ضمن سلسلة المعارض والفعاليات الاقتصادية الضخمة التي تعقد في سوريا، وتهتم ببحث سبل التعاون والشراكة، حجز معرض “فود سوريا 2026” مكانة بارزة على خريطة الاقتصاد السياسي التي تتشكل في سوريا وفق منهجية تقوم على القدرة على الاستقطاب من جهة، والانفتاح والتمكين من جهة ثانية. فالنجاح في تنظيم المعارض ليس غاية في حد ذاته بقدر ما هو وسيلة لتحقيق استدامة الاستقطاب والتمكين، أي إبقاء سوريا ضمن دائرة التركيز الإقليمي والدولي، بما يدعم عملية البناء والنهوض على أسس اقتصادية متينة وقادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.
وعلى مدى ثلاثة أيام، من الأحد إلى الثلاثاء، استمرت فعاليات المعرض والمؤتمر الدولي لقطاعات الزراعة والغذاء والصناعة في سوريا “فود سوريا 2026″، في مدينة المعارض الجديدة بدمشق، بمشاركة أكثر من 200 شركة من 14 دولة، وبحضور وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار ووزير الزراعة باسل السويدان، إلى جانب عقد جلسات متخصصة على هامش المعرض، بمشاركة مسؤولين وشخصيات عربية وأجنبية وازنة.
وركزت هذه الجلسات على مناقشات أوسع وأكثر عمقا بشأن سوريا والشراكات المستقبلية معها، وشكل الحضور الاستثماري الخارجي وحجمه في قطاع يعد عمليا المنقذ الاقتصادي لسوريا.
ولا شك في أن هذا المعرض عكس، بصورة واضحة، حجم الاهتمام الدولي بالاستثمار في السوق السورية ومجمل قطاعاتها، مع تركيز أساسي على القطاع الزراعي وما يرتبط به من صناعات حيوية تدعم التنمية الاقتصادية وتحقق الأمن الغذائي، الذي يمثل اليوم محور الاهتمام العالمي في ظل المتغيرات المناخية وتداعياتها الكارثية على قطاع الزراعة في مختلف الدول.
ولأن المعرض يحمل أهدافا دولية، فقد جاء تحت عنوان “إعادة تموضع سوريا: السياسات والشراكات وإعادة الانفتاح على العالم”، إذ ترى سوريا في هذه المعارض بوابتها نحو شراكات دولية أوسع، ووسيلة لنقل مسارها من المشاركة إلى العمل، أي الانتقال من الجانب النظري إلى الجانب التطبيقي عبر تمويل الإنتاج وفتح الأسواق، مع امتلاك القدرة على المنافسة والمزاحمة.
وسوريا بلد زراعي بالدرجة الأولى، والزراعة في صلب الأمن الغذائي الذي يفتح لها أبواب الشراكات الدولية. ولذلك، فإن النقطة الأساسية هنا تتمثل في التركيز على إعادة تأهيل القطاع الزراعي، واستقطاب أكبر عدد ممكن من الشركات وبرامج التمويل لتحقيق هذا الهدف، الذي يصب في صلب الاستقرار الاجتماعي الذي تنشده سوريا عبر تحقيق أحزمة أمان اقتصادية تدعم المواطن السوري، من خلال الاكتفاء الذاتي وتوفير فرص العمل.
ومن جهة ثانية، يسهم ذلك في تحقيق استقرار سياسي مدعوم بجبهة اقتصادية داخلية متينة، بعيدا عن برامج الإغاثة الغذائية ومنظماتها التي غالبا ما تأتي مشروطة سياسيا.
ولذلك، يعد ينظر إلى تحقيق الأمن الغذائي باعتباره ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسيادة الوطنية. وعندما تكون التحديات التي تواجه دول المنطقة مشتركة وجامعة، يتوجب على الدول الانتقال من مرحلة التنسيق إلى مرحلة الشراكة الفعلية القائمة على تبادل الخبرات والمعرفة وتكامل الموارد.
وهذا ما تسعى إليه سوريا، التي تدفع اليوم باتجاه الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، أو وضع أسس متينة للتعاون تسرع مراحل التنسيق والتنفيذ.
