في عام 1961، وقف عالم الحاسوب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، “فيرناندو كورباتو”، أمام مشكلة تنظيمية: كيف يمنح كل باحث وقتًا مخصصًا على أجهزة الحاسوب المركزية الضخمة دون أن يطلع أحدهم على ملفات الآخر؟
ولتحقيق هذا الهدف اخترع “كورباتو” مفهوم كلمة السر، ولم يكن يتخيل أن هذه الفكرة البسيطة المصممة لترتيب أوقات الباحثين ستتحول بعد عقود إلى عبء اقتصادي عالمي تتجاوز تكاليف إدارته وحمايته مليارات الدولارات سنوياً.
ففي كل يوم، يكتب مليارات الأشخاص كلمات المرور الخاصة بهم بأشكالها المختلفة دون أن يفكروا فيها كثيرًا، لكن خلف هذا التسلسل البسيط من الأحرف والأرقام، تقف واحدة من أكبر وأسرع مجالات الإنفاق نموًا في الأمن السيبراني.
فقد أصبحت حماية كلمات المرور –والتقنيات التي بدأت تحل محلها تدريجياً– مجالاً استراتيجياً تُستثمر فيه مليارات الدولارات، في ظل سباق تخوضه الحكومات والشركات لحماية الهويات الرقمية من موجة غير مسبوقة من الهجمات الإلكترونية.
وتكشف الأرقام حجم هذا التحدي؛ إذ تؤكد شركة مايكروسوفت أنها ترصد أكثر من 7000 هجوم على كلمات المرور كل ثانية.
في المقابل يقدّر أحدث تقرير لتكلفة اختراق البيانات الصادر عن آي بي إم أن متوسط تكلفة اختراق البيانات عالميًا بنحو 4.88 مليون دولار أمريكي لكل حادثة.
لذلك، لم تعد حماية كلمات المرور مجرد مهمة تقنية ضمن أقسام تكنولوجيا المعلومات، بل تحولت إلى محور رئيسي في استراتيجيات الإنفاق على الأمن الرقمي، بهدف تقليل الخسائر المالية وتعزيز استمرارية الأعمال.
صناعة تتجاوز 24 مليار دولار
أدى تزايد الإنفاق العالمي على حماية كلمات المرور إلى نمو سوق أوسع لحلول إدارة الهوية والوصول، والذي يشمل برامج إدارة كلمات المرور، وأنظمة المصادقة متعددة العوامل، وإدارة الحسابات ذات الصلاحيات المرتفعة، والمصادقة البيومترية، وغيرها من التقنيات.
ودفعت البيئة المتزايدة للتهديدات السيبرانية، والامتثال التنظيمي الصارم، وبيئات العمل الموزعة، سوق إدارة الهوية والوصول للنمو بقوة.
وتُظهر بيانات الاستطلاع الصادرة عن مركز ستراتفيو ريسيرش أن الإنفاق المؤسسي العالمي على أنظمة إدارة الهوية والوصول بلغ 21.52 مليار دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى 24.56 مليار دولار في عام 2026.
وبحسب بعض التقديرات، تنفق المؤسسات بانتظام ما يزيد على 480 دولارًا سنويًا لكل موظف، لضمان أن الشخص الذي يسجل الدخول هو بالفعل صاحب الهوية المصرح له باستخدام الحساب، عند احتساب تكلفة رموز المصادقة متعددة العوامل، وخزائن كلمات السر المؤسسية.
ويبرر ذلك منطق اقتصادي بسيط؛ إذ إن منع اختراق إلكتروني واحد قد يعوض سنوات كاملة من الإنفاق على أمن الهوية الرقمية.
ضريبة النسيان.. ثمن باهظ لفقدان كلمة السر
لا تقتصر تكلفة كلمات المرور على المخاطر الأمنية فحسب، بل تمتد إلى خسائر تشغيلية تتحملها الشركات يوميًا، حتى في الحالات التي لا تتعرض فيها لأي اختراق إلكتروني.
فخلف كل كلمة مرور منسية يقف نظام دعم فني كامل مخصص لإعادة تعيين الحسابات واستعادة الوصول إليها.
وتشير تقديرات شركة جارتنر إلى أن ما بين 20% و50% من إجمالي طلبات الدعم الفني داخل المؤسسات ترتبط بإعادة ضبط كلمات المرور، ما يجعلها واحدة من أكثر المهام استنزافًا لفرق تقنية المعلومات.
ولا تتوقف التكلفة عند وقت موظفي الدعم الفني، بل تشمل أيضًا الإنتاجية المفقودة للموظفين الذين يتعذر عليهم الوصول إلى أنظمة العمل.
ووفقاً لدراسة صادرة عن فورستر، يبلغ متوسط التكلفة الإجمالية لإعادة تعيين كلمة مرور واحدة عبر مكتب الدعم الفني نحو 70 دولارًا أمريكيًا، بعد احتساب أجور فرق الدعم وساعات العمل الضائعة.
