في إطار مساعي سوريا لإعادة بناء الثقة بمنظومتها المالية وتعزيز اندماجها في النظام المالي العالمي، أطلقت هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب- أمس الثلاثاء- ورشة عمل تشاورية بعنوان: “نحو الاستراتيجية الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح”، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، في خطوة تمثل تحوّلاً مؤسسياً نحو ترسيخ معايير الشفافية والامتثال المالي، ورفع كفاءة المنظومة الرقابية بما يواكب المتطلبات الدولية ويعزز فرص التعافي الاقتصادي والاستثماري.
وأكد رئيس هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان، أن إعداد الاستراتيجية الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح يمثّل فرصة لترسيخ رؤية وطنية مشتركة، وتوحيد الجهود بين مختلف الجهات المعنية، من أجل رفع كفاءة منظومة المكافحة وتعزيز التنسيق والتكامل المؤسسي.
وقال رسلان في كلمة له خلال إطلاق الاستراتيجية: إن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح باتت اليوم ركناً أساسياً من أركان الاستقرار الاقتصادي والمالي، وعنصراً رئيسياً في حماية الاقتصاد الوطني، وتعزيز نزاهة النظام المالي، وترسيخ الثقة بالمؤسسات، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار والتنمية المستدامة.
وجدد رسلان تأكيد سوريا المتواصل على تطوير منظومتها الوطنية بما ينسجم مع المعايير الدولية، وفي مقدّمتها توصيات مجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، مع مراعاة الأولويات الوطنية وخصوصية البيئة المؤسسية.
وأشار رسلان إلى أن العمل جار على استكمال الإصلاحات التشريعية والمؤسسية والفنية، وتعزيز فعّالية منظومة المكافحة، بما يدعم جهود سوريا لاستيفاء المتطلبات الدولية والخروج من القائمة الرمادية في أقرب وقت ممكن من خلال العمل الجاد، والتنفيذ الفعّال، والتعاون الوثيق بين جميع الجهات الوطنية.
ومجموعة العمل المالي الدولية (FATF) هيئة حكومية دولية تأسست عام 1989، وتختص بوضع المعايير العالمية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح، من خلال إصدار توصيات تشكل مرجعاً للدول في تطوير تشريعاتها وأنظمتها الرقابية. كما تقوم بتقييم مدى التزام الدول بهذه المعايير، وتصنيفها وفق مستويات المخاطر، بما يؤثر في ثقة المؤسسات المالية الدولية بعلاقاتها المصرفية والاستثمارية، وتعد معالجة الملاحظات المرتبطة بمعايير المجموعة خطوة أساسية للدول الراغبة في تعزيز اندماجها في النظام المالي العالمي.
تحوّل استراتيجي
تأتي هذه الاستراتيجية في سياق أولويات سوريا الجديدة، بعد أكثر من عقد من العزلة المالية، حيث شهدت هذه الفترة رفعاً تدريجياً لمعظم العقوبات الدولية، وعودة تدريجية للاستثمار والتجارة إلى جانب مؤشرات مبكرة على التعافي الاقتصادي، وفق ما قال الممثل المقيم بالإنابة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا روحي الأفغاني.
ولفت الأفغاني إلى أن هذه الاستراتيجية تشكّل الإطار الذي يعيد توجيه التدفقات تدريجياً نحو القنوات الرسمية، ليحصن الاقتصاد السوري من المخاطر من خلال نظم مالية شفافة تحظى بالثقة الوطنية والدولية وتسهم بدعم مسار الخروج من القائمة الرمادية.
وفي هذا الإطار، رأى الخبير الاقتصادي حسام خليلو أن إعداد الاستراتيجية الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح يمثّل خطوة مهمة لتعزيز متانة القطاع المالي السوري ومواءمة منظومته الرقابية مع المعايير الدولية، من شأنها أن تسهم في تحسين موقع سوريا ضمن منظومة الامتثال المالي العالمية، بما يدعم جهود التعافي الاقتصادي ويعزز ثقة المؤسسات المالية الدولية.
وتوقع خليلو أن تسهم الاستراتيجية في تحسين تقييم سوريا لدى مجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، بما يقلل من مخاطر إدراجها ضمن القوائم عالية المخاطر.
وأضاف في حديثه لـ”الثورة السورية” أن الاستراتيجية ستعزز فرص استعادة علاقات المراسلة المصرفية مع البنوك العالمية، الأمر الذي قد يخفض تكاليف الحوالات الخارجية بنسبة تتراوح بين 15 و20 بالمئة، إلى جانب المساهمة في تقليل تكاليف التجارة الخارجية عبر تخفيض رسوم تأمين الشحن وتسهيل فتح الاعتمادات المستندية لاستيراد السلع الأساسية.4
وأوضح الخبير أن الاستراتيجية توفر إطاراً رقابياً يعزز حماية القطاع المصرفي من مخاطر العقوبات أو تجميد الأصول في الخارج، مبيناً أنها ستسهم في الحد من الاقتصاد الموازي من خلال دمج الكتل النقدية المتداولة خارج القنوات الرسمية في المنظومة المصرفية، بما يدعم زيادة الودائع وتعزيز النشاط الاقتصادي.
من جهته قال الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، لصحيفة “الثورة السورية”: إن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تمثّل ضرورة على المستويين المحلي والدولي، في ظلّ التوافق العالمي على مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم المرتبطة بها، مثل تهريب الأسلحة والمخدرات والآثار، إضافة إلى الأموال المتحصلة بطرق غير مشروعة.
وأشار الدبس إلى أن مرتكبي هذه الجرائم يلجؤون إلى التحويلات الوهمية، وعمليات البيع والشراء الصورية، وإنشاء مشاريع تجارية وهمية لإضفاء صفة قانونية على أموالهم وإدخالها إلى الدورة الاقتصادية.
ولفت إلى أن الاستراتيجية تهدف داخلياً إلى منع استخدام الأنشطة التجارية والمالية كغطاء لغسل الأموال أو تمويل الإرهاب، وخارجياً إلى تعزيز التزام سوريا بالمعايير الدولية، بما يرسخ الثقة في نظامها المالي ويتيح توسيع التعاون المالي والاستثماري مع الدول والمؤسسات الدولية.
وتستهدف الخطّة- بحسب الدبس- تنظيم عمل القطاع المصرفي، والرقابة على تأسيس الشركات، وعمليات الاستيراد والتصدير، بما يضمن توافقها مع النشاط الاقتصادي الحقيقي، دون تقييد الاستثمار أو التجارة المشروعة.
مساحة تشاورية
تهدف الورشة التي عُقدت في دمشق، بحضور عدد من الوزراء والمسؤولين، إلى توفير مساحة تشاورية تجمع الجهات الوطنية المعنية والخبراء والمختصين للمساهمة في صياغة الاستراتيجية، بما ينسجم مع تطلعات الدولة السورية والمعايير الدولية ذات الصلة.
وناقش المشاركون تطوير الإطار الوطني لمواجهة هذه الجرائم، بالاستفادة من الاتفاقيات الدولية والتجارب المقارنة، بما يعزز فعّالية الإجراءات الوقائية والرقابية.
وأكد وزير العدل مظهر الويس أن سوريا تولي ملف جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب أهمية خاصة، باعتباره جزءاً أساسياً من جهود ترسيخ سيادة القانون، وتعزيز النزاهة، وحماية الاقتصاد الوطني والمجتمع من المخاطر الناجمة عن الأنشطة المالية غير المشروعة.
وقال الوزير الويس: إن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ليست مسؤولية دولة بعينها، وإنما مسؤولية جماعية تتطلب شراكة دولية فاعلة تقوم على الثقة والاحترام المتبادل وتبادل الخبرات والمعرفة.
من جانبه، أوضح وزير الداخلية أنس خطاب، أن جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب من أبرز التحديات التي تواجه الدول، لما لها من آثار مباشرة على الأمن والاستقرار وسيادة القانون.
وبيّن أن الوزارة تضطلع بدور محوري في المنظومة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب من خلال إنفاذ القانون، وكشف الجرائم المالية، وملاحقة الشبكات الإجرامية، وتعزيز قدرات وحدات البحث والتحري، وتطوير آليات جمع وتحليل المعلومات، والتنسيق المستمر مع هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والنيابة العامة والسلطة القضائية.
فيما أشار وزير المالية محمد يسر برنية، إلى أن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تشكل جزءاً أساسياً من منظومة حماية الاقتصادات الوطنية، ولم تعد شأناً رقابياً أو مصرفياً، إذ ترتبط بسلامة النظام المالي، وثقة المستثمرين، واستقرار بيئة العمل، وفعّالية مؤسسات الدولة.
