مع التوسع المتسارع في استخدام التطبيقات المالية الرقمية في سوريا، برزت خلال الأشهر الماضية أساليب احتيال إلكتروني تستغل تطبيق “شام كاش“، أحد أكثر تطبيقات المحافظ الإلكترونية استخداماً، لاستدراج المستخدمين عبر وعود بأرباح سريعة وفرص عمل وهمية. وتعتمد هذه العمليات على بناء الثقة تدريجياً من خلال تحويلات مالية صغيرة وإيهام الضحايا بوجود عوائد حقيقية، قبل دفعهم إلى إيداع مبالغ مالية أكبر، ثم قطع التواصل معهم.
وفي هذا السياق، أكدت إدارة “شام كاش” لصحيفة “الثورة السورية” أن التطبيق لا يقدم أي خدمات استثمارية أو برامج أرباح أو تسويق شبكي، محذرة من التعامل مع أي جهات أو عروض تدّعي تحقيق أرباح مالية مقابل إيداعات أو اشتراكات، ومشددة على أن هذه الممارسات تندرج ضمن عمليات احتيال تستغل الثقة بالخدمات المالية الرقمية.
استراتيجية نفسية
بخلاف عمليات الاحتيال التقليدية المعروفة، يعتمد هذا النوع على “استراتيجية نفسية” تقوم على بناء الثقة تدريجياً تحت عنوان “العمل بدوام جزئي”، مستغلاً حاجة المواطنين لأي مصدر دخل إضافي، ما يجعل الضحية أكثر قابلية للتفاعل مع العروض المضللة.
وتبدأ عملية الاحتيال عادة برسائل عشوائية عبر تطبيقي “واتساب” أو “تلغرام”، أو من خلال إعلانات ممولة، أو عبر دعوات من أصدقاء وأقارب قد يكونون بدورهم ضحايا أيضاً.
ويعمل المحتالون على إقناع الضحية بأنه حصل على فرصة عمل عن بُعد أو مهمة إلكترونية بسيطة تدر دخلاً يومياً، بما يهيئ الأرضية للانتقال إلى مراحل لاحقة من الاستغلال.
في المرحلة الأولى، يُطلب من الضحية تنفيذ مهام تعتبر سهلة نسبياً مثل الإعجاب بمنشورات أو مشاهدة فيديوهات، وبعد إنهائها يرسل المحتالون مبالغ صغيرة حقيقية عبر “شام كاش” (200 أو 300 ليرة جديدة مثلاً).
وتهدف هذه التحويلات الحقيقية إلى كسب ثقة الضحية وإقناعه بجدية الفرصة. وبعد أيام من بناء الثقة، ينتقل المحتالون إلى المرحلة الثانية، حيث يطلبون من الضحية إيداع مبالغ مالية أكبر بحجة تفعيل حسابه أو رفع مستوى الربح أو الحصول على راتب شهري يصل في بعض الوعود إلى 120 ألف ليرة جديدة.
في إحدى الحالات التي اطلعت عليها صحيفة “الثورة السورية”، يطلب المحتالون، تحت مسمى “مشروع جماعي”، إيداع مبالغ تتراوح بين 18 ألفاً و92 ألف ليرة وفق ستة مستويات، مع وعود بإعادة المبلغ فوراً بعد إنهاء المهمة، مضافاً إليه أرباح تصل نسبتها إلى 50 بالمئة.
لكن بمجرد قيام الضحية بالإيداع، يتم قطع التواصل معه أو حظره نهائياً.
وتُعد إثباتات التحويل من أدوات الخداع المستخدمة، حيث تمتلك الشبكة قنوات متخصصة على “تلغرام” تُسمى قنوات الإثباتات أو إثباتات الدفع، وفيها تُنشر لقطات شاشة لعمليات التحويل الصغيرة التي يقومون بها للضحايا الجدد.
ويطلب المحتالون من الضحايا أنفسهم إرسال لقطات شاشة تُثبت وصول المبالغ الصغيرة إليهم، ثم يعمدون إلى نشر هذه اللقطات في القناة لإيهام الآخرين بأن النظام يعمل ويدفع فعلاً.
كما تُنشر لقطات لإيداعات كبيرة لتعزيز الوهم بوجود أرباح حقيقية وحركة مالية كبيرة داخل التطبيق.
ويعتمد هذا النمط من الاحتيال على توظيف الثقة المرتبطة بالتطبيقات المالية، واستهداف شرائح مختلفة من المستخدمين، خصوصاً الشباب وأصحاب الدخل المحدود، من خلال الاستفادة من الظروف الاقتصادية السائدة وتزايد الاعتماد على الخدمات الرقمية في المعاملات اليومية.
إجراءات “شام كاش”
تكمن خطورة هذه العمليات الاحتيالية في استغلال اسم تطبيق “شام كاش”، بما يمنحها انطباعاً بالمصداقية والتنظيم، في حين أن التحويلات الفعلية تتم بين حسابات تديرها الشبكة ذاتها.
وأكد مدير قسم التسويق والعلاقات العامة في “شام كاش”، محمد بسيكي، لصحيفة “الثورة السورية”، أن الشركة تتابع بشكل دقيق وجاد جميع المحاولات الاحتيالية التي تستغل اسم التطبيق وخدماته في تضليل المستخدمين.
