هل يستطيع العالم تنظيم الذكاء الاصطناعي دون كبح استثماراته؟-فيديو

زمن القراءة: 10 دقائق

تتسع الفجوة بين سرعة تطور الذكاء الاصطناعي وقدرة الحكومات على بناء قواعد تحكم استخدامه، في وقت تحولت فيه التكنولوجيا إلى أحد أكبر مجالات الاستثمار العالمي ومحرك محتمل للإنتاجية والنمو، وهو ما يجعل تنظيمها معادلة اقتصادية تتجاوز مسألة السلامة وحدها.

فالقواعد الصارمة قد ترفع تكلفة تطوير النماذج وتبطئ طرح التطبيقات وتثقل الشركات الناشئة، لكن ضعف الرقابة يحمل بدوره فاتورة قد تظهر في الاحتيال والهجمات السيبرانية والأخطاء الآلية وفقدان الثقة واضطرابات سوق العمل، وصولا إلى مخاطر يمكن أن تنتقل عبر النظام المالي.

وتزداد صعوبة المعادلة مع احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، واختلاف نماذج التنظيم عالميا، بينما يحاول الاتحاد الأوروبي بناء إطار قائم على درجات المخاطر، وتبحث الاقتصادات الأخرى عن قواعد تحمي المستخدمين من دون خسارة الاستثمار والتكنولوجيا.

فاتورة المخاطر

اكتسب النقاش زخما جديدا بعدما حذر مسؤولون وباحثون في شركات الذكاء الاصطناعي من مخاطر الأنظمة الأكثر استقلالية، بالتزامن مع الكشف عن حوادث مرتبطة باستخدام نماذج متقدمة في الهجمات السيبرانية وقدرتها المتزايدة على تنفيذ مهام متعددة الخطوات بأقل قدر من التدخل البشري.

ودفع ذلك مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى اعتبار التنظيم الذاتي الطوعي للشركات غير كاف، داعيا إلى الإبلاغ عن الحوادث الخطيرة والتحقق من قدرات النماذج وتعزيز الرقابة على الشركات التي تطور الأنظمة الأكثر تقدما.

لكن المخاطر التي تواجه الاقتصاد لا تحتاج إلى سيناريو يصل فيه الذكاء الاصطناعي إلى مستوى يهدد البشرية كي تصبح مكلفة.

ويقول أستاذ واستشاري هندسة النظم الرقمية والذكية زياد يوسف، للجزيرة نت، إن أول هذه المخاطر يرتبط بالأمن السيبراني والاحتيال، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي توسيع القدرة على إنتاج البرمجيات الخبيثة وانتحال الأصوات والهويات وتنفيذ الهجمات، وقد تتحمل البنوك وشركات التأمين والمستهلكون ومرافق البنية التحتية تكاليف هذه الهجمات.

ويضيف يوسف أن الثقة نفسها أصبحت أصلا اقتصاديا في سوق الذكاء الاصطناعي، لأن توسيع استخدام الأنظمة يتطلب السماح لها بالوصول إلى البيانات وتنفيذ مهام فعلية، وبالتالي فإن تراجع ثقة الشركات والمستهلكين قد يحد من تبني التكنولوجيا حتى مع استمرار تحسن قدراتها.

مخاطر مترابطة

ويتفق المختص في قطاع التكنولوجيا محمد السويسي على وضع الأمن السيبراني في مقدمة المخاطر الاقتصادية، مع انتقال النشاط الاقتصادي بصورة متزايدة إلى الأنظمة الرقمية ودخول وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى عمليات كانت تحتاج سابقا إلى تدخل بشري مباشر.

ويقول السويسي، خلال حديثه للجزيرة نت، إن المخاطر تصبح أكثر حساسية عندما ترتبط بالبنوك وشركات التأمين والمؤسسات الحكومية والشركات الكبرى والصغيرة، لأن أي اختراق أو تصرف غير متوقع من نظام يتمتع بصلاحيات واسعة يمكن أن يمتد أثره إلى مؤسسات أخرى مترابطة معه.

ولا يحصر السويسي المشكلة في الأمن، إذ يشير إلى تحد آخر يتعلق بقدرة الاقتصادات والشركات على استيعاب التكنولوجيا، في ظل نقص المهارات وارتفاع تكلفة بعض النماذج والبنية التحتية اللازمة لتشغيلها.

كما يحذر من أن الاعتماد الواسع على عدد محدود من الشركات المزودة للنماذج والحوسبة السحابية قد يخلق شكلا من التبعية التكنولوجية، خصوصا عندما تستخدم المؤسسات بيانات اقتصادية وتجارية حساسة داخل أنظمة تسيطر عليها شركات خارج أسواقها المحلية.

