«إعمار 2026».. 356 شركة من 27 دولة تفتح مسارات جديدة أمام الاستثمار وإعادة البناء في سوريا

زمن القراءة: 10 دقائق

العالم الاقتصادي- روعة غنم:

تتحول إعادة الإعمار في سوريا- تدريجياً- من حاجة ملحّة إلى مساحة اقتصادية واسعة؛ تتقاطع فيها فرص الاستثمار مع توسع الشراكات العربية والدولية، في وقت بدأت فيه شركات من أسواق مختلفة تتجه نحو السوق السورية لاستكشاف مشاريعها واحتياجاتها في قطاعات الإنشاءات والطاقة والصناعة والتطوير العقاري.

وفي هذا السياق انطلقت في مدينة المعارض الجديدة فعاليات الدورة الثانية من المعرض الدولي لإعمار سوريا «إعمار 2026»، الذي تنظمه شركة «إفكت بلس» لتنظيم المعارض والمؤتمرات، بمشاركة 356 شركة محلية وعربية وعالمية من 27 دولة، تمثل أكثر من 1700 وكالة تجارية، وبزيادة بلغت 145 بالمئة مقارنة بالدورة السابقة، في مؤشر إلى: تنامي الاهتمام بالفرص التي تتيحها مرحلة إعادة الإعمار، واتساع دائرة الشركات الراغبة في الحضور إلى السوق السورية.

ويستمر المعرض حتى 16 أيلول الجاري، برعاية وزارات الاقتصاد والصناعة، والسياحة، والإدارة المحلية والبيئة، وهيئة الاستثمار السورية، واتحاد غرف التجارة السورية، ومجالس الأعمال السورية المشتركة، ويجمع ممثلين عن الجهات الحكومية والمستثمرين وصنّاع القرار ضمن أربعة قطاعات رئيسة هي الطاقة والصناعة والإنشاءات والتطوير العقاري.

ولا تقتصر فعاليات «إعمار 2026» على عرض المنتجات والخدمات، إذ يتضمن البرنامج لقاءات ثنائية بين رجال الأعمال B2B، وندوات متخصصة وجلسات حوارية بمشاركة خبراء وصنّاع سياسات اقتصادية، بهدف الانتقال من التعارف وعرض الإمكانات إلى بحث فرص التعاون والاستثمار وتحويل المشاريع المطروحة إلى شراكات واتفاقات قابلة للتنفيذ.

ويعكس الحضور الإقليمي والدولي اتساع الاهتمام بالسوق السورية، مع مشاركة هيئة تنمية الصادرات السعودية، ووزارة البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي التركية، وإدارة الإسكان التركية «توكي»، ورابطة الصناعيين ورجال الأعمال المستقلين «مُسِياد»، إلى جانب بيت التصدير الأردني.

سوق جديدة وشراكات طويلة الأمد

وتبرز أهمية المعرض في كونه مساحة تجمع بين احتياجات إعادة الإعمار، والشركات القادرة على توفير رأس المال والخبرة والتكنولوجيا والحلول التنفيذية، بما يعزز فرص بناء شراكات طويلة الأمد بين المستثمرين والقطاع الخاص والجهات الحكومية.

مصطفى ترجمان ـ مدير مبيعات فرع دمشق في شركة امتلاك العقارية

وفي هذا الإطار، قال مصطفى ترجمان- مدير مبيعات فرع دمشق في شركة «امتلاك» العقارية، في تصريح لمجلة العالم الاقتصادي، إن الشركة تعمل أساساً في مجال التسويق العقاري، وانطلقت من تركيا ثم توسعت في دول الخليج العربي، قبل أن تبدأ نشاطها في سوريا، موضحاً أن حضورها في دمشق يتركز حالياً على التسويق العقاري، بينما تعمل في حلب في مجال التطوير العقاري.

وأوضح أن مشاركتهم في «إعمار» ليست الأولى من حيث الحضور، لكنها المرة الأولى التي تشارك فيها الشركة بصفتها جهة تطوير عقاري بالتعاون مع شركائها، معتبراً أن المرحلة الحالية تتطلب مساهمة جميع الأطراف في عملية البناء، سواء من الشركات المحلية أو المستثمرين الذين اكتسبوا خبرات خارج سوريا.