تنسيق وتعاون وتشريعات داعمة
وكان وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار قد ركز على هذه النقطة خلال فعاليات المعرض، مشددا على أن القيمة المضافة الحقيقية للاقتصاد الوطني تكمن في تحويل المنتجات الزراعية إلى صناعات تحويلية، قائلا إن تصنيع هذه المنتجات يسهم في تحقيق قيمة مضافة كبيرة مقارنة بتصديرها مواد أولية.
وبين الشعار أن الصناعات الزراعية التحويلية تتميز بانخفاض تكاليفها التقنية وإمكان تنفيذها خلال فترة زمنية قصيرة، لافتا إلى أن وزارة الاقتصاد تعمل بالتنسيق مع وزارة الزراعة على حصر الموارد الزراعية المتاحة، وتحديد المنتجات القابلة للتصنيع والتصدير، بما ينسجم مع الإمكانات الجغرافية والتكنولوجية المتوافرة، ويسهم في تعزيز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
وأشار إلى وجود عمل منسق بين الوزارتين يضمن توحيد القرارات والسياسات الاقتصادية والزراعية.
وتبرز أهمية ما أكده الشعار بشأن أن الاقتصاد السوري “يجب أن يكون منتجا وتنافسيا ومنفتحا على العالم، وبالشراكة مع القطاع الخاص”، مشيرا إلى أن وزارة الاقتصاد والصناعة تعمل على “تهيئة بيئة استثمار جاذبة، عبر إزالة العقبات وتبسيط الإجراءات وتطوير التشريعات”.
أما وزير الزراعة باسل السويدان، فقد ركز على أن تحقيق الأمن الغذائي يبدأ بدعم المزارع بوصفه الركيزة الأساسية للإنتاج الزراعي، وأن هذا الإنتاج هو المحرك الأساسي للصناعة والاقتصاد، موضحا أن قانون الاستثمار الجديد يمنح القطاع الزراعي الأولوية، ويوفر تسهيلات من شأنها دعم الاستثمار وتعزيز الأمن الغذائي في سوريا.
وأكد السويدان أن وزارة الزراعة تعمل على تحديث التشريعات والقوانين لحماية المزارعين والمربين، وضمان جودة مستلزمات الإنتاج الزراعي، مشيرا إلى أن المنافسة بين الشركات ستسهم في توفير الأسمدة والمبيدات والأدوية البيطرية بجودة عالية وأسعار مناسبة، بما يحافظ على السلامة الغذائية والبيئية.
التعاون الدولي
وكان السويدان قد بحث، على هامش فعاليات معرض “فود سوريا إكسبو”، مع وفد من منظمة “كريستيان إيد”، سبل تعزيز التعاون في القطاع الزراعي، وتنفيذ برامج تنموية لدعم الأسر الريفية والتمكين الاقتصادي، بما يعزز التعافي الزراعي والأمن الغذائي في سوريا.
وخلال اللقاء، أكد السويدان انفتاح الوزارة على التعاون مع المنظمات الدولية، وتقديم التسهيلات لتنفيذ المشاريع التنموية، بما يدعم عودة المزارعين إلى أراضيهم واستقرارهم، موضحا أن الوزارة تعمل على تمكين المرأة الريفية، وتطوير سلاسل الإنتاج، وتشجيع الزراعة التعاقدية والاستثمار الزراعي، لرفع جودة الإنتاج وتحسين تسويق المحاصيل.
وطرحت المنظمة فكرة تنفيذ مشروع مشترك ممول من الحكومة الأميركية، يعتمد أساليب زراعية حديثة لدعم المجتمعات الريفية، وتمكين النساء، ومواجهة آثار التغير المناخي، وتعزيز الأمن الغذائي.
ويأتي المعرض بعد أيام من اجتماعات فنية انعقدت في العاصمة الأردنية عمان، في 22 تموز الجاري، بين وفد من وزارة الزراعة وفريق من البنك، استكمالا للتحضيرات الخاصة بإطلاق مشروع “STAR”، الذي سينفذ في سوريا بمنحة من البنك بقيمة 175 مليون دولار أميركي تمتد لست سنوات.
ويهدف المشروع إلى تطوير الإنتاج النباتي، وتحسين سلاسل القيمة الزراعية، ودعم قطاع الثروة الحيوانية، بما يؤدي إلى زيادة الإنتاجية وتعزيز استدامة القطاع الزراعي، إلى جانب تعزيز دور التعاونيات الزراعية وتفعيل عملها، لتحقيق أثر إيجابي على المزارعين والمجتمعات الريفية.
ويهتم المشروع أيضا بتعزيز دور القطاع الخاص وإشراكه في التنمية الزراعية، فضلا عن أتمتة الخدمات والإجراءات الزراعية وأعمال وزارة الزراعة، وتحسين كفاءة الأداء المؤسسي، بما يؤدي إلى إحداث نقلة نوعية في القطاع الزراعي السوري، وتعزيز الأمن الغذائي، ودعم مسارات التنمية الزراعية المستدامة.
وفي آذار الماضي، أطلقت وزارة الزراعة خطة استراتيجية شاملة تمتد حتى عام 2030، تهدف إلى استعادة دور القطاع الزراعي في دعم الأمن الغذائي الوطني، وتعزيز النمو الاقتصادي، والمساهمة في زيادة الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
وبينت الوزارة أن هذه الاستراتيجية تتمتع بدرجة عالية من المرونة، وتتيح تعديل الخطط وفق المتغيرات السياسية والاقتصادية والبيئية خلال المرحلة الانتقالية، بما يشكل فصلا جديدا في مسار تعافي القطاع الزراعي بعد سنوات من التحديات.
وتتمثل أولوية الاستراتيجية في تحقيق الأمن الغذائي الوطني، وضمان استدامة الموارد الطبيعية، ولا سيما الموارد المائية، إضافة إلى مشاركة القطاع الخاص في مجالات الإنتاج الزراعي والتصنيع والتسويق، وفق الوزارة.
وأوضحت الوزارة أنها تهدف إلى تطوير قطاع زراعي مستدام يسهم في تحسين سبل عيش السكان الريفيين، وتعزيز الأمنين الغذائي والمائي، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، مشيرة إلى أنه “سيجري العمل وفق خطط مرحلية قابلة للتعديل، للاستجابة السريعة لأي تغيرات في السياسات أو الموارد أو الظروف البيئية”.
كما تتضمن الاستراتيجية إعادة هيكلة الوزارة، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي، وتعزيز التكامل بين القطاعات الزراعية والبيئية، ورفع جودة الخدمات المقدمة للمزارعين، إضافة إلى المساهمة في جهود إعادة الإعمار وتخفيف العبء عن الدولة، بحسب ما ذكرته الوزارة.
وأضافت الوزارة أن الاستراتيجية تشمل تحليلا شاملا للواقع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني خلال العقود الماضية، إضافة إلى تقييم الخسائر التي تكبدها القطاع خلال سنوات الثورة السورية، مع تحديد نقاط القوة والضعف والفرص والتحديات وفق تحليل “SWOT”.
وبينت أن “الاستراتيجية تستند إلى إحداث تغيير منهجي يواجه التحديات القائمة بالتعاون مع الشركاء التنفيذيين، بهدف تأمين احتياجات القطاع في المرحلة المقبلة، وتعزيز الاستثمار على أساس الزراعة المستدامة، وترشيد الموارد المائية وصيانتها”.
ماذا تقول البيانات؟
ما زالت الوقائع على الأرض، في جزء كبير منها، تفرض جملة من التحديات، ما يجعل النتائج المرجوة محدودة التأثير، وفق الإعلامي والباحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية الدكتور عدي سلطان، الذي يشير إلى أن البيانات المتاحة تبين حجم الفجوة التي ما زالت قائمة في المشهد الغذائي السوري.
ويضيف سلطان، في حديث لـ”الثورة السورية”: “وفقا لمسح الأمن الغذائي الأسري لعام 2025، الذي أجرته هيئة التخطيط والإحصاء بالشراكة مع برنامج الأغذية العالمي، ارتفعت نسبة الأسر الآمنة غذائيا إلى 18.4 في المئة، مقارنة بـ11.1 في المئة في العام السابق، وهو تحسن نسبي ملحوظ، غير أنه يترك أكثر من أربعة أخماس الأسر، أي ما يقارب ثلاثة عشر إلى أربعة عشر مليونا ونصف المليون شخص، في مستويات متفاوتة من انعدام الأمن الغذائي”.
وتقدر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن نحو 14.6 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي، من بينهم 9.1 ملايين في حالة حادة، و1.4 مليون في حالة شديدة.
أما خطة الطوارئ والمرونة للمنظمة للفترة 2026-2028، فتستهدف الوصول إلى 9.8 ملايين شخص، وتتطلب تمويلا قدره 286.7 مليون دولار أميركي، مع تركيز واضح على الجمع بين الدعم الطارئ والتدخلات التي تمهد للتعافي المبكر في مجالات إنتاج القمح والثروة الحيوانية وإعادة تأهيل شبكات الري.
ويبرز الأمن الغذائي هنا، ليس بوصفه مجرد مؤشر إنساني، بل بوصفه عاملا بنيويا في تثبيت الاستقرار السياسي والاجتماعي، كما يؤكد سلطان.
فالمجتمعات الريفية التي تعتمد على الزراعة مصدرا أساسيا للدخل تواجه مخاطر متزايدة من النزوح الداخلي والضغط على المدن، في حين أن تحسن القدرة الإنتاجية المحلية يمكن أن يخفف من حدة التوترات الناجمة عن ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية.
ويبقى هذا الدور مشروطا بإعادة بناء الأصول الإنتاجية المتضررة، إذ أدت عوامل الحرب والجفاف المتكرر إلى تدهور واسع في شبكات الري، ونقص في البذور المحسنة، وتفكك سلاسل التخزين والتسويق.
ففي موسم 2024-2025، انخفض إنتاج الحبوب إلى نحو 1.2 مليون طن، أي أكثر من 60 في المئة دون المتوسط طويل الأجل، فيما تشير التقديرات الأولية لموسم 2025-2026 إلى تحسن نسبي في إنتاج القمح، يصل إلى ما بين 2.3 و2.5 مليون طن متري.
ويبقى هذا الإنتاج دون الاحتياجات الوطنية المقدرة بنحو أربعة ملايين طن، ما يترك فجوة مستمرة تتطلب الاستيراد أو المساعدات.
مبادرات ما زالت “طارئة”
وبالتوازي، يتابع سلطان، تظهر محاولات جذب التمويل الدولي والإقليمي بوادر أولية محدودة النطاق. فقد اعتمد صندوق المناخ الأخضر أول مشروع وطني لسوريا بقيمة 27.7 مليون دولار لتعزيز القدرة على مواجهة ندرة المياه في الأحواض الأكثر تضررا، في حين وافق البنك الدولي على منح سابقة شملت 150 مليون دولار لقطاع المياه ضمن حزمة أوسع.
وتواصل منظمة الأغذية والزراعة “فاو” تنفيذ برامج بالشراكة مع جهات مانحة، مثل المملكة المتحدة، لدعم نحو 114 ألف أسرة زراعية، إلى جانب مشاريع إعادة تأهيل الري في مناطق مثل ريف دمشق واللاذقية ومناطق أخرى، ومساهمات من صندوق التعافي السوري وصناديق عربية وإسلامية.
كما شهد المعرض الدولي لقطاعات الزراعة والغذاء والصناعة، المقام في دمشق بين 26 و28 تموز 2026، حضور ممثلين عن المنظمة و”اليونيسف”، مع تأكيد أهمية الاستثمار في النظم الزراعية والغذائية المستدامة، وتعزيز القيمة المضافة للمنتجات المحلية.
وما زالت هذه المبادرات، في معظمها، ضمن إطار الطوارئ والتعافي المبكر، ولم تتحول بعد إلى عقود تمويلية استراتيجية واسعة النطاق أو برامج طويلة الأمد لإعادة هيكلة سلاسل القيمة بأكملها.
وفي المحصلة، يشير سلطان إلى أن الأمن الغذائي يمكن أن يشكل مدخلا عمليا لعودة جزء من التمويل التنموي الدولي إلى سوريا، شريطة أن تترجم النقاشات والمشاركات في المعارض إلى خطط تنفيذية قابلة للقياس، ترتكز على إعادة تأهيل البنية التحتية الإنتاجية، وتطوير سلاسل التسويق والتخزين، وتعزيز النظم المحلية للبذور المحسنة والري الكفء؛ فالانتقال من الإغاثة إلى الإنتاج مسار يرتبط ارتباطا مباشرا بقدرة المجتمعات على استعادة سبل عيشها وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.
مها سلطان
المصدر: الثورة السورية
