رسمياً.. رفع جميع العقوبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المفروضة على سوريا منذ عام 2011

زمن القراءة: 13 دقائق

أعلنت جامعة الدول العربية، خلال اجتماعها على المستوى الوزاري في 7 أيلول 2026، رفع جميع العقوبات التي فرضتها الجامعة على سوريا خلال 15 عاماً، حيث نص القرار الصادر عن الدورة العادية الـ 166 لمجلس الجامعة على “رفع جميع العقوبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المفروضة على الجمهورية العربية السورية من قبل مؤسسات وهيئات الجامعة وأجهزة العمل العربي المشترك”.

كما يشمل القرار العقوبات الواردة في القرارات العربية الصادرة في تشرين الثاني 2011، التي تضمنت فرض عقوبات اقتصادية واجتماعية على النظام السوري المخلوع، إضافة إلى القرارات الأخرى ذات الصلة الصادرة عن مؤسسات العمل العربي المشترك.

وأبقى القرار على قائمة المسؤولين الذين طالتهم قرارات منع السفر وتجميد الأرصدة، بما يعني أن رفع العقوبات لا يشمل الإجراءات الشخصية المفروضة بحق هؤلاء المسؤولين. كما كلف مجلس الجامعة المجلس الاقتصادي والاجتماعي بمتابعة تنفيذ قرار رفع العقوبات، بما يضمن إزالة التدابير المفروضة على سوريا من جانب مؤسسات وأجهزة جامعة الدول العربية وفقاً للقرار الجديد.

وأكد القرار الوزاري الحرص العربي على دعم جهود الجمهورية العربية السورية في التعافي وإعادة الإعمار، بما يعكس انتقال الموقف العربي من مرحلة العقوبات والعزلة إلى دعم الاستقرار والتعافي وإعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد السوري.

ويتعلق ملف إنهاء العقوبات العربية على سوريا مباشرة بالتوازنات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط، خاصة أن الدول العربية سعت، بعد سقوط النظام المخلوع مباشرة، إلى التواصل مع الإدارة السورية الجديدة، وقدمت لها الدعم لتجاوز تبعات انهيار النظام وسقوطه أمام إرادة الشعب السوري. فبادرت، قبل رفع العقوبات الدولية على سوريا، إلى البحث عن ثغرات قانونية لتقديم ما يمكن تقديمه، وركزت على المساعدات الإنسانية الموسعة ومشروعات التعافي المبكر كغطاء شرعي لضخ الأموال وتأهيل البنية التحتية من دون الاصطدام المباشر بالعقوبات الدولية.

ما العقوبات العربية التي كانت مفروضة على سوريا؟

بعد ثمانية أشهر من اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، وتحديداً في نهاية تشرين الثاني 2011، اعتمد المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية توصية وزراء الاقتصاد بفرض حزمة من العقوبات الاقتصادية على سوريا، بهدف إجبار النظام المخلوع آنذاك في دمشق على وقف قمع الاحتجاجات الشعبية المطالبة بإسقاط النظام، حيث وافقت على القرار 19 دولة عضواً في جامعة الدول العربية من أصل 22 عضواً حينها، وذلك بعد امتناع النظام عن السماح باستقبال مراقبين في إطار مبادرة للجامعة العربية لوقف العنف في سوريا.

وشملت العقوبات العربية المفروضة بالقرار منع سفر كبار الشخصيات والمسؤولين السوريين إلى الدول العربية، وتجميد الأرصدة المالية للحكومة السورية، ووقف رحلات خطوط الطيران إلى سوريا، ووقف التعامل مع البنك المركزي السوري، والمبادلات التجارية الحكومية مع الحكومة السورية. كما شملت العقوبات وقف التعاملات المالية والتعاملات مع البنك التجاري السوري، والطلب من البنوك المركزية العربية مراقبة الحوالات المصرفية والاعتمادات التجارية، باستثناء الحوالات المصرفية المرسلة من العمالة السورية في الخارج إلى أسرهم في سوريا، وكذلك تجميد تمويل إقامة مشروعات على الأراضي السورية من قبل الدول العربية.

كما نص القرار، الذي يتضمن 14 بنداً آنذاك، على تشكيل لجنة فنية تنفيذية من كبار المسؤولين والخبراء، برئاسة دولة قطر وعضوية كل من الأردن والجزائر والسعودية والسودان وسلطنة عمان ومصر والمغرب والأمانة العامة، تكون مهمتها النظر في الاستثناءات المتعلقة بالأمور الإنسانية التي تؤثر بشكل مباشر على حياة الشعب السوري، وكذلك المتعلقة بالدول العربية المجاورة لسوريا. كما تقوم أيضاً بوضع قائمة بالسلع الاستراتيجية وفقاً لمعايير محددة، وتقديم تقارير دورية إلى مجلس الجامعة عبر اللجنة الوزارية العربية المعنية بالوضع في سوريا.

وكانت التأثيرات المتوقعة الناتجة عن هذه العقوبات كبيرة، بهدف الضغط على النظام المخلوع لوقف العنف الممنهج ضد الشعب السوري الثائر. وقدر حينها حجم التأثير بحجم التبادل الذي وصل إلى أكثر من 50 بالمئة من الصادرات السورية، وأكثر من 16بالمئة من الواردات التي تتم مع الدول العربية. فمثلاً، بلغت الصادرات السورية إلى الدول العربية 4.4 مليارات دولار في عام 2009، كما بلغت الواردات السورية من الدول العربية 2.1 مليار دولار في العام نفسه، وكانت السعودية، في ذلك الوقت، الشريك التجاري العربي الأول لسوريا وفقاً لبيانات عام 2009، حيث بلغت الصادرات السورية إلى السعودية 1.2 مليار دولار، مقابل واردات من السعودية بنحو 771 مليون دولار، أي أن الميزان التجاري يحقق فائضاً لصالح سوريا بنحو 250 مليون دولار.

ودأب النظام المخلوع على اختراع أساليب عديدة للتهرب من العقوبات الدولية والعربية، حيث نشرت قناة “الجزيرة” مقالاً بحثياً تحت عنوان “العقوبات على سوريا.. فاعليتها وتبعاتها وآليات الالتفاف عليها”، جاء فيه أن النظام فتح المجال بشكل واسع أمام مجموعة من الأنشطة الاقتصادية غير المضبوطة من قبل مؤسسات الدولة القانونية، التي لا تخضع للضرائب ولا تراقب من قبل الحكومة ولا تدخل ضمن الناتج القومي الإجمالي، وذلك في سعيه إلى تجاوز تبعات العقوبات والالتفاف عليها. وهذا النوع من “الاقتصادات اللارسمية” يظهر عادة في الدول التي تعيش حالة من عدم الاستقرار السياسي أو في حالة حرب وعقوبات اقتصادية، وفي نظم الدول الاستبدادية، حيث تركزت سياسات النظام المخلوع على استخدام العقوبات لإعادة تخصيص الموارد لصالح الحلقة المحيطة به على حساب عموم السوريين.

كيف يمكن استثمار الاحتضان العربي لسوريا؟

يمثل قرار الجامعة العربية بداية مرحلة جديدة ترسخ الحضور العربي في سوريا وتنهي قطيعة استمرت 15 عاماً، خاصة في ظل ما تعيشه المنطقة من تحولات جيوسياسية واقتصادية تحتاج إلى تكامل الأدوار الإقليمية لتجاوز هذه المرحلة. لذلك، تحدثت المؤشرات الاستراتيجية في مراكز الدراسات المتخصصة عن الآثار المباشرة وغير المباشرة لرفع العقوبات في عدة قطاعات حيوية، تمحورت في معظمها حول تفعيل دور سوريا في مؤسسات العمل العربي المشترك والمجالس الاقتصادية والاجتماعية التابعة للجامعة، وصولاً إلى فتح القنوات الرسمية المغلقة بين المصارف العربية والسورية، بما يسهل حركة التبادل التجاري والتمويلات الخارجية، ويسهم في تعزيز استقرار الليرة السورية وانخفاض أسعار السلع الأساسية والمستوردة وتخفيف العبء عن المواطنين.

إضافة إلى ذلك، فإن القرار، بحسب محللين، يزيل القيود الإقليمية عن تدفقات رأس المال العربي وحتى الدولي، ويسمح بشكل قانوني للشركات العربية الكبرى ورجال الأعمال بالاستثمار في سوريا من دون مخاوف.

وفي هذا السياق، يرى الباحث والمحلل السياسي محمد المصطفى، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن الاستثمار مرتبط بشكل رئيس بالتدفقات المالية، ولا شك أن هذا العامل هو جوهر إعادة الإعمار. وبالتالي، هناك استحقاق متعلق بتطوير القطاع المالي، وخصوصاً بأبعاده المصرفية، من خلال البروتوكولات المتعلقة بالتحويلات، مع وجود بنية مصرفية وازنة وذات مصداقية ترسخ سرعة التحويلات المالية ومصداقية الإجراءات المصرفية.

ويشير إلى أهمية العامل ذي البعد الإداري، الذي هو المحك الذي يبنى عليه، لأن الأساليب الإدارية السابقة الموسومة بالروتين الطويل والإجراءات المعقدة هي أعدى أعداء الاستثمار والإعمار. وبالتالي، يجب إعادة اجتراح إجراءات إدارية بسيطة تبتعد عن التعقيد وتتسم بالفعالية والحرص على تسهيل التراخيص اللازمة، بما يحقق عاملي المنفعة المتبادلة والسرعة القصوى، لأنهما متطلبان أساسيان لإعادة الإعمار.

وفي الجانب السياسي، يمثل القرار استعادة رسمية للعمق الاستراتيجي العربي، لتكون منطلقاً للاستقرار في الشرق الأوسط كما كانت منطلقاً للفوضى، خاصة أنها ترتبط بشكل وثيق بملفات أمنية حساسة. لذلك، فإن القرار يعزز آفاق التعاون المشترك والتنسيق الوثيق مع دول الجوار والخليج العربي لحل ملفات اللاجئين ومكافحة الإرهاب وضبط الحدود والقضاء على تصنيع المخدرات وتجارتها والاتجار بالبشر وجميع أشكال الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

وكذلك الأمر في الجانب التنموي، على اعتبار أن الصناديق التنموية والمساعدات العربية ستتجه، وفق الأولويات الوطنية التي تحددها الحكومة السورية، نحو ترميم المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء المتضررة، إضافة إلى ما سينتج عنه من شراكة بين القطاع الخاص السوري والعربي لتنفيذ مشروعات نوعية وتكنولوجية وصناعية قادرة على استيعاب الشباب السوري والحد من البطالة والهجرة، خاصة مشروعات الطاقة المتجددة والتحول الرقمي والتكنولوجيا.

سوريا من دون عقوبات.. كيف سيؤثر ذلك في مسار إعادة الإعمار؟

نشر برنامج بحوث النزاع الدولي، الممول من قبل وزارة الخارجية والتنمية البريطانية، والذي يستهدف فهم طبيعة وديناميكيات النزاعات العنيفة المعاصرة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، ورقة بحثية في كانون الثاني 2021 تحت عنوان “فهم أثر العقوبات على الديناميكيات السياسية في سوريا”، أشار فيها إلى تقسيم الفاعلين المستهدفين بالعقوبات على سوريا منذ 2011 إلى مجموعتين رئيسيتين.

وتضم المجموعة الأولى الفاعلين الذين استهدفتهم العقوبات بشكل مباشر، وهم الجهات الأمنية والعسكرية، ومؤسسات ومسؤولون حكوميون، وقطاع الطاقة، وقطاع المصارف، وتجار الحرب ومحاسبو النظام، ومؤسسات وأصحاب أعمال دوليون على علاقة مع الحكومة السورية، فيما تضم المجموعة الثانية فاعلين تأثروا بالعقوبات من دون استهدافهم بشكل مباشر، وهم المؤسسات الحكومية غير المعاقبة، وقطاع الأعمال التقليدي، والمجتمع المدني ومؤسساته، إضافة إلى فئة المواطنين العاديين.

وبدأت العقوبات الدولية على سوريا منذ سبعينيات القرن الماضي، ولكن في 29 نيسان 2011 فرضت أولى العقوبات عليها بعد اندلاع الثورة السورية، بإصدار الرئيس الأميركي باراك أوباما أمراً تنفيذياً بتجميد ممتلكات المتورطين في الانتهاكات. فيما فرضت كندا عقوباتها الأولى في 25 أيار 2011، وذلك بحظر السفر وتجميد الأصول وحظر تصدير بعض السلع والتكنولوجيا التي قد تستخدمها القوات المسلحة، وتعليق جميع الاتفاقيات والمبادرات الثنائية.

وفي أيار 2011، اعتمد الاتحاد الأوروبي عقوبات على سوريا، ولا سيما من خلال حظر الاتجار بالسلع التي يمكن استخدامها لقمع السكان المدنيين.

وفي آب 2011، فرضت الولايات المتحدة حظراً على قطاع النفط، تبعه في ذلك، بعد شهر، الاتحاد الأوروبي، وبعدها أعلنت أستراليا مجموعة من العقوبات، وكذلك الجامعة العربية. وفي حزيران 2012، انضمت العديد من الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل جورجيا وكرواتيا ومقدونيا والجبل الأسود وأيسلندا وصربيا وألبانيا وليختنشتاين والنرويج ومولدوفا، إلى عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد سوريا.

كما فرضت الولايات المتحدة، في 2017، تجميداً مالياً وحظراً للسفر على 270 موظفاً حكومياً في أعقاب هجوم خان شيخون، وفي 2020 فرضت واشنطن قانون قيصر كتشريع يفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية مشددة على سوريا استمر لمدة خمس سنوات، إضافة إلى “قانون مكافحة الكبتاغون” 1 و2.

اليوم، وبعد رفع كل العقوبات الأميركية والعربية والأوروبية عن سوريا، ما خلا بعض عقوبات الدول الفردية، وإزالة القيود الدولية والإقليمية، فإن سوريا تتجه إلى تسريع وتيرة إعادة الإعمار وتنشيط عملية التنمية الاقتصادية الشاملة، من خلال زيادة تدفق رؤوس الأموال العربية والأوروبية والأميركية لإعادة إعمار البنية التحتية العقارية والصناعية، وعودة النظام المصرفي السوري إلى الاتصال بشبكة التحويلات العالمية، بما يتيح إعادة تأهيل قطاع الكهرباء والمياه وتطوير قطاع النفط والغاز وتحديث المنظومة الصناعية والتجارية العامة والخاصة.

وهنا يرى الباحث المصطفى أن قرار مجلس جامعة الدول العربية المتعلق برفع العقوبات عن سوريا يعد خطوة مهمة وضرورية للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، ولكن يجب أن تتبعها خطوات أخرى متعلقة بطبيعة وجوهر إعادة الإعمار، ويمكن تقسيمها إلى عوامل ذات طبائع متعددة، منها الأمنية والقانونية والمالية والإدارية، كـ”الحوكمة”.

ويضيف أن العوامل الأمنية مرتبطة بموضوع الاستقرار العام وبسط سلطة الدولة وسيطرتها على كامل الجغرافيا السورية ومعالجة بؤر التوتر والفوضى وملاحقة الخارجين على القانون، لأن طبيعة الاستثمار مرتبطة عضوياً بالاستقرار الأمني. ومن المعلوم أن رأس المال بطبيعته جبان، ولا يتدفق إلى مناطق تسودها القلاقل والتوترات.

ويتابع بالقول: “أيضاً يعد العامل القانوني رديفاً مهماً للعامل الأمني، لأنه يحفظ حقوق المستثمرين ويقدم لهم الضمانات التي تدفعهم إلى الاستثمار من دون أي مخاوف تنتابهم، لأنه الملاذ الأساسي لحفظ حقوقهم. وبالتالي، المطلوب هو إعادة النظر بمجمل القوانين ذات الطبيعة الاستثمارية وتطويرها، بما يحفز المستثمرين ورجال الأعمال على الانخراط بقوة في المجالات الاقتصادية ذات الطبيعة التنموية التي تنعكس إيجاباً على الطرفين وتحفظ حقوقهما معاً”.

علي إسماعيل

المصدر: الثورة

آخر الأخبار