وتزداد الفاتورة بشكل ملحوظ في الشركات الكبرى، فبحسب بيانات شركة 1 باسوورد، يقضي الموظف في المؤسسات متوسطة الحجم ما متوسطه 12.6 دقيقة أسبوعيًا في كتابة كلمات المرور أو إدارتها أو إعادة تعيينها، وهو ما يعادل نحو 11 ساعة سنويًا لكل موظف.
وفي شركة تضم 10 آلاف موظف، يترجم ذلك إلى خسائر إنتاجية تقدر بنحو 3.3 مليون دولار سنوياً.
ولهذا السبب، لم يعد الاستثمار في أمن كلمات المرور يهدف فقط إلى منع الاختراقات الإلكترونية، بل أصبح وسيلة لخفض التكاليف التشغيلية أيضاً.
ولذلك تتجه المؤسسات بصورة متزايدة إلى حلول مثل إعادة تعيين كلمات المرور ذاتيًا، وأنظمة تسجيل الدخول الموحد، وتقنيات تسجيل الدخول دون كلمة مرور، لتقليل الضغط على فرق الدعم الفني، وتحسين إنتاجية الموظفين، وتعزيز أمن الهوية الرقمية في الوقت نفسه.
الاستثمارات تقلص فاتورة الاختراق
قد يتعجب البعض من حجم الاستثمارات التي تخصصها الحكومات والشركات لحماية كلمات المرور وأنظمة الهوية الرقمية، لكن الأرقام تكشف أن تكلفة الوقاية تظل أقل بكثير من فاتورة الاختراقات الأمنية.
وتوفر الحوادث الكبرى دليلًا عمليًا على ذلك، ففي عام 2017 تعرضت شركة إكويفاكس لاختراق أدى إلى كشف البيانات الشخصية لنحو 147 مليون شخص، وانتهى الأمر بتسويات والتزامات تجاوزت 1.7 مليار دولار أمريكي.
وفي عام 2023، تعرضت شركة إم جي إم ريزورتس لهجوم إلكتروني أدى إلى تعطيل الفنادق وأنظمة الحجز والكازينوهات لعدة أيام، وقدرت الشركة الأثر المالي المباشر بنحو 100 مليون دولار، بخلاف تكاليف الاستجابة والتحقيقات اللاحقة.
ولا يقتصر الأمر على الشركات الخاصة؛ ففي عام 2024 أعلنت شركة تشينج هيلث كير، التابعة لمجموعة يونايتد هيلث، أن الهجوم الإلكتروني الذي استهدفها تسبب في خسائر تجاوزت 3 مليارات دولار.
وأدى الهجوم إلى تعطيل عمليات معالجة المطالبات الطبية في آلاف المستشفيات والصيدليات داخل الولايات المتحدة، ليصبح من أكثر الهجمات الإلكترونية تكلفة في تاريخ القطاع الصحي.
القطاع الحكومي نال هو الآخر حظه من الهجمات السيبرانية، ففي المملكة المتحدة، تعرضت هيئة الخدمات الصحية الوطنية لهجوم إلكتروني عام 2017، ما أدى إلى إلغاء نحو 19 ألف موعد طبي وتعطيل أكثر من 80 مؤسسة صحية.
وقدر مكتب التدقيق الوطني البريطاني التكلفة المباشرة للهجوم بنحو 92 مليون جنيه إسترليني (122.3 مليون دولار أمريكي)، شملت استعادة الأنظمة، وفقدان الإنتاجية، وتكاليف التعافي.
ورغم أن الهجوم لم يكن نتيجة كلمة مرور ضعيفة وحدها، فإنه كشف الثمن الباهظ لإهمال ضوابط الأمن السيبراني وإدارة الهوية والوصول داخل المؤسسات الحكومية.
ولهذا، باتت المؤسسات اليوم تنظر إلى الإنفاق على إدارة الهوية، والمصادقة متعددة العوامل، وبرامج إدارة كلمات المرور، وتقنيات انعدام الثقة، باعتباره استثمارًا وقائيًا يحد من مخاطر قد تكلفها عشرات أو حتى مليارات الدولارات.
ورغم أن كلمة المرور وُلدت قبل أكثر من ستة عقود، كحل بسيط لتنظيم استخدام حاسوب داخل مختبر جامعي، فإنها تحولت اليوم إلى أحد أكثر الأصول الرقمية حساسية في الاقتصاد العالمي.
قد تختفي كلمة المرور بالشكل الذي نعرفه اليوم، لكن الاستثمار في حماية الهوية الرقمية لن يختفي؛ فالمعركة لم تعد تدور حول سلسلة من الأحرف والأرقام، بل حول حماية مفتاح الدخول إلى عالم الاقتصاد الرقمي.
المصادر: أرقام- شركة آي بي إم- شركة مايكروسوفت- تحالف فايدو- مركز ستراتفيو ريسيرش- مكتب التدقيق الوطني البريطاني
من كلمة المرور للهوية الرقمية .. مليارات الدولارات خلف شاشة تسجيل الدخول
