عودة المغتربين.. اختبار لتحويل الإنفاق الموسمي إلى تعافٍ مستدام

زمن القراءة: 9 دقائق

مع كل موسم عطلة وصيف، تتجاوز عودة آلاف المغتربين السوريين حدود اللقاءات العائلية، لتتحول إلى حركة اقتصادية تضخ سيولة إضافية في الأسواق المحلية، وتدعم قطاعات التجارة والسياحة والخدمات.
ويرافق هذا الحراك ارتفاع ملحوظ في الطلب على السلع والمنتجات والخدمات، ما ينعكس إيجاباً على النشاط الاقتصادي، لكنه يطرح في الوقت ذاته تحديات تتعلق باستقرار الأسعار، وجودة الخدمات، ومدى قدرة السوق على تحويل هذا الإنفاق الموسمي إلى أثر اقتصادي مستدام، بعيداً عن الممارسات التي قد تفقد الاقتصاد جزءاً من هذه المكاسب.
قفزة بالأرقام
تؤكد أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة الإحصاء في وزارة السياحة أن عودة المغتربين السوريين تحولت إلى ظاهرة لافتة بالأرقام؛ إذ سجل النصف الأول من عام 2026 تدفقاً استثنائياً للمغتربين بلغ 2.13 مليون شخص.
ويمثل هذا الرقم قفزة نوعية، مع نسبة نمو بلغت 75 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، التي بلغ عدد المغتربين القادمين خلالها نحو 1.22 مليون شخص.
ويضع هذا النمو المتسارع المغتربين السوريين في صدارة محركات النشاط السياحي والتجاري، إذ شكّلوا الكتلة الأكبر من إجمالي القادمين إلى البلاد، البالغ عددهم 3.52 ملايين زائر، بنسبة نمو عامة بلغت 111 بالمئة.
وبالتوازي مع ذلك، شهدت حركة السياحة الوافدة انتعاشاً ملحوظاً؛ إذ استقبلت المنافذ السورية 664 ألف سائح عربي، بنسبة نمو بلغت 107 بالمئة، تصدرتها الجنسيات الأردنية واللبنانية والعراقية.
كما سجلت السياحة الأجنبية القفزة الأعلى، بنمو قياسي قُدّر بنحو 448 بالمئة، ليصل عدد السياح الأجانب إلى 719 ألف سائح، وجاءت تركيا في صدارة الدول الأكثر إرسالاً للسياح، تلتها دول يقيم فيها عدد كبير من السوريين، مثل ألمانيا والسويد والولايات المتحدة وهولندا وكندا وبريطانيا، ما يعكس تداخل حركة الاغتراب السوري مع تدفقات السياحة الأجنبية.
وأشار وزير السياحة مازن الصالحاني، إلى البعد الاستراتيجي لهذه العودة، معتبراً أن “السوريين المغتربين هم سفراء سوريا في العالم، وأن استعادة ثقتهم بوطنهم هي الخطوة الأولى نحو ترسيخ ثقة العالم بسوريا كوجهة سياحية واستثمارية”.
وأوضح الصالحاني أن الارتفاع المتواصل في أعداد القادمين يفتح آفاقاً جديدة وواعدة للاستثمار في قطاعات الفنادق والضيافة والخدمات، بما يدعم بنية الاقتصاد الوطني.
محرك موسمي
يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي عبد الله قزاز، أن عودة المغتربين إلى سوريا خلال مواسم العطل تمثل أحد أهم المحركات الموسمية للنشاط الاقتصادي، لما تتركه من أثر مباشر في تنشيط الأسواق المحلية ورفع مستويات الطلب في العديد من القطاعات.
وأوضح قزاز لصحيفة “الثورة السورية” أن هذا النشاط ينعكس بصورة واضحة على قطاع تجارة التجزئة، مع زيادة الإقبال على شراء الملابس والأحذية والأجهزة الإلكترونية والسلع الاستهلاكية، إلى جانب انتعاش المطاعم والفنادق والمنشآت السياحية، فضلاً عن ارتفاع الطلب على خدمات النقل والأنشطة السياحية.