وقال بسيكي إن الشركة تولي اهتماماً بالغاً لأي نشاطات أو محاولات احتيال تستغل اسم “شام كاش” أو خدمات التحويل المالي الرقمية بهدف استدراج المستخدمين إلى أنشطة غير قانونية، خاصة في ظل الانتشار الواسع للتطبيق واعتماده من قبل شريحة كبيرة من المواطنين في تعاملاتهم اليومية.
وأضاف أن الشركة، منذ ظهور هذا النوع من النشاطات المضللة، باشرت باتخاذ مجموعة واسعة من الإجراءات التقنية والتنظيمية والإعلامية، انطلاقاً من مسؤوليتها تجاه المستخدمين وحرصها على تعزيز الثقة في البيئة المالية الرقمية.
وأوضح أن الفريق المختص عمل على توثيق الحسابات والقنوات الرسمية لـ “شام كاش” على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، بهدف تمكين المستخدمين من التمييز بين الصفحات الرسمية والحسابات المزورة أو المنتحلة.
وأشار إلى أن الصفحة الرسمية على “فيسبوك” تم توثيقها بالفعل، مع الاستمرار في توثيق بقية القنوات، موضحاً أن الشركة نسقت مع الجهات المعنية لرصد ومتابعة عدد من الصفحات والحسابات الوهمية التي تستخدم اسم التطبيق وهويته البصرية بشكل مضلل، ما أسفر عن حذف وإيقاف العديد منها.
وفي إطار تعزيز الأمان داخل التطبيق، أكد أن “شام كاش” طورت إجراءات التحقق من الهوية وربط البيانات مع السجلات الرسمية في النفوس العامة، للحد من إنشاء الحسابات الوهمية، مشيراً إلى استمرار التنسيق مع الجهات المختصة بأمن المعلومات ومكافحة غسل الأموال لتعزيز الرقابة والحماية.
لا برامج أرباح في “شام كاش”
شدد بسيكي في تصريحه على أن “شام كاش” لا تقدم أي خدمات استثمارية أو برامج أرباح أو تسويق شبكي، وأن أي عرض يعد بأرباح أو رواتب شهرية مقابل إيداعات مالية لا يمت للتطبيق بصلة، ويعد شكلاً من أشكال الاحتيال الذي يحاول استغلال الثقة بالخدمات المالية الرقمية.
وأشار إلى أن الشركة ستواصل تنفيذ حملات توعوية مكثفة وإصدار تحذيرات دورية للمستخدمين، معتبراً أن رفع الوعي الرقمي والمالي جزء أساسي من مواجهة هذه الظاهرة، إلى جانب الإجراءات التقنية والتعاون مع الجهات الرسمية، لحماية المستخدمين وتعزيز بيئة مالية رقمية آمنة وموثوقة.
وحذر المواطنين من أي عرض يطلب منهم إيداع أموال تحت أي ذريعة للحصول على أرباح أكبر، مؤكداً أن هذا النوع من العروض احتيالي بدرجة كبيرة، وأن الربح الحقيقي لا يبدأ بطلب إيداع من المستخدم.
ما تطبيق “شام كاش”؟
يعد تطبيق “شام كاش” محفظة إلكترونية، تهدف إلى تسهيل المعاملات المالية الرقمية، ويتيح إيداع وسحب الأموال عبر شبكة من الوكلاء المعتمدين ومحال الصرافة في مختلف المحافظات السورية.
ويشهد التطبيق توسعاً متسارعاً على مستوى الخدمات المالية والإلكترونية في جميع المحافظات، مع أكثر من 4.2 ملايين مستخدم، وتنفيذ نحو مليوني عملية تحويل يومياً.
ويمثل “شام كاش” نظاماً مالياً متكاملاً يتيح للمستخدمين تنفيذ عمليات التحويل المالي والدفع الإلكتروني وتسديد الفواتير والرسوم الحكومية، إضافة إلى خدمات متعلقة بجوازات السفر والحج والعمرة والفعاليات التجارية والفنادق والمطاعم ومحطات الوقود والأسواق التجارية.
وأصبح “شام كاش” منصة معتمدة لتوطين الرواتب لعدد كبير من العاملين في القطاع العام، إضافة إلى توسع خدماته في القطاع الخاص والمنظمات والفعاليات التجارية.
ويعمل التطبيق حالياً عبر ستة مراكز رئيسية موزعة في دمشق وحلب واللاذقية وحمص وإدلب وسرمدا، مع خطة للتوسع في محافظات ومناطق إضافية خلال المرحلة المقبلة.
ونفت إدارة “شام كاش” اختراق التطبيق مؤخراً أو تسريب بيانات المستخدمين، مشيرة إلى توقف مؤقت للواجهة الإلكترونية المرتبطة بالدومين السابق نتيجة إجراءات مرتبطة بالعقوبات التقنية المفروضة على سوريا، قبل نقل التطبيق إلى نطاق سوري جديد “.sy”، وإعادة تشغيل الخدمات بشكل كامل دون أي تأثير على بيانات المستخدمين أو أرصدتهم المالية.
مجد عبيسي
المصدر: الثورة السورية
