بعد سنوات من التعديلات المتفرقة والتشريعات المتداخلة والمصممة لمعالجة حالات فردية أو خدمة جهات محددة، وما انعكس ذلك من تفاوت في تطبيق القواعد الناظمة لحركة الاستيراد والتصدير، صدر المرسوم المتضمن القانون الجمركي الجديد ليعيد تنظيم الإطار القانوني لهذا القطاع، ضمن مسعى لتوحيد النصوص وتحديث الإجراءات بما ينسجم مع متطلبات الاقتصاد الوطني.
ويأتي القانون ضمن حزمة تنظيمية أوسع تهدف إلى إعادة هيكلة المنظومة الجمركية وتحديث أدواتها.
وأصدر السيد الرئيس أحمد الشرع، الإثنين، المرسوم رقم 109 لعام 2026، المتضمن قانوناً جديداً للجمارك، الذي يحل محل قانوني الجمارك رقم 37 و38 لعام 2006 وتعديلاتهما، مع إلغاء جميع النصوص التشريعية السابقة المخالفة لأحكامه.
كما أصدر الرئيس الشرع، الإثنين، المرسوم رقم 110 لعام 2026، الذي يتضمن جدول “التعرفة الجمركية المتناسقة”، على أن يبدأ العمل به اعتباراً من الأول من حزيران المقبل.
264 مادة
يتألف القانون الجديد للجمارك من 264 مادة موزعة على أبواب متعددة، تنظّم عمل إدارة الجمارك وآليات الاستيراد والتصدير والتعرفة الجمركية والإعفاءات والمخالفات وعقوبات التهريب، إضافة إلى صلاحيات الضابطة الجمركية والمحكمة المختصة.
وتشمل هذه الأبواب محاور عدة بينها التنظيم الإداري، ومهام إدارة الجمارك، وحقوق عامليها وواجباتهم، ومجال عمل الدوائر الجمركية، ومبادئ تطبيق التعرفة الجمركية، والتقييد والمنع، وعناصر تعريف البضائع من حيث المنشأ والمصدر والنوع والقيمة، إلى جانب الاستيراد والتصدير ومراحل التخليص الجمركي، والأوضاع المعلقة للرسوم، والملاحة الساحلية والنقل الداخلي، والإعفاءات، وبدلات الخدمات، وشركات التخليص الجمركي، والنطاق الجمركي، والقضايا الجمركية، وتوزيع الغرامات وقيم المصادرات.
ويمنح القانون إدارة الجمارك صفة مؤسسة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وترتبط برئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، على أن تتولى تنفيذ القوانين والأنظمة المتعلقة بالاستيراد والتصدير والمرور والتخزين، وتحصيل الرسوم والضرائب والغرامات، ومكافحة التهريب وضبط المخالفات، بما يسهم في حماية الاقتصاد الوطني.
وتتولى إدارة الجمارك، بموجب القانون، تنفيذ القوانين والأنظمة المتعلقة بالاستيراد والتصدير والعبور وسائر الأوضاع الجمركية، إلى جانب تنفيذ الاتفاقيات الدولية والعربية المصادق عليها من قبل الجمهورية العربية السورية، كما تتولى تحصيل إيرادات الخزينة العامة من الرسوم الجمركية وغيرها من الرسوم والضرائب والبدلات المترتبة على عمليات الاستيراد والتصدير والعبور، ومكافحة التهريب وما في حكمه وضبط المخالفات الجمركية المرتكبة وتحصيل الغرامات والرسوم المترتبة عليها، إضافة إلى المساهمة في حماية الحدود ودعم النظام العام وتقديم المؤازرة للجهات الرسمية الأخرى عند الحاجة، فضلاً عن اقتراح السياسات الاستراتيجية والخطط التطويرية للنهوض بعمل الجمارك.
الفلسفة الاقتصادية
يرى الخبير الاقتصادي فراس شعبو، أن قراءة أي قانون جمركي جديد يجب أن تتجاوز بنوده إلى فهم الفلسفة الاقتصادية التي تتبناها الدولة.
