العالم الاقتصادي – روعة غنم:
في مشهد يعكس تنامي النشاط الاقتصادي وتوسع احتياجات سوق العمل في سوريا، انطلقت فعاليات ملتقى فرص العمل الخامس Job Gate 2026، الذي تنظمه مؤسسة إدارة الموارد البشرية في سوريا (IHRM) برعاية وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بمشاركة واسعة من الشركات والمؤسسات العاملة في قطاعات اقتصادية متعددة.
ويأتي الملتقى تحت شعار «موارد بشرية سورية ذكية برؤية عالمية»، جامعاً بين أصحاب العمل والباحثين عن فرص وظيفية ضمن مساحة واحدة، مع طرح أكثر من 20 ألف فرصة عمل حقيقية في مختلف الاختصاصات والمستويات المهنية، بما فيها فرص مخصصة لأصحاب المهن والحرف إلى جانب الخريجين والاختصاصيين.
وتعكس المشاركة الواسعة من الشركات والمؤسسات التي تتضمن ٥٤ شركة محلية و إقليمية و دولية، حسب القائمين على الملتقى، تنامي الحاجة إلى الكفاءات والمهارات؛ مع عودة النشاط الاقتصادي وبدء تأسيس وتوسيع أعمال جديدة، بينما يبرز الملتقى كحلقة وصل بين احتياجات سوق العمل من جهة، والطاقات البشرية السورية من جهة أخرى.
أكثر من 20 ألف فرصة عمل ومشاركة واسعة

أكد البروفيسور منير عباس- رئيس مجلس أمناء مؤسسة إدارة الموارد البشرية في سوريا (IHRM)، أن النسخة الخامسة من الملتقى تبنى على نجاح أربع نسخ سابقة، وتشهد وجود أكثر من 20 ألف فرصة عمل بمشاركة كبرى الشركات المحلية والدولية.
وأوضح أن ما يميز نسخة هذا العام هو اتساع نطاق الفرص لتشمل مختلف الفئات المهنية، وليس الجامعيين فقط، لافتاً إلى وجود طلب على أصحاب المهن والاختصاصات الفنية، مثل العاملين في مجالات الصحية، والبلاط واللحام الكهربائي وصيانة وتشغيل الآلات الصناعية، وآلات النسيج والصناعات الغذائية.
وأشار إلى أن هذه المشاركة تعكس، في رأيه، تحولاً في سوق العمل السورية، مع عودة الطلب على المهن والمهارات المختلفة، بعد أن كانت النسخ السابقة تشهد حضوراً لعدد من الباحثين عن العمل من دون توفر فرص تتناسب مع اختصاصاتهم.
وبيّن عباس أن إحدى أبرز المشاركات تتمثل بشركة UCC Holding وذراعها UCC Airport، والتي توفر، وفق تصريحه، نحو 18 ألف فرصة وظيفية، إلى جانب مجموعة واسعة من الرعاة والشركات المشاركة التي تطرح آلاف الفرص في قطاعات متعددة.
ولفت إلى أن الملتقى يشهد، كذلك، طرح فرص في السياحة العلاجية، وهو مجال يرى أنه يحمل إمكانات كبيرة لتوليد فرص عمل جديدة، بما فيها وظائف يمكن أن تستهدف فئات من ذوي الإعاقة، ولا سيما في مجال مراكز الاتصال، ضمن تعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.
وفي ما يتعلق بمتابعة نتائج الملتقى، أوضح عباس أن النسخة السابقة شهدت طرح 2500 فرصة عمل، تحقق منها 1928 فرصة، وفق البيانات التي وصلت إلى المؤسسة، مشيراً إلى أن العدد الفعلي قد يكون أكبر، نظراً إلى أن بعض الأشخاص الذين حصلوا على وظائف لم يعودوا لإبلاغ المؤسسة بنتيجة توظيفهم.
وأكد أن المؤسسة تسعى إلى تعزيز ثقافة متابعة نتائج التوظيف، بما يساعد في قياس الأثر الحقيقي للملتقى، وإتاحة الفرصة أمام باحثين آخرين عن العمل.