ويضاف إلى ذلك سوق العمل، إذ يقدر صندوق النقد الدولي أن نحو 40% من الوظائف عالميا معرضة بدرجات مختلفة لتأثير الذكاء الاصطناعي، من خلال استبدال بعض المهام أو تغيير طبيعة الوظائف ومتطلبات المهارات.

نحو 40% من الوظائف عالميا معرضة بدرجات مختلفة لتأثير الذكاء الاصطناعي
نحو 40% من الوظائف عالميا معرضة بدرجات مختلفة لتأثير الذكاء الاصطناعي (أدوبي ستوك)

كلفة السلامة

غير أن تطبيق هذه الضوابط يفرض تكاليف إضافية على الشركات، تشمل اختبار النماذج وتعزيز الأمن السيبراني وحوكمة البيانات، إلى جانب التوثيق والتدقيق القانوني ومراقبة الأنظمة بعد إطلاقها، في حين قد تتطلب النماذج الأعلى خطورة تقييما مستقلا قبل إتاحتها للمستخدمين.

ويقول السويسي إن هذه المتطلبات ترفع رأس المال المطلوب قبل الوصول إلى السوق، وقد تؤخر إطلاق التطبيقات بسبب المراحل الإضافية من الفحص والتوثيق والموافقة، وهو عبء تستطيع الشركات الكبرى تحمله بدرجة أكبر من الشركات الناشئة.

لكن هذه الكلفة، بحسب السويسي، تجب مقارنتها بما يمكن أن توفره لاحقا، لأن الأعطال وتسرب البيانات والدعاوى القضائية وسحب المنتجات من السوق قد تكون أكثر تكلفة من اكتشاف الخلل قبل الإطلاق.

ويتفق يوسف مع ذلك، مشيرا إلى أن السلامة ترفع كلفة التطوير في البداية، لكنها يمكن أن تخفض فاتورة المشكلات بعد الانتشار، خصوصا عندما يستخدم النظام على نطاق واسع.

متطلبات تنظيم الذكاء الاصطناعي ترفع رأس المال المطلوب وقد تؤخر وصول التطبيقات إلى السوق
متطلبات تنظيم الذكاء الاصطناعي ترفع رأس المال المطلوب وقد تؤخر وصول التطبيقات إلى السوق (بيكسلز)

ثقة المستثمرين

وتبرز معضلة أخرى مع تحول البيئة التنظيمية إلى عامل مؤثر في قرارات الاستثمار وتوجيه رؤوس الأموال، إذ تتبنى الولايات المتحدة نهجا يمنح مساحة أكبر للابتكار والمنافسة التكنولوجية، بينما يعتمد الاتحاد الأوروبي نموذجا يصنف أنظمة الذكاء الاصطناعي وفق مستوى المخاطر ويفرض متطلبات أشد على الأنظمة عالية الخطورة، في حين تجمع الصين بين تنظيم التكنولوجيا وتعزيز الأمن وتوسيع القدرات المحلية.

ويقول يوسف إن التنظيم يمكن أن يدعم الاستثمار عندما يمنح الشركات والممولين إجابات واضحة عن الأنشطة المسموح بها، والمسؤولية القانونية، والاختبارات المطلوبة، وحجم المخاطر التي ينبغي تسعيرها قبل ضخ رأس المال.

لكن القواعد قد تعطي النتيجة المعاكسة عندما تصبح غامضة أو متغيرة أو مكلفة بصورة لا تتناسب مع المخاطر، وهو ما قد يدفع الشركات إلى نقل بعض عمليات التطوير أو إطلاق المنتجات إلى أسواق أخرى.

ويلخص يوسف المعادلة بأن رأس المال لا يهرب بالضرورة من وجود القواعد، بقدر ما يتأثر بالقواعد غير الواضحة والمتغيرة وغير المتناسبة مع مستوى المخاطر.

ويرى السويسي -بدوره- أن الوضوح يقلل الغموض القانوني ويسمح للمستثمر بحساب تكلفة الامتثال قبل ضخ الأموال، خصوصا في قطاعات حساسة مثل البنوك والتأمين والصحة والنقل، لكنه يحذر من أن الإجراءات المعقدة والباهظة قد تتحول إلى عائق أمام دخول منافسين جدد.