وأوضح شعبو لصحيفة “الثورة السورية” أن الدولة السورية تتجه اليوم نحو إعادة بناء النظام الجمركي وتوحيده، بعد سنوات طويلة من التشوهات والاستثناءات والتعديلات المتراكمة التي أفرزت تفسيرات وتأويلات متعددة، ما أدى إلى تضارب في التطبيق بين المعابر والمنافذ المختلفة.
كما أشار إلى أن تعدد التفسيرات سابقاً جعل تطبيق القانون خاضعاً للاجتهاد الشخصي والمزاج الإداري، الأمر الذي تسبب بارتفاع تكاليف التخليص الجمركي وانعكس بشكل مباشر على الأسعار.
وأضاف أن المشكلة الأساسية بالنسبة للمستثمر أو المستورد تتمثل في غياب القدرة على التنبؤ بقيمة الرسوم، مشدداً على أن وضوح الرسوم حتى إن كانت مرتفعة يسمح للتاجر بتسعير بضائعه وتنظيم أعماله، بينما يؤدي الغموض والتقديرات الشخصية إلى خلق بيئة طاردة للاستثمار.
واعتبر شعبو أن توحيد النصوص القانونية وتحديثها يمثل خطوة إيجابية، لما لذلك من دور في تسهيل عمليات التخليص الجمركي وتسريع الإجراءات وتنظيم عمليات الترانزيت وتحديث التعرفة الجمركية. كما لفت إلى أن الدولة بحاجة إلى موارد مالية كبيرة لإعادة بناء مؤسساتها، ما يفسر توسيع صلاحيات الجمارك وتنظيم عمليات الإدخال المؤقت والمناطق الحرة.
وشدد على أن القوانين الجمركية وحدها لا تكفي لحماية الاقتصاد أو دعم الصناعة، موضحاً أن أي عملية حماية اقتصادية حقيقية تحتاج إلى توفير طاقة منخفضة التكلفة، وتمويل صناعي، ونظام ضريبي داعم، واستقرار في السياسات الاقتصادية، إضافة إلى خفض تكاليف الإنتاج، بما يتيح للمنتج المحلي القدرة على منافسة المستوردات.
في ملف التهريب، لفت شعبو إلى أن سوريا عانت تاريخياً من انتشار التهريب عبر الحدود، متوقعاً أن تواجه الحكومة تحديات كبيرة مع “شبكات ولوبيات” التهريب المنتشرة على الحدود مع الأردن ولبنان وتركيا والعراق.
وأوضح أن ضعف الدولة خلال السنوات الماضية، وتعدد الجهات المسيطرة على المعابر، وغياب الرقابة التقنية، إضافة إلى الفساد وفوارق الأسعار الكبيرة، كلها عوامل جعلت التهريب سمة بارزة في الاقتصاد السوري خلال المرحلة السابقة.
ورأى أن القانون الجديد يمنح الضابطة الجمركية صلاحيات أوسع لمكافحة التهرّب الجمركي، وتنظيم العقوبات والملاحقات وضبط المخالفات، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الحد من التهريب يحتاج إلى تطبيق فعلي وأجهزة رقابية فعالة، وربط إلكتروني بين المعابر والمرافئ والمصرف المركزي والدوائر
الضريبية.
وأعرب شعبو عن أمله في أن يشكل القانون الجديد رسالة إيجابية للمستثمرين، عبر توحيد الرسوم الجمركية وتوضيح الإجراءات، بما يمكّن المستثمر من معرفة حجم الرسوم المطلوبة والمدة الزمنية اللازمة للتخليص الجمركي والمخاطر المحتملة، معتبراً أن ذلك يمثل عاملاً أساسياً في تحسين البيئة الاقتصادية السورية.
تشريع أكثر حداثة
رأى المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر مهند الزنبركجي، أن القانون الجمركي الجديد يأتي وسط تحولات اقتصادية واسعة، ما جعل الحاجة ملحّة إلى تشريع أكثر حداثة ووضوحاً، بعد سنوات طويلة من الاعتماد على نصوص متفرقة وتعديلات متعددة أوجدت حالة من التباين في التفسير والتطبيق.
واعتبر الزنبركجي أن القانون يمثل محاولة لإعادة تنظيم العمل الجمركي ضمن إطار قانوني موحد يواكب التطورات الاقتصادية والتجارية الحديثة، ويؤسس لبيئة أكثر استقراراً ووضوحاً في التعاملات الجمركية.
وأوضح الزنبركجي لصحيفة “الثورة السورية” أن من أبرز مزايا القانون الجديد مساهمته في تبسيط إجراءات إدخال البضائع ونقلها وتخليصها، بما من شأنه الحد من التعقيدات الإدارية والروتين الطويل الذي كان يتسبب في تأخير وصول المواد وارتفاع تكاليف النقل والتخزين.
وأضاف أن وضوح الإجراءات وسرعتها ينعكسان مباشرة على كفاءة الحركة التجارية، ويعززان قدرة الأسواق على تلبية احتياجاتها من المواد الأولية الأساسية، فضلاً عن تحسين بيئة الأعمال بشكل عام، إذ يبحث المستثمر والتاجر دائماً عن أنظمة واضحة وسريعة تقلل الوقت والتكاليف والمخاطر.
وأشار إلى أن القانون يحمل جانباً إيجابياً مهماً يتمثل في تقليص فرص الفساد والابتزاز الإداري، من خلال توحيد النصوص القانونية وتقليل مساحة الاجتهادات الشخصية في تفسير القوانين.
تحدّيات التطبيق
تحدث الزنبركجي عن التحديات المرتبطة بالتطبيق العملي للقانون، مشيراً إلى أن نجاح أي تشريع يعتمد على جودة النصوص القانونية، وأيضاً على قدرة المؤسسات على تنفيذها بكفاءة وعدالة.
وأوضح أن بعض المشكلات قد تستمر إذا لم يتم تطوير البنية الإدارية والتقنية للمنافذ الجمركية، أو في حال استمرار الروتين وضعف التنسيق بين الجهات المعنية، مؤكداً أن التحول الحقيقي يحتاج إلى تحديث شامل في آليات العمل والرقابة.
وعلى صعيد الاستثمار، توقع الزنبركجي أن يسهم القانون الجديد في تحسين البيئة الاستثمارية إذا نجح في تحقيق الاستقرار والوضوح في الإجراءات الجمركية، مبيناً أن المستثمر الخارجي يولي أهمية كبيرة لسرعة التخليص الجمركي ووضوح القوانين، لأن أي تعقيد أو غموض يؤدي إلى زيادة التكاليف وتقليل جاذبية السوق.
وأضاف أن وجود قانون حديث ومنظم قد يشجع على استقطاب مزيد من رؤوس الأموال والمشاريع، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية والصناعية والتجارية.
وشدد الزنبركجي على ضرورة اتخاذ إجراءات مكملة تضمن تحقيق التوازن بين الاستفادة من إيجابيات القانون وتقليل آثاره السلبية، وفي مقدمتها دعم الصناعة المحلية بالتوازي مع تسهيل الاستيراد، عبر تقديم حوافز حقيقية للمنتجين المحليين تشمل تخفيض تكاليف الطاقة والضرائب وتسهيل الحصول على التمويل.
كما دعا إلى فرض رقابة صارمة على البضائع المستوردة من حيث الجودة والمواصفات، بما يضمن حماية المستهلك والسوق المحلية.
وأكد أيضاً أهمية التوسع في اعتماد الأنظمة الإلكترونية الحديثة في العمل الجمركي، لما لها من دور في تقليل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمراجع، والحد من الفساد، ورفع سرعة الإنجاز ودقة العمل، إلى جانب ضرورة تدريب الكوادر الجمركية بشكل مستمر لضمان حسن تطبيق القانون وتحقيق العدالة في التعامل مع المخالفات.
إخلاص علي
المصدر: الثورة السورية