وشدد عباس على أهمية امتلاك الشباب للمهارات التي تفرضها سوق العمل الحديثة، وفي مقدمتها اللغة الإنكليزية، والتقنيات الحديثة، والذكاء الاصطناعي، معتبراً أن عملية البحث عن وظيفة تحتاج إلى جهد ومثابرة، وأن الحصول على فرصة عمل يتطلب من الباحث عنها أن يتعامل مع البحث بوصفه مهمة مستمرة في حد ذاتها.
كما أكد أن مفهوم الشباب بالنسبة للمؤسسة لا يرتبط بعمر محدد، وإنما بالشخص القادر على العطاء والإنتاج والمساهمة في سوق العمل.
التدريب والتوظيف في خدمة القطاع الصناعي

من جانبه، أوضح وسيم سعد- مدير غرفة صناعة دمشق وريفها، أن مشاركة الغرفة في ملتقى فرص العمل تأتي ضمن توجه لربط خدماتها باحتياجات القطاع الصناعي، ولا سيما في مجال تأهيل الكوادر وتأمين اليد العاملة المناسبة للمنشآت.
وأشار إلى أن الغرفة تمتلك مركزاً للتدريب في مدينة عدرا الصناعية؛ يقدم دورات مهنية وغير مهنية، بهدف تأهيل أشخاص قادرين على دخول سوق العمل، والالتحاق بالمنشآت الصناعية وفق احتياجاتها الفعلية.
وكشف عن إنشاء منصة إلكترونية للتوظيف تتيح للباحث عن العمل تسجيل بياناته ورفع سيرته الذاتية، بالتوازي مع قيام أصحاب العمل بإدخال احتياجاتهم والشواغر المتوافرة لديهم، بما يسمح للغرفة بربط الطرفين بصورة أكثر سرعة وكفاءة.
وبيّن سعد أن الغرفة تعمل على توظيف خريجي مركز التدريب مباشرة في المنشآت، إضافة إلى تشبيك الباحثين عن العمل المسجلين عبر المنصة مع الصناعيين، بما يحقق منفعة مزدوجة تتمثل في تأمين الكفاءات التي تحتاجها المصانع، وفتح فرص عمل للباحثين عنها.
وربط سعد بين التدريب والتوظيف والإنتاج باعتبارها حلقات مترابطة في تحريك النشاط الاقتصادي، موضحاً أن تأمين العمالة المدربة للمصانع يساعد المنشآت في تشغيل طاقاتها، زيادة إنتاجها، ومن ثم دفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام.
ولفت إلى أن نسخة هذا العام تميزت عن المشاركات السابقة بالانتقال من الإجراءات الورقية إلى الحلول الرقمية، الأمر الذي يجعل عملية تسجيل البيانات والوصول إلى الكفاءات واتخاذ قرارات التوظيف أكثر سرعةً وسلاسة.
وأكد أهمية الملتقى باعتباره مساحةً تجمع الشركات والباحثين عن العمل في مكان واحد، بدلاً من اضطرار الباحث عن وظيفة إلى البحث بشكل منفصل عن الشركات والفرص المتاحة.
وفي رسالته للشباب، دعا سعد إلى الاستثمار المستمر في تطوير المهارات والخبرات واللغات، ولا سيما في ظل عودة عدد من السوريين من الخارج بما يحملونه من خبرات وتجارب، مؤكداً أن المنافسة في سوق العمل تتطلب رفع مستوى الكفاءة والقدرة على مواكبة المتغيرات.
كما دعا المستثمرين إلى توفير بيئات عمل مناسبة وأجور مجزية تساعد العاملين في مواجهة تكاليف المعيشة، وتدعم استقرار الكفاءات داخل سوق العمل.
