفاءات وحدها لا تكفي لجذب الاستثمار، إذ يدرس المستثمر أيضاً سلامة الملكية، واستقرار القواعد الناظمة، وإمكانية الحصول على التمويل وتحويل الأموال والأرباح، وتوافر البنية التحتية، والأهم من ذلك وجود طلب قادر على شراء المنتج العقاري أو استئجاره.

ولفت إلى أن ضعف القدرة الشرائية لدى المشترين ومحدودية التمويل السكني يهددان جدوى المشروعات التي تستهدف شرائح واسعة من المواطنين، مهما بلغت التسهيلات الممنوحة، وقد يدفعان المطورين إلى التركيز على الشريحة الأعلى قدرة على الدفع.

وأشار إلى أن ذلك قد يُبقي الفجوة قائمة بين المستثمرين الراغبين في تطوير المشروعات العقارية والمواطنين الباحثين عن السكن، ما لم تتوافر أدوات تمويل مناسبة للطرفين.

رقابة على الأموال وحماية حقوق المشترين

وفي ظل هذه التحديات، تبرز أهمية الضوابط التي تضمن توجيه الأموال إلى المشروعات المخصصة لها، وتحمي حقوق المشترين في حال تعثر التنفيذ.

وشدد يوسف على ضرورة توفير الشفافية والرقابة الدقيقة على حركة الأموال، بما يضمن تخصيص المبالغ التي يدفعها المشترون للمشروعات التي جُمعت من أجلها، وعدم تحويلها إلى مشروعات أخرى.

وأشار إلى أن ذلك يتطلب مراقبة الشركات المنفذة، وتعزيز الشفافية في التعاملات والتحويلات المالية، وربط صرف الأموال بمراحل الإنجاز الفعلية، لضمان استخدام المبالغ المخصصة لكل مشروع في تنفيذ الأعمال المرتبطة به.

ولفت إلى أن تحقيق هذه المتطلبات يحتاج إلى وقت وجهد وبنية تحتية مناسبة، في ظل محدودية قدرات المصارف على أداء هذه المهام، وصعوبة توفير رقابة دقيقة تتناسب مع حجم العمليات المالية في القطاع العقاري.

وفي السياق نفسه، رأى وردة أن تعزيز ثقة المستثمرين يتطلب تعليمات تنفيذية منشورة وواضحة، ومدداً محددة للموافقات، وتنسيقاً فعالاً بين الجهات المعنية، ومعلومات موثوقة عن الأراضي وحقوق ملكيتها واشتراطاتها التنظيمية.

وأكد ضرورة توفير آليات لحماية أموال المشترين، ومعالجة حالات تعثر المشروعات أو تعثر المشترين في السداد، وتسوية النزاعات، ومتابعة مدى التزام المطورين بتنفيذ مشروعاتهم.
ونبّه إلى أهمية توضيح الإجراءات الكفيلة بإلزام المطورين بإنجاز المشروعات، والجزاءات المترتبة على الإخلال بالتزاماتهم، بما يضمن وضوح المسؤوليات وحماية حقوق الأطراف المعنية.

كما شدد على ضرورة ربط الاستفادة من التسهيلات بالتزام المطور بمراحل التنفيذ والإنجاز، وفق جدول زمني واضح وملزم.

قضاء متخصّص وتشريعات واضحة

إلى جانب الرقابة على الأموال ومتابعة تنفيذ المشروعات، يتطلب تنظيم الاستثمار العقاري وجود إطار قانوني واضح وآليات فعالة لحسم النزاعات.

وفي الجانب القانوني، أكد يوسف ضرورة توفير بيئة قضائية متخصصة في النزاعات الناشئة عن المشروعات العقارية وعمليات البيع على الخارطة، تتسم بالشفافية والقدرة على حسم القضايا خلال مدد زمنية قصيرة، بما يحد من امتداد النزاعات لسنوات طويلة.

كما دعا إلى وجود جهة واحدة تتولى متابعة هذه الملفات والإشراف عليها، بدلاً من توزيع المسؤوليات بين جهات متعددة، معتبراً أن توحيد جهة المتابعة يسهم في وضوح المسؤوليات وتعزيز الرقابة على المشروعات.

وشدد يوسف على ضرورة وضع قوانين واضحة وقابلة للتطبيق، يعدّها مختصون يمتلكون معرفة قانونية وعقارية واقتصادية، بما يضمن توافقها مع واقع السوق وإمكاناتها.

وفي ما يتعلق بالجوانب التي تستدعي مزيداً من التوضيح في الإطار التنظيمي الجديد، طرح وردة تساؤلات بشأن الجهة التي تتولى التحقق من نسب الإنجاز، ومصير أموال المشترين في حال تعثر المشروع، ومدى إمكانية استخدام المطور الأموال المخصصة لمشروع معين في تمويل مشروع آخر.

انعكاس التسهيلات على أسعار المساكن

ويبقى أثر التسهيلات على المواطنين، لا سيما قدرتهم على الحصول على مسكن بأسعار مناسبة، أحد الجوانب الأساسية في تقييم نتائج الإطار التنظيمي الجديد.

ورأى وردة أن انعكاس الإعفاءات والتسهيلات على أسعار المساكن ليس أمراً حتمياً، موضحاً أنها قد تؤدي إلى زيادة أرباح المطورين أو ارتفاع أسعار الأراضي، بدلاً من خفض السعر النهائي للمساكن.

وأكد أن أحد الأهداف المفترضة لهذه التسهيلات هو تعميم الفائدة على جميع المعنيين بالقطاع العقاري، وفي مقدمتهم المواطنون الذين يعانون ارتفاع الأسعار وينتظرون إجراءات تسهم في خفضها.

وشدد على أن الدولة معنية بمواطنيها أولاً، وأن نتائج أي تسهيلات تُمنح للمستثمرين وغيرهم ينبغي أن تصب في مصلحة المواطنين.

كما تساءل وردة عن موقع السكن الميسّر ضمن التسهيلات الجديدة، وما إذا كان جزء من الاستثمارات سيتجه إليه، ومدى تطبيق هيئة الاستثمار مبدأ المسؤولية الاجتماعية على المستفيدين من الإطار التنظيمي الجديد.

واعتبر أن الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها تساعد على تحديد مدى قدرة الإطار على إحداث أثر فعلي في السوق العقارية، وتوضيح التفاصيل التي يحتاج إليها المستثمر والمشتري والجهة العامة قبل اتخاذ قراراتهم.

أما يوسف، فرأى أن نجاح تنظيم الاستثمار العقاري والبيع على الخارطة يتطلب تطبيق القواعد التنظيمية، وتوفير البنية المصرفية والرقابية اللازمة، إلى جانب قضاء متخصص وتشريعات واضحة تراعي خصوصية الواقع السوري.

وعد ديب

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار