وسط أزمة عالمية أربكت سلاسل الإمداد وأثقلت كاهل المستوردين، وجد مصنع مصري في مدينة السادات بمحافظة المنوفية طريقه الخاص للاستمرار: تحويل المخلفات البلاستيكية إلى مادة خام جديدة تغذي خطوط الإنتاج من جديد.
فبين أيدي العمال والآلات، تتبدل ملامح قطع البلاستيك المستعملة لتخرج على هيئة حبيبات صالحة للتصنيع مجدداً، في مشهد يختصر قصة أوسع عن بحث الصناعة المصرية عن بدائل محلية بعيدا عن تقلبات الاستيراد وارتفاع كلفته.
من أزمة إلى بديل محلي
ويرتبط مصنع نصر بجداول زمنية لتوريد كميات محددة إلى خطوط إنتاج الخراطيم، ما يجعل وصول المادة الخام في موعدها عنصراً أساسياً لاستمرار العمل. لكن الاعتماد على الخارج، بحسب نصر، يعني ارتباط عملية الإنتاج بمتغيرات لا يستطيع المصنع التحكم فيها، بدءاً من حركة الشحنات وصولاً إلى أسعار العملات، وخاصة الدولار، وقال إن “الاعتماد على تدوير البلاستيك يمثل حلاً استراتيجياً يغنينا عن مشاكل الاستيراد وعقباته، فالمصنع مرتبط بجداول زمنية لتوريد كميات محددة لخطوط إنتاج الخراطيم، والاعتماد على الخام المستورد يضعنا تحت رحمة تأخر الشحنات أو تقلبات أسعار الصرف (الدولار)”.
وأضاف أن التوجه إلى إعادة التدوير جاء أيضا في ظل الصعوبات الكبيرة التي تواجه وصول المواد الخام المستوردة من الخارج. وأوضح أن “استيراد المواد الخام البِكر يتسم بكلفة مرتفعة، بينما يتيح البلاستيك المعاد تدويره توفير منتج بكلفة أقل”، ما يساعد على تعويض جانب من احتياجات السوق المحلية. وتصل المنتجات في نهاية سلسلة التصنيع إلى قطاعات من بينها الزراعة، إذ تُستخدم المواد المنتَجة في صناعة الخراطيم التي يحتاج إليها المزارعون، وفق نصر.
وداخل المصنع، تبدأ رحلة المادة الخام من قطع البلاستيك التي سبق جمعها وتكسيرها. وقال نصر إن المصنع يتسلم ما يُعرف بـ”البلاستيك المكسَّر” من الكسارات، قبل إدخاله إلى ماكينة “الخرازة” التي تعمل عبر مرحلتين. وأوضح أنه في المرحلة الأولى يجري التخلص من الشوائب والعوالق والمواد غير المطابقة للمواصفات بواسطة مرشح مثبّت في رأس الماكينة. وبعد ذلك، تنتقل المادة إلى المرحلة الثانية، ثم إلى حوض لسحب الخيوط البلاستيكية، قبل وصولها إلى المقص.
وقال نصر: إن اضطرابات التجارة الدولية رفعت أهمية البديل المحلي بالنسبة للمصنع، خصوصاً مع ارتفاع كلفة الحصول على المواد الخام من الخارج. وبحسب تقديرات غير رسمية، ارتفع سعر طن خام البلاستيك النقي عالمياً بنسبة 100% عقب بدء الحرب في المنطقة، ليتجاوز ألفي دولار.
وفي المقابل، يُقدَّر سعر طن خام البلاستيك المعاد تدويره في مصر بعد الأزمة بنحو ألف دولار، وفق التقديرات ذاتها. وتعكس هذه الأرقام اتساع الفارق في الكلفة بين الاعتماد على الخام المستورد واستخدام البدائل المعاد تدويرها محلياً.
ولا يفتقر السوق المصري إلى المادة التي تقوم عليها صناعة إعادة التدوير، إذ تولّد البلاد ملايين الأطنان من المخلفات سنوياً. وفي آب الماضي، قال أحمد خيال، مدير عام الإدارة الاستراتيجية بجهاز تنظيم إدارة المخلفات التابع لوزارة البيئة المصرية، إن حجم المخلفات المتولدة في مصر يصل إلى نحو 29 مليون طن سنوياً.
وفي آب 2024، ذكر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء أن حجم النفايات البلاستيكية في مصر بلغ 2.5 مليون طن خلال الفترة 2022-2023. وأوضح أن إجمالي النفايات المتولدة في البلاد يراوح بين 26 و28 مليون طن سنوياً، تشكّل النفايات البلاستيكية ما بين %10 و14% منها. وبحسب التقرير ذاته، بلغ إنتاج البلاستيك المعاد تدويره في مصر 1.5 مليون طن خلال العامين 2022-2023.
كما تراوحت قيمة الاستثمارات العامة والخاصة في تدوير المخلفات البلاستيكية خلال الفترة نفسها بين مليار وملياري جنيه مصري، فيما عمل نحو 1800 شخص في هذا المجال. ومع تحوّل اضطرابات الإمدادات العالمية إلى دافع إضافي للبحث عن بدائل، اعتمدت مصر بالفعل خططاً لزيادة معدلات تدوير مخلفات البلاستيك خلال السنوات المقبلة.
وفي أواخر آب 2025، ذكرت صحيفة “الأهرام” أن مصر تستهدف إعادة تدوير 50% من مخلفات البلاستيك بحلول 2030، وأشارت إلى أن الاستثمارات في قطاع البلاستيك تتجاوز 20 مليار دولار، وأن القطاع يسهم بنحو 2.6 مليار دولار سنوياً في صادرات البلاد، ويوفر فرص عمل لأكثر من 700 ألف مهندس وفني وعامل عبر نحو 12 ألف مصنع، إلى جانب إسهامات القطاع الخاص.
وفي تقرير صدر عام 2023، قال مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إن مصر جاءت في المرتبة الأولى عربياً والـ42 عالمياً من بين 180 دولة في مؤشر الأداء البيئي المتعلق بإعادة التدوير لعام 2022. وأضاف أنها جاءت في المرتبة الـ14 عالمياً والأولى عربياً من حيث معدلات إعادة التدوير لعام 2023.
وبحسب التقرير، تضم مصر 28 مصنعاً لإعادة التدوير، فيما يجمع القطاع الخاص أكثر من نصف نفايات محافظة القاهرة. ويتكون هذا القطاع، وفق المصدر، من نحو 50 ألف معالج للنفايات و150 ألفاً من جامعيها وفارزيها وتجارها وسائقي شاحناتها، فيما يُعاد تدوير نحو 80% من نفايات القاهرة، من بينها 290 ألف طن من البلاستيك سنوياً.
وبين أزمة دولية أربكت حركة المواد الخام، ووفرة محلية في المخلفات القابلة لإعادة الاستخدام، يحاول مصنع نصر تحويل ما كان يُنظر إليه باعتباره نفايات إلى جزء من حل مشكلة الإنتاج. فالحبيبات البلاستيكية التي تخرج من نهاية خط التدوير تمثل بالنسبة إلى صاحب المصنع محاولة لتقليل الاعتماد على الخارج، والحفاظ على دوران خطوط الإنتاج عندما تتعثر سلاسل الإمداد.
تعاني مصر، شأنها شأن كثير من الدول، من تحدٍّ مزدوج يتمثل في تصاعد حجم المخلفات الصلبة من جهة، والاعتماد الكبير على استيراد المواد الخام البلاستيكية من جهة أخرى. وقد اكتسب هذا الملف أهمية إضافية أخيراً، بعدما أدت الاضطرابات في التجارة الدولية، وتحديداً عقب الحرب في المنطقة، إلى ارتفاع حاد في أسعار البلاستيك النقي المستورد عالمياً، متجاوزاً ألفي دولار للطن.