وأشار ترجمان إلى أن هدف الشركة يتمثل في: نقل الخبرات والرؤية التي اكتسبتها خارج البلاد إلى السوق السورية، والعمل على تطوير مشاريع سكنية متكاملة الخدمات، بما فيها مشاريع «كومباوند» وتسليم الوحدات السكنية على المفتاح، مع الأخذ في الحسبان احتياجات السوق الجديدة وتطلعات السكان.

القطاع الخاص شريك أساسي في إعادة الإعمار

ويرى ترجمان أن القطاع الخاص سيكون أحد المحركات الأساسية لعملية إعادة الإعمار، خصوصاً أن حجم الاحتياجات يتطلب: تكامل الأدوار، وعدم تحميل الدولة وحدها أعباء البناء وإعادة التأهيل.

وقال: إن الشركات الخاصة مطالبة بالمساهمة بكل ما تستطيع في عملية البناء، بالتوازي مع دور الدولة والجهات الحكومية، لافتاً إلى أن الشركات الأجنبية التي تدخل إلى السوق السورية يمكن أن تشكل أيضاً جزءاً من هذه المنظومة من خلال التعاون مع الجهات الحكومية المعنية، بما يخلق نموذجاً تشاركياً في تنفيذ مشاريع الإعمار.

وأضاف أن إعادة الإعمار لا تتوقف عند قطاع واحد، بل تشمل مختلف القطاعات، إلا أن السكن يمثل، في رأيه، أولوية مهمة، باعتباره مرتبطاً مباشرةً بإمكانية عودة السوريين واستقرار الأسر التي تشكلت خلال سنوات وجودها خارج البلاد.

وأوضح أن كثيراً ممن غادروا سوريا أصبحوا اليوم أسراً، ما يجعل توفير مساكن ومجتمعات سكنية مناسبة عاملاً مهماً في تشجيع العودة والاستقرار، خصوصاً مع اختلاف مستوى الخدمات وأنماط السكن التي اعتاد عليها السوريون في الخارج.

السكن والتمويل.. مدخلان لتوسيع قاعدة الطلب

وفي ما يتعلق بارتفاع أسعار العقارات وإمكانية إيجاد حلول لأزمة السكن، ربط ترجمان تطور السوق بدخول مزيد من المشاريع والشركات، معتبراً أن زيادة المنافسة يمكن أن تسهم في تحسين الأسعار والشروط التمويلية أمام المشترين.

ولفت إلى أن المشاريع الأولى قد تستهدف شرائح معينة من السوق، إلا أن اتساع قاعدة الشركات والمشاريع يمكن أن يقود لاحقاً إلى حلول أكثر ملاءمة للشرائح المتوسطة وتحت المتوسطة، معتبراً أن التقسيط طويل الأجل قد يكون أحد المسارات المهمة لتوسيع القدرة على التملك.

وأشار إلى أن المنافسة قد لا تؤدي بالضرورة إلى انخفاض كبير في سعر المتر، لكنها يمكن أن تترجم إلى شروط سداد أفضل، مثل تمديد فترات التقسيط من سنتين أو أربع سنوات إلى فترات أطول قد تصل إلى 10 أو 20 عاماً، بما يتيح لفئات أوسع من المجتمع الدخول إلى سوق التملك.

ويرى ترجمان أن البناء يشكل نقطة انطلاق لسلسلة واسعة من الأنشطة والخدمات، إذ إن تطوير المناطق السكنية يستدعي بالتوازي توفير الكهرباء والمياه والخدمات والبنية التحتية، ما يجعل قطاع الإنشاءات والتطوير العقاري جزءاً من منظومة اقتصادية أوسع لإعادة تأهيل المدن.

عودة الخبرات ورأس المال إلى السوق السورية

وبالنسبة للسوريين الموجودين خارج البلاد، دعا ترجمان إلى إعادة توجيه جزء من الخبرات والاستثمارات إلى الداخل، معتبراً أن العودة لا تعني بالضرورة التخلي عن الأعمال والاستثمارات القائمة في الخارج.

وقال: إن امتلاك السوريين لمشاريع أو استثمارات خارج البلاد أمر طبيعي، لكن الأهم هو توجيه جزء من هذه الإمكانات إلى السوق السورية، سواء عبر مشاريع التطوير العقاري أو السكن أو أي نشاط يرتبط بإعادة الإعمار، بما يسهم في نقل الخبرة ورأس المال إلى الاقتصاد المحلي.