وضوح قواعد الذكاء الاصطناعي يساعد المستثمرين على حساب تكلفة الامتثال قبل ضخ رؤوس الأموال
وضوح قواعد الذكاء الاصطناعي يساعد المستثمرين على حساب تكلفة الامتثال قبل ضخ رؤوس الأموال (غيتي)

هيمنة العمالقة

وقد يؤدي التنظيم إلى نتيجة غير مقصودة تتمثل في تعزيز أفضلية شركات التكنولوجيا الكبرى، لقدرتها على تحمل تكاليف الامتثال وفرقها القانونية والهندسية الضخمة، بينما تواجه الشركات الناشئة المتطلبات نفسها بموارد مالية وبشرية محدودة.

ويحذر يوسف من أن فرض تكلفة ثابتة مرتفعة للامتثال بصرف النظر عن حجم الخطر قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، إذ يسعى المنظم إلى خفض مخاطر الذكاء الاصطناعي لكنه ينتهي بتعزيز هيمنة الشركات الكبرى.

ويقترح معالجة ذلك من خلال مستويات مختلفة للرقابة، تبدأ بمتطلبات أساسية للخصوصية والأمن والشفافية في التطبيقات منخفضة المخاطر، وترتفع في مجالات مثل الائتمان والتوظيف والصحة، وصولا إلى اختبارات ومراقبة أكثر صرامة للنماذج القادرة على تنفيذ هجمات سيبرانية أو التعامل مع أنظمة حرجة.

ويمكن دعم الشركات الأصغر، وفق يوسف، عبر تبسيط متطلبات التوثيق، وتوفير بيئات اختبار تنظيمية وإرشادات موحدة ومرافق تقييم مشتركة أو مدعومة، بما يخفض التكلفة الثابتة للامتثال ويحد من الضغوط على مواردها.

ويتفق السويسي مع هذا النهج، ويرى أن أدوات الترجمة والمساعدة المكتبية لا ينبغي أن تعامل تنظيميا بالطريقة نفسها التي تعامل بها التطبيقات المستخدمة في البنوك والصحة والتوظيف.

ويضيف أن البيئات التجريبية التنظيمية يمكن أن تمنح الشركات الناشئة فرصة لاختبار منتجاتها قبل تحمل كامل الالتزامات، لأن ارتفاع كلفة الامتثال بدرجة تفوق قدرة الشركات الصغيرة قد يقلص الابتكار ويترك السوق بصورة أكبر للشركات العملاقة.

مستقبل الوظائف

ولا تقتصر التداعيات الاقتصادية للتنظيم على الشركات، إذ تمتد إلى سوق العمل، مع تقديرات لصندوق النقد الدولي تشير إلى تعرض نحو 40% من الوظائف عالميا لتأثير الذكاء الاصطناعي، بين وظائف قد ترتفع إنتاجيتها وأخرى قد تتراجع الحاجة إلى بعض مهامها.

وهذا يعني أن السياسة العامة لا تواجه فقط سؤال كيفية منع نظام غير آمن، وإنما كيفية إدارة انتقال اقتصادي يمكن أن يعيد توزيع الدخل والمهارات والفرص بين القطاعات والعمال.

وتشير بعض التحليلات إلى أن ضعف إدارة التحول في سوق العمل قد يجعل مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي عاملا في اتساع عدم المساواة، إذا تركزت العوائد لدى مالكي رأس المال والتكنولوجيا، بينما يتحمل العمال الجزء الأكبر من تكلفة إعادة هيكلة الوظائف.

في المقابل، قد يؤدي الإفراط في تقييد التكنولوجيا إلى إبطاء المكاسب المحتملة في الإنتاجية والابتكار، وهو ما يجعل سياسات التدريب وإعادة التأهيل وشبكات الحماية الاجتماعية جزءا مكملا لتنظيم الذكاء الاصطناعي، وليس بديلا عنه.

ويرى يوسف أن نجاح التنظيم لا يقاس بعدد القوانين أو حجم الغرامات وحدهما، بل بقدرته على تحقيق توازن بين مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والتقنية.

وتشمل هذه المؤشرات تطور الحوادث السيبرانية والاحتيال والأضرار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع الاستثمار ورأس المال الجريء وتأسيس الشركات الجديدة ومعدلات تبني التكنولوجيا والإنتاجية ودرجة المنافسة وتكلفة الامتثال وثقة المستخدمين.

فاستمرار الاستثمار والإنتاجية وتأسيس الشركات بالتزامن مع تراجع الحوادث الكبيرة قد يشير إلى قدرة القواعد على الجمع بين النمو والسلامة.

طارق الشال

المصدر: الجزيرة
آخر الأخبار