المتابع لواقع الاقتصاد السوري يرى فيه جملة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية وحتى الخدمية التي تحتاج لحلول جذرية تساهم في تحسين الإنتاجية، وزيادة فرص العمل والاستثمار، وسط كل ذلك يبرز الاقتصاد الرقمي كأحد الخيارات التي يمكن أن تدعم التعافي الاقتصادي، من خلال توظيف التكنولوجيا في التجارة والخدمات، وتحسين الإنتاجية وتعظيم فائدتها.
من هذا الباب، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش في تصريح لـ«الحرية» أن التحول نحو الاقتصاد الرقمي يمثل فرصة مهمة لإعادة تنشيط الاقتصاد الوطني، ولا سيما في ظل محدودية الموارد التقليدية وتضرر البنية التحتية، مشيراً إلى أن الرقمنة يمكن أن تسهم في رفع الإنتاجية، وتوسيع نطاق الأعمال، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات والخدمات العامة، والأهم إمكانية النظر إلى الأسواق الخارجية أيضاً.
وفي هذا الاتجاه، يوضح عياش أن الاقتصاد الرقمي يعتمد بصورة أساسية على التقنيات الرقمية والمعلوماتية في تحفيز الإنتاج والتجارة وتقديم الخدمات، ويشمل التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية وتطوير البنية التحتية التكنولوجية، إضافة إلى استخدام الإنترنت والتطبيقات والمنصات الرقمية التي تساهم في بناء الواقع الاقتصادي من جديد.
وبالتالي فإن التحول الرقمي في سوريا يمكن أن يشكل خطوة استراتيجية لتنويع مصادر النشاط الاقتصادي، وعدم الاعتماد بصورة كاملة على القطاعات التقليدية، لافتاً إلى أن توظيف التكنولوجيا يتيح للمنشآت المحلية الوصول إلى أسواق أوسع، وتحقيق مرونة أكبر في مواجهة التحديات الاقتصادية. ولا يعني بالضرورة، حسب عياش، إلغاء القطاعات التقليدية كالزراعة والصناعة، وإنما يمكن أن تشكل الرقمنة أداة لتطويرها ورفع كفاءتها، من خلال إدخال التقنيات الحديثة إلى مراحل الإنتاج والتسويق والتوزيع، بما يحقق العائد على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.
خبراء وتجار سوريون: الرقمنة ليست بديلاً عن الصناعة ولكنها شريان الإنقاذ الوحيد
بنية تحتية وتشريعات
كما بيّن عياش أن الانتقال إلى الاقتصاد الرقمي لن يكون سهلاً، في ظل مجموعة من التحديات التي تحتاج إلى معالجة متدرجة وفاعلة، وفي مقدمتها ضعف البنية التحتية التكنولوجية في عدد من المناطق، وما يرافق ذلك من صعوبات في الوصول إلى الإنترنت والخدمات الرقمية، وبالتالي فإن تعزيز الثقة بالأنظمة الرقمية يمثل تحدياً آخر، الأمر الذي يتطلب تطوير التشريعات التي تنظم التعاملات الإلكترونية وتحمي حقوق الأفراد والشركات، إلى جانب تعزيز أمن المعلومات ومواجهة مخاطر الهجمات الإلكترونية التي تهدد هذا الجانب الاقتصادي.
فرص جديدة للشباب
وحول سبل الاستفادة من الاقتصاد الرقمي، أشار عياش إلى إمكانية التركيز على مشاريع رقمية صغيرة ومتوسطة في مجالات التجارة الإلكترونية، والتطبيقات المحلية، والتعليم الرقمي والخدمات التقنية، بما يسهم في خلق فرص عمل جديدة وتنشيط عدد من القطاعات الاقتصادية.
إلى جانب ضرورة التعاون مع الدول ذات الخبرة المتقدمة في المجال التكنولوجي، للاستفادة من التجارب وتبادل المعرفة ودعم تطوير البنية التحتية الرقمية، بالتوازي مع الاستثمار في الطاقات الشابة الواعدة إلى سوق العمل.
الرقمنة توسع الوصول إلى الأسواق
وضمن هذا الإطار يرى التاجر فيصل المنان أن التحول الرقمي يمكن أن يخفف بعض تكاليف الوصول إلى الزبائن، ويوسع نطاق التسويق للمنتجات، ولا سيما بالنسبة إلى المنشآت والمشروعات الصغيرة، لكنه يحتاج إلى خدمات دفع إلكتروني موثوقة، وتشريعات واضحة، وبنية اتصالات مستقرة تضمن سهولة التعاملات، وتضمن أيضاً تحقيق نتائج مهمة على صعيد الإنتاجية الوطنية وتنويع فائدتها على صعيد الاقتصاد والمجتمع.
التكنولوجيا أداة لرفع الإنتاجية
في حين يرى الصناعي محمد الصباغ أن إدخال الحلول الرقمية إلى العملية الإنتاجية، يمكن أن يساعد المنشآت الصناعية على تحسين إدارة الموارد، ومراقبة الإنتاج والتسويق، والوصول إلى الأسواق، مشدداً على أن الاقتصاد الرقمي لا ينبغي أن ينظر إليه كبديل عن الصناعة والزراعة، بل كأداة لتطويرهما وزيادة قدرتهما التنافسية.
الرقمنة مكملة للاقتصاد التقليدي
ويرى الخبير الاقتصادي عياش أن التحول الرقمي يمثل خطوة مهمة لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد السوري وتنويع مصادر دخله، مشيراً إلى أن نجاح هذه الخطوة يرتبط بوضع سياسات مدروسة، وتحفيز الابتكار المحلي، وتطوير البنية التحتية، وتأهيل الكوادر البشرية، إلى جانب الاستفادة من تجارب الدول التي قطعت شوطاً متقدماً في هذا المجال.
وبالتالي، ورغم كل ذلك، نجد أن الاقتصاد الرقمي لا يبدو بديلاً كاملاً عن القطاعات الاقتصادية التقليدية، بقدر ما يمثل أداة يمكن أن تساعد على تحديثها ورفع إنتاجيتها وفتح أسواق جديدة أمامها، بما يدعم مسار التعافي الاقتصادي وتحقيق التنمية واستدامتها في كل القطاعات الاقتصادية والخدمية، وصولاً لتحقيق بنية اجتماعية كاملة ومترابطة مع بعضها على كامل الجغرافيا السورية.
مركزان الخليل
المصدر: الحرية