وأشار قزاز إلى أن ازدياد الطلب الناتج عن سياحة التسوق وزيارات المغتربين قد يؤدي إلى ارتفاعات مؤقتة في الأسعار، إلا أنه يفتح في الوقت ذاته نافذة مهمة أمام الاقتصاد الوطني لتعزيز الإنتاج المحلي وزيادة دوران رأس المال، شريطة أن تكون الأسواق والقطاعات الإنتاجية قادرة على الاستجابة لهذا الطلب بكفاءة.
وأضاف أن تلبية احتياجات السوق محلياً تسهم في رفع الطاقة الإنتاجية للمصانع، وتوفير فرص عمل جديدة، بما يعزز الدورة الاقتصادية، ويحد من الاعتماد على المستوردات، ويزيد من فرص تحويل الإنفاق الموسمي إلى أثر اقتصادي أكثر استدامة.
من جهته، قال أمين سر جمعية حماية المستهلك والخبير الاقتصادي عبد الرزاق حبزة، لصحيفة “الثورة السورية”، إن المغتربين باتوا يشكلون النسبة الأكبر من حركة القادمين إلى سوريا، إذ تتجاوز نسبتهم 75 بالمئة من إجمالي الوافدين، ما يجعلهم ركيزة أساسية للحركة الاقتصادية والتجارية والسياحية خلال الموسم الحالي.
لكن حبزة لفت إلى أن “الفارق الكبير” بين القدرة الشرائية للمغتربين والسكان دفع بعض التجار وأصحاب الخدمات إلى التركيز على المغترب، معتبراً أن هذه المقاربة تحمل “مخاطر كبيرة على المدى البعيد”.
وأكد أن التاجر مطالب بإيجاد توازن يحقق الاستفادة من إنفاق المغتربين دون خسارة المقيم، لأن استمرار التعامل التفضيلي مع فئة على حساب أخرى يؤدي في النهاية إلى خسارة الطرفين.
الإنفاق الموسمي والأثر المستدام
في مقابل هذه التحديات، يرى قزاز أن تعظيم الأثر الاقتصادي لعودة المغتربين يتطلب سياسات تحول الإنفاق الموسمي إلى مكاسب تنموية مستدامة.
وأوضح قزاز أن تحويل الإنفاق الموسمي للمغتربين إلى أثر اقتصادي مستدام يتطلب حزمة من السياسات والإجراءات، في مقدمتها تحفيز الإنتاج المحلي عبر تقديم حوافز للمصنعين لزيادة الإنتاج وتحسين الجودة، إلى جانب تطوير البنية التحتية، ورفع كفاءة خدمات النقل واللوجستيات، بما يضمن سهولة حركة السلع والأشخاص ويعزز النشاط التجاري.
وأضاف أن نجاح هذا التوجه يرتبط أيضاً بتعزيز التسويق السياحي للمنتجات السورية والوجهات المحلية، والعمل على بناء علامة تجارية وطنية قادرة على استقطاب المزيد من الزوار والمغتربين، بالتوازي مع دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتشجيع الابتكار، بما يسهم في تنويع المنتجات والخدمات، وتوسيع قاعدة الإنتاج الوطني.
ولفت قزاز إلى أن العديد من التجارب الدولية أثبتت نجاحها في تحويل سياحة التسوق إلى رافد اقتصادي مهم، مستشهداً بتجربة سنغافورة التي طورت مناطق تسوق عالمية وجذبت ملايين الزوار، وتركيا التي استثمرت في الأسواق التقليدية والمراكز التجارية الكبرى، إضافة إلى الإمارات التي عززت مكانتها عبر مهرجانات التسوق واستقطاب الاستثمارات التجارية.
وأكد أن سوريا تستطيع الاستفادة من هذه التجارب عبر تطوير تجربة التسوق، وتحسين البيئة التجارية والخدمية، والاعتماد على أدوات التسويق الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي للترويج للمنتجات والأسواق المحلية، فضلاً عن الاستثمار في البنية التحتية والطرق والمواصلات، بما يسهل الوصول إلى الأسواق والمراكز التجارية ويعزز جاذبيتها.