القطاع الخاص يبحث عن الكفاءة والمهارة

وفي السياق ذاته، أكد أحمد قيلي- مدير الموارد البشرية في مجموعة أمانة للصناعات الغذائية، أن المجموعة التي انطلقت من سوريا توسعت أعمالها لتضم أكثر من سبعة فروع وشركات في عدد من الدول، بينها: مصر وتركيا والإمارات والأردن والولايات المتحدة وألمانيا.
وأوضح أن المجموعة شاركت في النسخ السابقة من الملتقى، وتمكنت من توظيف عدد من المتقدمين الذين التحقوا بالعمل لديها ولا يزالون على رأس عملهم، معتبراً أن ذلك يؤكد أهمية هذه الفعاليات في الوصول إلى الكفاءات.
وأشار إلى أن المجموعة تطرح خلال مشاركتها الحالية نحو 15 فرصة عمل، تتركز أغلبيتها في الوظائف التشغيلية، ولا سيما في الإنتاج والصناعات الغذائية والزراعة، إضافة إلى مهندسي الميكانيك والكهرباء ووظائف المختبرات والجودة، إلى جانب عدد من الشواغر الإدارية والمحاسبية.
وأكد قيلي أن معيار الاختيار الأساسي هو الكفاءة ومدى توافق قدرات المتقدم مع متطلبات الوظيفة، موضحاً أن بعض الشواغر تحتاج إلى خبرة عملية محددة، في حين تتيح وظائف أخرى المجال أمام الخريجين الجدد لاكتساب خبراتهم الأولى.
ورأى أن الملتقى يوفر فرصة مهمة للشباب للتعرف مباشرة إلى الشركات واحتياجاتها، خصوصاً أن مثل هذه الفعاليات لا تزال محدودة نسبياً، داعياً إلى توسيع نطاق تنظيمها لتصبح دورية، بما يعزز التواصل المستمر بين أصحاب العمل والباحثين عن فرص.
ولفت إلى أن أهمية الملتقى لا تقتصر على التوظيف، بل تمتد إلى تبادل الخبرات بين شركات التدريب والتوظيف والموارد البشرية والمؤسسات العاملة في مجالات مختلفة، ما يوفر مساحة للتواصل المهني وتبادل التجارب.
وفي حديثه عن دور الشباب في الاقتصاد، أكد قيلي أن الشباب يمثلون ركيزة أساسية لمستقبل الشركات والاقتصاد، مستنداً إلى تجربته المهنية التي بدأت كخريج جديد قبل أن ينتقل تدريجياً بين الوظائف والمسؤوليات وصولاً إلى الإدارة.
ودعا الشباب إلى التحلي بالصبر خلال بناء مسيرتهم المهنية، وعدم الاستعجال في الوصول إلى المناصب الإدارية، مؤكداً أن الخبرة تتشكل من تراكم التجارب العملية والمواقف المهنية والسنوات التي تمنح الموظف قدرة أكبر على التحليل واتخاذ القرار.
ربط الكفاءات باحتياجات الاقتصاد
يبرز ملتقى فرص العمل الخامس، من خلال تنوع الجهات المشاركة وحجم الفرص المطروحة، كمساحة عملية لردم الفجوة بين الباحثين عن العمل واحتياجات الشركات، خصوصاً في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد السوري وعودة قطاعات مختلفة إلى النشاط والتوسع.
ولا تقتصر أهمية الملتقى على توفير الوظائف الآنية، بل تمتد إلى تعزيز ثقافة التدريب والتأهيل والرقمنة والاختيار على أساس الكفاءة، وهي عوامل تشكل أساساً لبناء سوق عمل أكثر قدرة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة المقبلة.
ومع اتساع احتياجات الشركات للكوادر المؤهلة، يصبح الاستثمار في رأس المال البشري جزءاً أساسياً من مسار التعافي والنمو، فيما تمثل مثل هذه الملتقيات منصةً لتحويل الطاقات البشرية السورية من قوة كامنة إلى كفاءات منتجة؛ تسهم في دفع عجلة الاقتصاد، وبناء سوق عمل أكثر تنافسية وارتباطاً بالمعايير العالمية.