كما شدد وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار على أن تطوير المنظومة الوطنية يوفر أساساً قانونياً متكاملاً يشمل التدابير الوقائية والعقوبات والتعاون الدولي، وتعزيز استقلالية قدرات وحدة الاستخبارات المالية، وتمكينها من استقبال وتحديد تقارير العمليات المشبوهة، وربطها إلكترونياً بالجهات الرقابية والقضائية وجهات إنفاذ القانون.
معايير مجموعة العمل المالي الدولية
تضع مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) إطاراً عالمياً لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، يُعرف باسم “التوصيات الأربعين” (The FATF Recommendations)، ويُعد المرجع الدولي الأساسي الذي تستند إليه الدول في تطوير تشريعاتها وأنظمتها الرقابية. وتنقسم هذه التوصيات إلى سبعة محاور رئيسية تشمل: السياسات الوطنية والتنسيق المؤسسي، وتجريم غسل الأموال ومصادرة عائدات الجريمة، ومكافحة تمويل الإرهاب وانتشار التسلح، والإجراءات الوقائية التي تلتزم بها المؤسسات المالية، وشفافية الملكية الفعلية للشركات، وصلاحيات الجهات الرقابية وإنفاذ القانون، والتعاون القضائي والأمني الدولي.
وإلى جانب مراجعة وجود القوانين، تقيّم المجموعة أيضاً مدى فاعلية تطبيقها عملياً، من خلال قياس قدرة الدول على اكتشاف الجرائم المالية والتحقيق فيها وملاحقة مرتكبيها، ومصادرة الأموال غير المشروعة، والإشراف على القطاع المالي، وتبادل المعلومات مع الدول الأخرى، بما يضمن حماية النظام المالي من الاستغلال في الأنشطة الإجرامية.
وتصدر المجموعة ثلاث مرات سنوياً قائمتين رئيسيتين؛ الأولى “القائمة الرمادية” التي تضم الدول الخاضعة للمتابعة المشددة بسبب وجود أوجه قصور استراتيجية في أنظمتها، مع التزامها بتنفيذ خطّة إصلاح ضمن جدول زمني متفق عليه، والثانية “القائمة السوداء” التي تشمل الدول ذات المخاطر العالية التي تعاني من أوجه قصور جسيمة، وتدعو المجموعة إلى اتخاذ تدابير عناية واجبة معززة، وفي الحالات الأشد قد توصي بتطبيق إجراءات مضادة لحماية النظام المالي الدولي.
وتؤثر نتائج تقييمات المجموعة بصورة مباشرة في ثقة البنوك الدولية والمؤسسات المالية والمستثمرين، إذ تسهم درجة الامتثال لمعاييرها في تسهيل العلاقات المصرفية العابرة للحدود، وخفض تكاليف التحويلات والتمويل والتجارة الخارجية، بينما يؤدي ضعف الامتثال إلى زيادة إجراءات التدقيق وارتفاع كلفة التعاملات المالية الدولية.
وتدرج مجموعة العمل المالي الدولية سوريا حالياً ضمن “القائمة الرمادية” للدول الخاضعة للمتابعة المشددة، رغم إعلانها في عام 2014 استكمال سوريا خطّة العمل المتفق عليها من الناحية الفنية.
إلا أن المجموعة أوضحت أنها لم تتمكن من إجراء الزيارة الميدانية للتحقق من التطبيق الفعلي واستدامة الإصلاحات بسبب الوضع الأمني، وهو ما أبقى ملف سوريا مفتوحاً ضمن آلية المتابعة. ويُعد استكمال متطلبات المجموعة خطوة مهمة نحو تعزيز الثقة بالنظام المالي السوري وتسهيل عودته إلى المنظومة المالية الدولية.
انعكاسات اقتصادية
حول الانعكاسات الاقتصادية، توقع خليلو أن يؤدي تطبيق الاستراتيجية إلى تحسين البيئة الاستثمارية وجذب مزيد من رؤوس الأموال، ورجح أن ترتفع الاستثمارات الأجنبية المباشرة ورؤوس أموال السوريين المغتربين بنسبة تتراوح بين 10 و15 بالمئة في عدد من القطاعات.
كما رأى أنها ستسهم في دعم استقرار أسعار الصرف من خلال الحدّ من المضاربات غير المشروعة، وتنشيط الشراكات مع الشركات الإقليمية والدولية، وتشجيع المصارف على توسيع التمويل الموجه للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
في حين أوضح الدبس أن التطبيق الفعلي للاستراتيجية سيعزز ثقة المستثمرين، ويشجع رؤوس الأموال المشروعة على دخول السوق السورية ضمن بيئة مالية أكثر شفافية، كما سيحد من الظواهر المالية المشبوهة، ويعزز الثقة بالاقتصاد الوطني.
وشدد على أن الاستراتيجية ستسهم في تحقيق مكاسب اقتصادية، وتحسين البيئة الاستثمارية، وتعزيز الاستقرار المالي، بما يدعم التنمية الاقتصادية في سوريا.
مكافحة انتشار التسلح
وتناول الخبيران أهمية إدراج مكافحة انتشار التسلح ضمن الاستراتيجية الوطنية، باعتبارها أحد المحاور التي باتت تشكل جزءاً من المعايير الدولية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح.
وأوضح خليلو أن هذه الخطوة تعزز امتثال سوريا للقرارات الدولية والمعايير المحدثة لمجموعة العمل المالي، وتسهم في الحدّ من استغلال شبكات التجارة وشركات الواجهة في تمويل الأنشطة غير المشروعة، فضلاً عن تعزيز كفاءة الرقابة الجمركية وحماية سلاسل التوريد من مخاطر الاشتباه بالاستخدام المزدوج.
من جانبه، أشار الدبس إلى أن إدراج مكافحة انتشار التسلح ضمن الاستراتيجية يعود إلى ما يفرضه انتشار التسلح من أعباء اقتصادية كبيرة على الدول، فضلاً عن انعكاساته السلبية على الاستقرار النفسي والاجتماعي نتيجة استمرار أجواء التوتر واحتمالات النزاع.
وفي سياق الحديث عن متطلبات تنفيذ الاستراتيجية، أكد الخبيران أهمية الدعم الفني والشراكات الدولية في تعزيز قدرات المؤسسات الوطنية. ورأى خليلو أن التعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) سيشكل ركيزة أساسية في تنفيذ الاستراتيجية، من خلال تقديم الدعم الفني واللوجستي لتطوير البنية الرقمية لهيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتوفير برمجيات متخصصة، إلى جانب تأهيل الكوادر البشرية، ودعم مواءمة التشريعات الوطنية مع أحدث المعايير الدولية، وبناء قنوات للتعاون ونقل الخبرات مع المؤسسات الدولية.
من جانبه، اعتبر الدبس أن البرنامج سيسهم في نقل الخبرات الدولية، وتدريب الكوادر العاملة في المصارف والوزارات المعنية، إلى جانب دعم إعداد التشريعات وتوفير جزء من التمويل اللازم لتطوير منظومة مكافحة غسل الأموال.
تحديات التنفيذ
فيما يتعلق بالتحديات، أشار خليلو إلى أن اتساع حجم الاقتصاد غير الرسمي يشكل أحد أبرز العقبات أمام تنفيذ الاستراتيجية، إذ وفق تقديراته يمثل ما بين 70 و80 بالمئة من إجمالي النشاط الاقتصادي، ويعتمد بصورة كبيرة على التعاملات النقدية التي يصعب تتبعها. كما لفت إلى الفجوة التكنولوجية التي تعانيها المؤسسات المالية نتيجة نقص الأنظمة المتقدّمة لرصد العمليات المشبوهة، إضافة إلى محدودية الكوادر المؤهلة في مجال الامتثال المالي، واستمرار تأثير العقوبات الأحادية على إمكانيات الربط مع شبكات التحقق والتدقيق المالي الدولية.
من جانبه، أوضح الدبس أن أبرز التحديات تتمثل في ضعف البنية المصرفية والأنظمة الإلكترونية اللازمة لمراقبة الحوالات وحركة الأموال، إلى جانب الحاجة إلى تطوير البنية التشريعية والإدارية.
وأضاف أن ضعف الوعي المجتمعي بأهمية مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يشكل تحدياً آخر، مؤكداً ضرورة نشر ثقافة الالتزام بالإجراءات الرقابية لحماية الاقتصاد الوطني.
إخلاص علي
المصدر: الثورة السورية
