دمّرت حرائق “الأربعاء الأسود” في منطقة جيجل، الواقعة على بعد 400 كيلومتر شرقي العاصمة الجزائرية، حقول النبات الطبي والعطري المعروف بعشبة التيزانة (وتُعرف أيضاً باسم اللويزة)، التي تُعدّ قطاعاً اقتصادياً قائماً بذاته في هذه المنطقة، والتي تُعتبر أبرز مصدر للعشبة في البلاد.
ويقول إبراهيم لـ”العربي الجديد”: إنّ “الحرائق الأخيرة أتت على مساحات كبيرة من حقول التيزانة التي تشتهر بها المنطقة، لقد خسرت قرابة الهكتارين من منتوج التيزانة الخاص بفترة الخريف، إضافة إلى احتراق الأنابيب والمعدات الخاصة بالسقي، وخسائر أخرى تتعلق بالمخازن التي كانت تحوي بعض الكميات من التيزانة المجففة”.
ويقدّر لبيض، الذي كان يسعى قبل فترة إلى تنظيم مزارعي التيزانة في جيجل ضمن جمعية مهنية محلية، كون ولاية جيجل تحتل المرتبة الأولى وطنياً في هذه العشبة، أنّ “مجموع المساحة المزروعة بالتيزانة التي أتت عليها الحرائق في المنطقة والمناطق المجاورة يفوق 100 هكتار، لكون هذا النشاط الزراعي الخاص وأغلب المساحات المزروعة بالتيزانة تتوزع على وجه الخصوص بين بلدتي الشقفة وبرج الطهر، وهما من أبرز المناطق المتضررة بالحرائق الأخيرة”.
مخاوف من ارتفاع أسعار التيزانة
ويتوقع المزارعون أن تؤثر الحرائق على أسعار محصول التيزانة، إذ سيؤدي نقص العرض إلى ارتفاع أسعارها. ويبلغ سعرها حالياً نحو 2100 دينار للكيلوغرام الواحد (ما يعادل دولاراً ونصف الدولار)، وتُباع بـ210 آلاف دينار للقنطار (ما يعادل 150 دولاراً). غير أنه يُتوقع أن ترتفع الأسعار إلى حدود قد تصل إلى ثلاثة آلاف دينار للكيلوغرام (2.1 دولار)، أي 300 ألف دينار للقنطار (210 دولارات)، بفعل الحرائق التي فاقمت نقص الإنتاج القائم أصلاً هذا العام.
تخوفات من عدم التعويض
ورغم تعهد الرئيس عبد المجيد تبون، بـ”تعويض كل العائلات ولو عن مسمار خسرته في الحرائق”، فإن كثيراً من المزارعين في أرياف وقرى جيجل، ممن يمارسون هذه الأنشطة الزراعية التقليدية بشكل “غير مرسّم”، يتخوفون من ألا تشمل التعويضات خسائرهم الزراعية، خصوصًا بالنسبة لبعض المزارعين الذين كانوا يستغلون مساحات غابية في الجبال مملوكة للدولة على سبيل الاستغلال غير المقنَّن.
وينتظر إبراهيم وميلاط وبولفراخ وغيرهم من المزارعين تعويضات من السلطات، بعدما أحصت اللجان الولائية الخاصة الخسائر، ضمن إجراءات أولية في انتظار تقييمها لتعويض المتضررين.
وكان وزير الزراعة سيد علي خالدي، الذي زار الولاية يوم الخميس، بعد يوم واحد من تعيينه وزيراً في التعديل الحكومي الجديد، قد تعهد بتعويض المزارعين عن كل ما خسروه، قائلاً: “قطاعنا الوزاري سيقوم بتعويض المزارعين، شجرة بشجرة، وعن كل رأس ماشية، ونحن ملتزمون بذلك”.
ويعتمد جزء من سكان القرى الريفية في أعالي ولاية جيجل على مثل هذه الأنشطة الزراعية التقليدية في اقتصادهم المعيشي. ويعمد بعض كبار المزارعين الذين يملكون حقولاً واسعة وينتجون كميات كبيرة من محصول التيزانة إلى الاستعانة بعائلات تتولى تجفيف التيزانة وتوضيبها مقابل مبالغ مالية، ضمن دورة اقتصاد ريفي معيشي يحقق ربحاً للجميع.
وفي الوقت ذاته، عبّر بعض المزارعين في جيجل عن استيائهم من محاولات بعض تجار محصول التيزانة استغلال أزمة الحرائق لعرض أسعار متدنية للمحصول، أقل مما كان متفقًا عليه قبل الحرائق، بحجة أن الحرائق أثّرت نسبيًا على نوعيته، بدلًا من تقديم أسعار مناسبة ولو من باب التضامن والدعم في هذه الظرفية الصعبة، وهو ما انعكس، في المقابل، بشكل مختلف على المناطق التي لم تصلها النيران.
تُعد ولاية جيجل المنتج الأول للتيزانة في الجزائر، إذ يتفاوت إنتاج المزارعين بين أربعة وعشرة قناطير بحسب طاقة كل منهم، يُباع جزء منها في الأسواق المحلية ويُحوَّل الجزء الآخر للتصدير. ويتزايد الطلب على التيزانة بسبب إدخالها في سلسلة من الصناعات الطبية، كمستحضرات التجميل والطب التقليدي والخلطات المختلفة، كما باتت تُستخدم في العطور وصناعة الصابون وغاسول الاستحمام وغيرها.
ومنذ ما قبل الاستقلال 1962، استوطنت زراعة التيزانة في ولاية جيجل، وبخاصة في مناطق الشقفة والقنار وبرج الطهر وأولاد عسكر شرقي الولاية، بحكم المناخ المساعد وظروف المنطقة الجبلية وتوفر المياه.
وموسميًا، تبدأ زراعة هذه النبتة ذات المزايا الطبية، التي تتطلب تقنيات خاصة، منتصف شهر نيسان، فيما تبدأ عملية جني الأوراق وتجفيفها منتصف شهر تموز وتستمر حتى نهاية كانون الأول.
وتُقدّر بعض الأرقام غير الرسمية مساحة الأراضي المزروعة بالتيزانة بأكثر من 60 هكتاراً، وبإنتاج يُقدَّر بأكثر من 300 قنطار سنوياً.
عثمان لحياني
المصدر: العربي الجديد