كما لمس ترجمان تغيراً واضحاً في أجواء معرض «إعمار» مقارنة بالدورات السابقة، لافتاً إلى ارتفاع مستوى الشركات المشاركة وظهور أسماء جديدة وأكثر احترافية، إلى جانب مشاركة شركات كبيرة.

واعتبر أن التغيير لا يقتصر على طبيعة المشاركين، بل يطول نظرة المجتمع نفسه إلى مرحلة إعادة الإعمار، موضحاً أن الزوار في المراحل الأولى كانوا يأتون بدرجة أكبر بدافع الاستطلاع، بينما بات الحضور اليوم أكثر ثقة ورغبة في معرفة المشاريع والفرص الجديدة التي بدأت تظهر في السوق السورية.

الحضور الأردني.. اهتمام بالإنشاءات وتوريد مواد البناء

ويمثل الحضور الأردني في المعرض أحد مؤشرات توسع المشاركة العربية في مسار إعادة الإعمار، مع مشاركة شركات تبحث عن فرص مباشرة في السوق السورية، مستفيدة من القرب الجغرافي والخبرات المتراكمة في قطاعات البناء والإنشاء والتوريد.

حنين زيادين ـ شركة “رامي زيادين للمقاولات” الأردنية

وفي تصريح لمجلة العالم الاقتصادي، قالت حنين زيادين من شركة «رامي زيادين للمقاولات» الأردنية، إن الشركة أُسست عام 1995 وتعمل في قطاع البناء والإنشاء، سواء من خلال العطاءات الخاصة أو الحكومية، إلى جانب نشاطها في توريد مواد البناء إلى عدد من الدول.

وأوضحت أن مشاركة الشركة في «إعمار 2026» هي الأولى لها في المعرض، معربة عن ارتياحها للأجواء التي تشهدها السوق السورية، ولا سيما مع ما وصفته ببداية جديدة؛ تفتح المجال أمام فرص أوسع للشركات والأفراد؛ وتعزز العمل المشترك بين الدول العربية.

وأكدت أن الشركة لديها خطط كبيرة للوجود في سوريا والمساهمة في إعادة الإعمار، مشيرة إلى أنها تتطلع إلى التعاون مع القطاعين العام والخاص على حد سواء، مع تركيز أساسي على قطاع الإنشاءات وتوريد مواد البناء.

وترى زيادين أن أهمية المشاركة لا تقتصر على عرض إمكانات الشركة، بل تمتد إلى بناء شبكة من العلاقات مع الشركات والأفراد المشاركين، موضحة أن المعرض أتاح لها التعرف إلى عدد كبير من الجهات والفرص التي يمكن تطويرها مستقبلاً.

وشجعت الشركات الراغبة في دخول السوق السورية على خوض التجربة، معتبرة أن المعرض يشكل مساحة لفتح فرص جديدة في المرحلة الحالية والمقبلة، ومؤكدة أن شركتها تتطلع إلى استمرار حضورها في المعارض والفعاليات الاقتصادية التي تقام في سوريا.

من منصة عرض إلى بوابة للمشاريع

وتأتي «إعمار 2026» في مرحلة يتزايد فيها التركيز على تحويل الانفتاح الاقتصادي إلى مشاريع فعلية، وعلى بناء بيئة قادرة على: استقطاب الاستثمارات، وتوفير الشراكات اللازمة لتنفيذها.

وتعزز اللقاءات الثنائية والفعاليات المتخصصة التي يشهدها المعرض فرص الربط بين أصحاب المشاريع والموردين والمطورين والمستثمرين والجهات الحكومية، بما يجعل المعرض مساحة عملية لـ: اختبار احتياجات السوق، بحث الحلول، وتحديد فرص التعاون.

ومع مشاركة 356 شركة من 27 دولة وأكثر من 1700 وكالة تجارية، تبدو دورة «إعمار 2026» أكثر ارتباطاً بالجانب التنفيذي من عملية إعادة الإعمار، حيث تتجه الأنظار من مجرد استكشاف السوق إلى بناء علاقات وشراكات يمكن أن تتحول إلى مشاريع في قطاعات تمس- بصورة مباشرة- مستقبل المدن والبنية التحتية والنشاط الاقتصادي في سوريا.

آخر الأخبار