وشدد على أن تبني هذه السياسات بصورة متكاملة من شأنه أن يحول سياحة التسوق من نشاط موسمي إلى رافد اقتصادي مستدام، يسهم في تنشيط التجارة، ودعم الإنتاج الوطني، وتعزيز ارتباط المغتربين باقتصاد بلدهم.
الأسعار والخدمات
في الوقت الذي يوفر فيه هذا تدفق المغتربين فرصة لزيادة المبيعات وتحريك عجلة الإنتاج المحلي ودوران رأس المال، يحذر خبراء من أن الارتفاع غير المبرر للأسعار وضعف جودة بعض الخدمات قد يبددا هذه الفرصة، ويؤثرا في قرار المغتربين بتكرار الزيارة مستقبلاً.
وأوضح حبزة أن عودة المغتربين بعد سنوات من الغياب، وامتلاكهم مدخرات بالدولار أو اليورو، أسهما في تنشيط الأسواق والخدمات والقطاع السياحي، إلا أن هذا الواقع أفرز، في المقابل، مظاهر استغلال وارتفاعات سعرية غير مبررة.
وأشار إلى أن العديد من المغتربين يقارنون بين مستوى الخدمات والأسعار في سوريا والدول التي يقيمون فيها، ويلاحظون وجود فجوة واضحة، سواء من حيث جودة الخدمات أو استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن ارتفاع الطلب مع قدوم المغتربين انعكس في زيادات متتالية في الأسعار، بينما لم ترتقِ الخدمات والمنتجات دائماً إلى المستوى الذي يبرر تلك الزيادات.
وأضاف أن الجمعية تلقت شكاوى عديدة من مغتربين أعربوا عن استغرابهم من التكاليف المرتفعة في المطاعم والمنتجعات ووسائل النقل والأماكن السياحية المختلفة، موضحاً أن بعضهم كان ينظر في البداية إلى ارتفاع الأسعار على أنه أمر محتمل بسبب فارق العملة، إلا أن الإقامة لفترات أطول كشفت لهم حجم “الاستغلال” الذي وصفه بـ “الجشع والطمع في بعض الحالات”.
وحذر حبزة من أن الآثار السلبية لهذه الممارسات قد لا تظهر بشكل فوري، لكنها تترك انطباعات سيئة عن الواقع الخدمي والسياحي في البلاد، وقد تدفع كثيراً من المغتربين مستقبلاً إلى العزوف عن زيارة سوريا أو تقليص مدة إقامتهم فيها، مفضلين قضاء عطلاتهم في دول أخرى توفر خدمات أفضل وبتكاليف أقل أو مماثلة.
ودعا حبزة التجار وأصحاب المنشآت السياحية والخدمية إلى التعامل مع المغتربين باعتبارهم شركاء دائمين في دعم الاقتصاد الوطني، وليسوا مصدراً لتحقيق أرباح سريعة، مؤكداً أن حسن المعاملة، والأسعار العادلة، وجودة الخدمات تشجعهم على تكرار الزيارة والاستمرار في دعم الحركة الاقتصادية.
كما شدد على ضرورة عدم إهمال المستهلك المقيم، لأن الحفاظ على التوازن بين الطرفين هو الضمان الحقيقي لاستدامة النشاط التجاري والسياحي وتحقيق المكاسب للجميع.
وبينما تشير البيانات وآراء الخبراء إلى أن دخول أكثر من مليوني مغترب خلال النصف الأول من العام وفر قوة شرائية أسهمت في تنشيط الأسواق وتحريك قطاعات التجارة والسياحة والخدمات، تبقى استدامة هذا الأثر الاقتصادي تبقى مرهونة بقدرة الأسواق على الاستجابة للطلب دون ارتفاعات غير مبررة في الأسعار، وبمستوى جودة الخدمات المقدمة، إلى جانب فعالية الرقابة وتعزيز الإنتاج المحلي.
ويتطلب تحويل الإنفاق الموسمي للمغتربين إلى رافد اقتصادي مستدام بيئة تجارية أكثر كفاءة وتنافسية، بما يشجع على تكرار الزيارة، ويعزز مساهمة هذا الإنفاق في دعم الإنتاج الوطني والنمو الاقتصادي.
رولا عيسى
المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار