التعاون السوري-الإماراتي.. تحديث القطاع المصرفي وتوسيع الروابط المالية

زمن القراءة: 7 دقائق

تندرج مذكرة التفاهم السوريةـ الإماراتية في المجال المصرفي ضمن مسار يستهدف تطوير أدوات القطاع وتعزيز التعاون المالي بين البلدين، في مرحلة يسعى فيها القطاع المصرفي السوري إلى تحديث بنيته التقنية والرقابية وتطوير قدرته على تمويل النشاط الاقتصادي وتسهيل التجارة والاستثمار، مع إمكانية الاستفادة من التجربة الإماراتية في مجالات الخدمات المصرفية الرقمية وإدارة المخاطر والامتثال.

ويرتبط أثر هذا التعاون بمدى انتقاله من إطار التفاهم إلى برامج تنفيذية وتدريب ونقل معرفة وتطوير فعلي للأنظمة المصرفية، بما يمكن أن يسهم في تحسين كفاءة التحويلات والتسويات، وتعزيز قدرة المصارف السورية على بناء علاقات مالية خارجية وخدمة النشاط الاقتصادي.

ووقّع حاكم مصرف سوريا المركزي، صفوت رسلان، ومحافظ مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، خالد محمد بالعمى، مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في المجالات المالية والرقابية والتقنية ذات الاهتمام المشترك.

وبحسب ما ذكر المصرف المركزي، الثلاثاء الماضي، تشمل المذكرة أنظمة الدفع والسياسات النقدية والتقنيات المالية والتمويل المستدام والشمول المالي وحماية المستهلك، بما يدعم تطوير القطاع المصرفي وتعزيز كفاءته ومواكبته للمتطلبات والتطورات الإقليمية والدولية.

وأضاف أن المذكرة تشكل خطوة جديدة نحو توسيع التعاون المصرفي بين سوريا والإمارات.

الاستفادة من التجربة الإماراتية

وفي ظل حاجة القطاع المصرفي السوري إلى إعادة بناء علاقاته الخارجية وتحديث بنيته الرقابية والتقنية، يرى الخبير في الإدارة والاقتصاد الدكتور خليل الحمدان أن توقيت مذكرة التفاهم السورية ـ الإماراتية يمنحها أهمية خاصة، لما يمكن أن تتيحه من فرص لاستعادة دور المصارف في تمويل النشاط الاقتصادي وربط الاقتصاد السوري بالأسواق الإقليمية والدولية.

وأوضح الحمدان لصحيفة “الثورة السورية” أن التعاون مع الجانب الإماراتي يتيح فرصة للاستفادة من تجربة متقدمة في الخدمات المصرفية الرقمية وأنظمة الدفع والرقابة وإدارة المخاطر.

وأشار إلى أن المذكرة تمثل إطاراً مؤسسياً يمكن البناء عليه لتطوير العلاقات المصرفية الخارجية وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للتعاون والاستثمار، موضحاً أن قيمتها العملية ترتبط بما ينتج عنها من برامج تنفيذية وتعاون مصرفي فعلي.

واعتبر أن الجديد هو أن المذكرة تأتي في بيئة مختلفة، مع تحسن فرص إعادة دمج المؤسسات المالية السورية تدريجياً في النظام المالي الخارجي، ما يتيح الانتقال من تبادل الخبرات إلى بناء قدرات مؤسسية أكثر عمقاً.

ويمكن الاستفادة من التجربة الإماراتية، وفق الحمدان، في تحديث أنظمة الدفع والتسوية، وتقليل الاعتماد على النقد، وتطوير الخدمات المصرفية الإلكترونية والتقنيات المالية، إضافةً إلى تطوير الرقابة المصرفية وإدارة المخاطر والامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وأكد أن هذا الأمر مهم، لأن استعادة العلاقات المصرفية الدولية لا تعتمد فقط على رفع القيود القانونية، بل أيضاً على قدرة المصارف السورية على إثبات كفاءة أنظمة الامتثال وشفافية العمليات وإدارة المخاطر.

ولذلك، لفت الحمدان إلى أهمية أن يشمل التعاون نقل المعرفة والمعايير والممارسات المصرفية الحديثة، إلى جانب نقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر السورية عليها.

قنوات مصرفية تدعم التجارة والاستثمار

ويرتبط التعاون المصرفي، بحسب الحمدان، مباشرة بحركة التجارة والاستثمار، إذ يتطلب استدامتهما قنوات مصرفية قادرة على تحويل الأموال وتمويل التجارة وتسوية المدفوعات بكفاءة وأمان.

وكلما انخفضت صعوبات التحويل والتسوية والمخاطر المصرفية، أصبح دخول المستثمر والتاجر أسهل وأقل تكلفة، بما يمكن أن يدعم التجارة الخارجية والتحويلات والاستثمار وتمويل المشاريع والقطاعات الإنتاجية والبنية التحتية والطاقة والصناعة والخدمات.

كما تمثل الإمارات، بحسب الحمدان، مركزاً مالياً وتجارياً إقليمياً مهماً إلى جانب كونها سوقاً للمنتجات والخدمات، ويمكن لتطوير العلاقة المصرفية معها أن يفتح أمام الاقتصاد السوري مجالاً أوسع لإعادة بناء روابطه المالية والتجارية الخارجية.

وأضاف الخبير أن المذكرة تمثل إحدى حلقات تهيئة البيئة المصرفية للاستثمار، فيما يحتاج المستثمر أيضاً إلى استقرار تشريعي، وحماية لرأس المال، وإمكانية تحويل الأرباح، واستقرار نسبي في سعر الصرف، وقضاء تجاري فعال.

وأكد أن تطوير القطاع المصرفي يمثل عاملاً مهماً في جذب الاستثمار، إلى جانب مجموعة من المتطلبات التشريعية والاقتصادية والمؤسسية التي تحدد بيئة الاستثمار وقدرتها على استقطاب رؤوس الأموال.

من التفاهم إلى التنفيذ

ورأى الحمدان أن أهمية مذكرة التفاهم تتوقف على القدرة على تحويلها من إطار لتبادل الخبرات إلى خطوات عملية ونتائج ملموسة، معتبراً أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد توقيعها.

وأوضح أن المطلوب تحويل المذكرة إلى خطة تنفيذية محددة زمنياً، تتضمن فرقاً فنية مشتركة وبرامج للتدريب ونقل المعرفة ومشاريع قابلة للقياس، على أن تتصدر تحديث أنظمة الدفع والبنية الرقمية والأمن السيبراني والامتثال ومكافحة غسل الأموال وتطوير الرقابة القائمة على المخاطر وتأهيل الكوادر المصرفية أولويات التنفيذ.

واعتبر أن نجاح هذه الخطوات يرتبط بوصول التعاون إلى الكوادر المعنية بالتنفيذ، عبر إيفاد الموظفين والمسؤولين المصرفيين والفنيين والرقابيين إلى برامج تدريب عملي تتيح لهم الاطلاع المباشر على التجربة الإماراتية واكتساب الخبرات اللازمة لتطبيق أنظمة الدفع والرقابة والامتثال وإدارة المخاطر والتقنيات المالية، ثم نقلها إلى مؤسساتهم وزملائهم.

كما يمكن اعتماد نموذج «تدريب المدربين» لتوسيع نطاق نقل المعرفة والخبرات داخل المؤسسات المصرفية، وضمان استفادة عدد أكبر من الكوادر منها.

قياس النتائج

وتطرق الحمدان إلى ضرورة وضع مؤشرات واضحة لقياس النتائج، مثل عدد الكوادر التي تم تأهيلها، والأنظمة التي تم تحديثها، وتحسن سرعة التحويلات وتكلفتها، وقدرة المصارف السورية على إقامة علاقات مراسلة خارجية.

وأوضح أن تقييم النتائج يرتبط بما انتقل إلى أصحاب الشأن من معرفة وخبرة، وما تحول منها إلى تطبيق فعلي داخل القطاع المصرفي السوري، بما يتجاوز قياس التعاون بعدد الزيارات والاجتماعات والتوقيعات.

وأضاف الحمدان أن الأهمية الاستراتيجية للمذكرة تكمن في إمكانية مساهمتها في معالجة الفجوة بين الاقتصاد الحقيقي والنظام المصرفي، عبر تعزيز قدرة القطاع المصرفي على تمويل الإنتاج والاستثمار والتجارة، إلى جانب تقديم خدمات الودائع والتحويلات وربط الاقتصاد بالأسواق المالية الخارجية.

ورأى أن المرحلة الحالية تتيح فرصة لبناء قطاع مصرفي أكثر حداثة وشفافية وكفاءة، والاستفادة من تطوير أدواته وعلاقاته الخارجية في تعزيز قدرته على دعم النشاط الاقتصادي.

وشدد الحمدان على أن نجاح التعاون سيظهر في تحسن الخدمات المصرفية والتحويلات والتمويل، وفي قدرة المصارف السورية على تلبية احتياجات الاقتصاد الحقيقي وتطوير تعاملاتها مع النظام المالي الخارجي.

وعد ديب

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار