مدراء تقاعدوا .. ماذا تخسر الشركات بعد رحيل الخبرة؟

زمن القراءة: 8 دقائق

تقاعد “بوب إيجر” من شركة ديزني في كانون الأول2021، بعدما سلّم منصب الرئيس التنفيذي لـ”بوب تشابك”، وظل فترة رئيسًا تنفيذيًا لمجلس الإدارة، لكن في تشرين الثاني 2022، أعاده المجلس لقيادة الشركة، بعد نحو أحد عشر شهرًا من مغادرته النهائية.

واللافت هو تفسير المجلس نفسه للعودة؛ إذ قالت رئيسته آنذاك “سوزان أرنولد” إن “إيجر” مؤهل بصورة استثنائية لقيادة الشركة خلال مرحلة التحول.

وقبل إعلان عودته، كشفت الشركة عن خسائر تشغيلية لقطاع الخدمات المباشرة للمستهلك، الذي يضم خدمات البث، بلغت نحو 1.47 مليار دولار أمريكي في الربع المالي الرابع من 2022.

بالطبع لا يمثل هذا الرقم تكلفة مباشرة لتقاعده، لكنه يوضح حجم التحديات التي واجهت الشركة عند استدعائه مجددًا.

ولهذا لا تخسر الشركة عند تقاعد مديرها شخصًا يشغل منصبًا فحسب، بل قد تفقد جزءًا من قدرتها على تفسير أعمالها واتخاذ قراراتها، وتزداد أهمية المشكلة مع خروج أعداد كبيرة من أصحاب الخبرات الطويلة من سوق العمل.

أصل لا يظهر في الميزانية

لا تقتصر قيمة الشركات على الأصول المادية التي تملكها؛ فجزء كبير منها يرتبط بأصول لا يمكن لمسها، من التقنيات والعلامات التجارية إلى المعرفة التي تنظم العمل.

وبحسب دراسة أوشن تومو لتقييم الأصول غير الملموسة، مثّلت هذه الأصول نحو 92% من القيمة السوقية لشركات مؤشر إس آند بي 500 بنهاية 2025، مقابل 17% في 1975، إذ تشمل تلك الأصول خبرات موظفيها.

أما المسح الذي أجرته بانوبتو فيقدم مؤشرًا أكثر وضوحًا بهذا الشأن، إذ قدّر التقرير أن 42% من المعرفة المرتبطة بالوظيفة فريدة لدى صاحبها ولا يشاركه فيها زملاؤه، وذلك استنادًا إلى إجابات 1001 موظف أمريكي.

كما تناولت دراسة أكاديمية منشورة في دورية مراجعة الاقتصاد والإحصاء عام 2025 هذا الاعتماد على الأشخاص من زاوية مختلفة؛ إذ استخدم الباحثون الوفاة المبكرة للموظفين لدراسة أثر فقدانهم على الشركات الناشئة.

ووجدوا أن فقدان موظف انضم خلال السنة الأولى من تأسيس الشركة يؤدي إلى انخفاض التوظيف والإيرادات بأثر قد يستمر لعقد على الأقل، بينما يكون أثر فقدان موظف انضم لاحقًا محدودًا ومؤقتًا.

ويرجع الباحثون هذا الأمر إلى احتفاظ الموظفين الأوائل بمعرفة تنظيمية يصعب تعويضها، وتقدم الدراسة دليلًا على أن استبدال الموظف لا يعوض تلقائيًا مساهمته المتراكمة في بناء الشركة.

ولا تنحصر قيمة هذه المعرفة في الإيرادات؛ فقد وجدت دراسة نُشرت في جورنال أوف مانجمنت عام 2025، وشملت نحو 19 ألف منشأة لفترة امتدت 16 عامًا، ارتباطًا بين تراكم المعارف والمهارات لدى المديرين داخل الشركة نفسها وتحسن السلامة المهنية.

وكان الارتباط أوضح في المنشآت الأضعف اهتمامًا بالسلامة، ما يضيف بُعدًا آخر لقيمة الخبرة مثل قدرتها على حماية العاملين.

فاتورة تبدأ بعد المغادرة

نادراً ما تظهر خسارة المعرفة في بند مالي مستقل؛ إذ تتوزع كلفتها بين تأخر المشروعات، وتكرار الأخطاء، وتدريب البدلاء، والاستعانة بمستشارين.

وتقدم أزمة بوينج في التسعينيات من القرن الماضي مثالًا على اتساع هذه الفجوة، فبحسب الباحث “ديفيد ديلونج”، أتاحت الشركة التقاعد المبكر لنحو تسعة آلاف موظف مخضرم خلال فترة تباطؤ الأعمال، قبل أن تواجه تدفقًا غير متوقع لطلبات الطائرات التجارية.

وعندما احتاجت إلى زيادة الإنتاج، أسهم فقدان معرفة العاملين السابقين وقلة خبرة بدائلهم في اضطراب عمليات التجميع.

وفي تشرين الأول 1997، أعلنت الشركة وقف خطي إنتاج طرازي 737 و747 لنحو شهر ضمن خطة لإعادة تنظيم العمل، كما أشارت إلى أعباء متوقعة بقيمة 1.6 مليار دولار في الربع الثالث، مرتبطة بمعالجة اضطرابات الإنتاج وتكاليف تأخر التسليم.

وأوضح رئيسها التنفيذي آنذاك، “فيل كونديت”، أن اختلال تسلسل العمليات تسبب في أوجه قصور امتدت عبر سلسلة الإنتاج بأكملها.

ولم تكن تلك الفاتورة ناتجة عن فقدان الخبرة وحده؛ فقد أشارت بوينج أيضًا إلى نقص المواد الخام وقطع الغيار لدى الشركة ومورديها، وصعوبات رفع الإنتاج مع إضافة آلاف الموظفين الجدد.

لكن “ديلونج” اعتبر أن خسارة المعرفة عامل رئيسي في الأزمة، وهو ما يجعل الواقعة مثالًا على تداخل كلفة التقاعد مع مشكلات التشغيل، إذ تظهر المصروفات تحت بند إصلاح الإنتاج وتأخر التسليم، بينما يكون جزء من أسبابها قد خرج من المصنع مع موظفيه السابقين.

شركات تستأجر خبرتها من جديد

أدركت شركة بوش الألمانية مبكرًا أن التقاعد لا يعني انتهاء صلاحية الخبرة، ففي 1999، أنشأت نظامًا لإعادة توظيف متقاعديها في مهام استشارية ومشروعات مؤقتة، وبدأ البرنامج بـ30 موظفًا سابقًا.

ولم تتوقف تجربة بوش عند استدعاء عدد محدود من المتقاعدين؛ فبحسب بيانات البرنامج لعام 2024، تجاوز عدد الخبراء المتاحين للاستعانة بهم 2600 خبير حول العالم، قدموا خلال العام 56 ألف يوم عمل، وبلغ رضا الجهات المستفيدة من خدماتهم 94%.

وتذكر الشركة أنها تستعين بهؤلاء عندما تحتاج إلى خبرة أو كفاءة لم تعد متوافرة داخل فرق العمل، أو عندما لا تكفي قدراتها الحالية لإنجاز المهام المطلوبة.

وتتيح هذه التكليفات المؤقتة أيضًا للموظفين الأصغر سنًا التعلم من زملائهم المتقاعدين، بما يساعد على إبقاء المعرفة المتراكمة داخل المؤسسة.

إعداد البديل.. تكلفة تتجاوز التدريب

يمكن للشركة أن تمنح موظفًا جديدًا لقبًا إداريًا بقرار، لكن إعداده لتحمل مسؤولياته يستغرق وقتًا أطول.

ففي شركة يونيليفر، يمتد برنامج قادة المستقبل في المملكة المتحدة وأيرلندا لثلاث سنوات، يتنقل خلالها الخريجون بين مهام داخل الشركة، ويحصلون على التدريب والإرشاد المهني استعدادًا لأدوار قيادية.

وحتى هذا المسار المصمم لتسريع التطور الوظيفي يتطلب سنوات من التعلم أثناء العمل، ومشاركة المديرين القائمين في إعداد خلفائهم.

وتبدأ الفاتورة من الإنفاق المباشر على التعلم؛ إذ أظهر تقرير مجلة ترينينج أن متوسط إنفاق المؤسسات الأمريكية المشمولة بالمسح في عام 2025 بلغ 874 دولارًا لكل متعلم سنويًا، مقابل 774 دولارًا في العام السابق.

لكن هذا الرقم يمثل متوسط الإنفاق على التدريب، وليس تكلفة تحويل خريج إلى مدير.

وبالتالي، لا يعني تلقائيًا توافر البديل عند الحاجة، فبحسب نتائج عرضتها شركة دي دي آي المتخصصة في تطوير القيادات، تعطي 75% من المؤسسات الأولوية للترقية الداخلية، لكن المرشحين من داخلها يستطيعون شغل متوسط 49% فقط من المناصب الرئيسية فورًا.

وإذا واجهت المؤسسة هذا النقص بالبحث عن قيادة من خارجها، تظهر فاتورة مختلفة؛ فقد بلغ متوسط تكلفة التوظيف للمنصب التنفيذي نحو 35.9 ألف دولار أمريكي، مقابل 5.4 ألف دولار للمنصب غير التنفيذي، وفق مسح أجرته جمعية إدارة الموارد البشرية في عام 2025.

وبالتالي، لا تحدث خسارة الخبرة في لحظة خروج الموظف، بل تبدأ حين تسمح الشركة للمعرفة الحرجة بأن تبقى حبيسة شخص واحد.

ومن ثم لا يكون السؤال الأهم: من سيشغل مكتب المدير بعده؟ بل: ما القرارات التي ستصبح أصعب، وأي علاقات ستنقطع، وما الأخطاء التي قد تعود بعد تقاعده؟

قد تغادر الخبرة الشركة عبر التقاعد، لكن توقيت هذا التقاعد معروف غالبًا قبل سنوات. ولذلك فإن المعرفة التي تختفي معه ليست خسارة مفاجئة تمامًا؛ إنها أصل عرف أصحابه موعد مغادرته، لكنهم لم يشعروا بها إلا عندما أصبح المكتب فارغًا.

المصادر: أرقام- شركة ديزني- شركة بوينج- شركة بوش- أوشن تومو- بانوبتو ويوجوف- دورية مراجعة الاقتصاد والإحصاء- دورية جورنال أوف مانجمنت- شركة يونيليفر- مجلة ترينينغ- شركة دي دي آي- جمعية إدارة الموارد البشرية

آخر الأخبار