لعقود طويلة ظلت الأسواق الناشئة تعاني من عيب واضح، فقد كانت تُعرَّف كفئة أصول ذات معامل خاص بها تجاه معنويات المخاطرة العالمية، وعندما كانت شهية المخاطرة عالية، كانت الأموال تتدفق إليها بحثاً عن العوائد المرتفعة، بينما عندما كان الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يُشدد السياسة النقدية أو أي عامل آخر يُؤثر سلباً على معنويات السوق، كانت عملات الأسواق الناشئة تتراجع، وتتدفق رؤوس الأموال إلى الخارج.
ولذلك، فإنه وفقاً لهذا النموذج القديم، كان من المفترض أن تُؤدي صدمة الطاقة العالمية التي جاءت نتيجة لاشتعال الحرب في منطقة الشرق الأوسط إلى رد فعل مألوف في الأسواق الناشئة – وهو بيع واسع النطاق للعملات ورفع حاد لأسعار الفائدة.
لكن هذه المرة، يختار المستثمرون البقاء والمحافظة على استثماراتهم في فئة الأصول هذه. وعلى الرغم من أنه لا أحد حتى الآن يمكنه التنبؤ بمدة استمرار هذه الصدمة، فإنه لا يبدو أنها ستُؤثر على مسار تقارب الأسواق الناشئة مع الأسواق المتقدمة، ومن دلائل التغير الكبير في توقعات الأسواق الناشئة هو تحسن تصنيفاتها الائتمانية السيادية. وهناك ثلاثة أسباب رئيسية لهذا التحول:
أولاً: شهدت الأسواق الناشئة تحسناً ملحوظاً في أطرها الاقتصادية الكلية والسياسات المتبعة بها، فمنذ تسعينيات القرن الماضي، تحولت العديد من البنوك المركزية في هذه الأسواق من استهداف أسعار الصرف إلى استهداف التضخم، ولم تتردد في رفع أسعار الفائدة في أعقاب صدمة العرض التي أعقبت جائحة كوفيد19، على عكس البنوك المركزية في الأسواق المتقدمة التي اتخذت إجراءات صارمة في هذا الصدد.
وقد عزز هذا الأمر من مصداقيتها. وكما ذكر بوراك باسكرت من بنك بي إن بي باريبا في تقرير حديث: «إن توقعات التضخم، على الأقل مقارنة بتاريخها، أفضل حالاً في الأسواق الناشئة منها في الأسواق المتقدمة».
ثانياً: انخفض الاعتماد على الديون المقومة بالعملات الأجنبية. فقد وجّهت الأسواق الناشئة إصداراتها من الديون نحو العملات المحلية. وهذا يعني أن انخفاض قيمة عملة السوق الناشئة لا يُلحق ضرراً كبيراً بالميزانية العمومية للحكومة أو يُضعف قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الخارجية.
كما يُقلل هذا الإجراء من تعرضها لتدفقات رأس المال إلى الخارج عندما تسوء الأوضاع المالية. وقد أكد تقرير الاستقرار المالي العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي هذا الاتجاه في الأسواق الناشئة والحدودية في أكتوبر الماضي.
ثالثاً: عمّقت الأسواق الناشئة أسواقها المالية المحلية. وأكد باسكرت من بنك بي إن بي باريبا على مسألة تطور أسواق المشتقات المحلية، وهو ما يجعل سندات الأسواق الناشئة أكثر قابلية للتحوط بالنسبة للمستثمرين الأجانب، وهذا الأمر يحمي اقتصادات الأسواق الناشئة من تدفقات رؤوس الأموال الساخنة إلى الخارج التي شهدتها في الماضي.
ويمثل ذلك في الإجمال تحولاً جذرياً في مصير الأسواق الناشئة، لكن في المقابل هناك نظرة أقل تفاؤلاً ترتكز إلى انعكاس أداء الأسواق الناشئة على أداء الأسواق المتقدمة، وهي تشير إلى أن المسألة تتعلق جزئياً بتحسن أداء الأسواق الناشئة، وجزئياً بضعف أداء الأسواق المتقدمة.
دير ماكفادين
المصدر: فايننشال تايمز- ترجمة: البيان
