فريق خاص بالبنتاغون لمواجهة هيمنة الصين على المعادن النادرة

زمن القراءة: 8 دقائق

من داخل مكتب كائن على بعد بضعة شوارع من البيت الأبيض، تقود مجموعة من المصرفيين السابقين في وول ستريت جهود البنتاغون لكسر قبضة الصين على المعادن النادرة الحيوية.

يسعى هؤلاء إلى بناء مصدر مستقل للعناصر الأرضية النادرة والمغناطيسات المستخدمة في كل شيء، من أفران الميكروويف إلى الصواريخ، تفادياً لتكرار ما حدث العام الماضي، حين اضطر الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى التراجع في حربه التجارية بعدما أوقفت الصين الإمدادات.

خطة أميركية لفك قبضة الصين على المعادن النادرة

يُعرف هذا الفريق داخل البنتاغون باسم “ديل تيم سيكس” (Deal Team Six)، تيمناً بوحدة المهام الخاصة النخبوية التابعة للبحرية الأميركية “سيل تيم سيكس” (Seal Team Six).

ويسابق الفريق الزمن لترتيب صفقات مبتكرة تشمل حصص ملكية بمليارات الدولارات، وضمانات طويلة الأجل للأسعار، والتزامات شراء، إلى جانب قروض وأدوات تمويلية أخرى.

وقال راش دوشي الذي تولى إدارة ملف الصين في مجلس الأمن القومي خلال إدارة جو بايدن: “نحن أمام حالة طوارئ قصوى”، مضيفاً: “ثمة شعور بأننا لم نعد نملك الوقت للتساؤل عمّا إذا كان من الأجدى تنفيذ ذلك عبر آليات السوق التقليدية”.

لطالما سعت الولايات المتحدة إلى كسر قبضة الصين على هذا القطاع الذي عملت بكين لعقود على ترسيخ هيمنتها عليه، لكن النتائج ظلت محدودة. وحتى أكثر التوقعات تفاؤلاً بشأن فريق البنتاغون الجديد تشير إلى أن رفع الإنتاج الأميركي لن يتحقق قبل نهاية العقد الحالي على الأقل.

ويمثل هذا الاندفاع نحو إبرام الصفقات تحولاً عن نهج العقد الماضي، حين ركزت واشنطن على تقييد الصادرات إلى الصين، وعرقلة صفقاتها داخل الولايات المتحدة، وملاحقة جواسيسها وقراصنتها الإلكترونيين.

ويخطط فريق البنتاغون، المعروف رسمياً باسم “وحدة الدفاع الاقتصادي”، لتطبيق هذا النهج الجديد على نقاط ضعف أخرى أيضاً، مثل كابلات البيانات البحرية والمواد الكيميائية الضرورية لصناعة الأدوية.

شبهات تضارب مصالح تلاحق صفقات البنتاغون

يُحذر بعض المسؤولين في القطاع من أن تهافت البنتاغون على إبرام الصفقات دفعه إلى دعم شركات غير مجرّبة، وتجاهل تضارب محتمل في المصالح ويرى هؤلاء أن الأهداف المطروحة غير واقعية، وأن النهج الحكومي الحالي يشجع الشركات على تضخيم قدراتها للحصول على التمويل.

وقال ديريك سيزرز، الزميل الأول في “معهد أميركان إنتربرايز” (American Enterprise Institute) المحافظ: إن إدارة ترمب “تكاد تعلن صراحةً أن قراراتها تُتخذ لتحقيق مكاسب مالية، لا لبناء سلاسل إمداد مستقلة”.

في المقابل، رفض البنتاغون هذه الاتهامات، وقال المتحدث باسمه شون بارنيل: “تحافظ وزارة الحرب على حياد صارم، مع إعطاء الأولوية للحلول التي تخدم المقاتلين بشكل مباشر”. وأضاف: “نعتمد آلية تدقيق صارمة لجميع الشركاء المحتملين، لضمان أن كل شركة قادرة فعلاً على الوفاء بالقدرات والوعود التي تروج لها”.

وقال فريق البنتاغون إنه يمتلك قدرة تمويلية تصل إلى 200 مليار دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة، لكن علامات استفهام لا تزال تحيط بمدى توافق إبرام الصفقات مع القوانين المنظمة لاستثمارات الحكومة.

وقال السيناتور الجمهوري روجر ويكر، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، خلال جلسة استماع في شباط الماضي: إن الإطار القانوني المُنظم لهذا النوع من صفقات الملكية لا يزال محدوداً للغاية، داعياً إلى تنسيق أوثق مع الكونغرس.

المعادن النادرة.. ورقة الصين في مواجهة أميركا

رغم استخدام العناصر الأرضية النادرة بكميات محدودة، فإنها تُعد مكوّناً أساسياً في صناعات تصل قيمتها المضافة إلى نحو 1.2 تريليون دولار، بحسب تقديرات “بلومبرغ إيكونوميكس”.

وتسعى الإدارة الأميركية إلى امتلاك القدرة على إنتاج ما يكفي من المغناطيسات لتغطية نصف الطلب العالمي بحلول 2030. وكانت الصين قد استحوذت على 94% من إنتاج مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة في 2024، وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية.

ورغم تأسيس وحدة الدفاع الاقتصادي في أبريل، فإن هذا التوجه بدأ منذ الأسابيع الأولى من الولاية الثانية لدونالد ترمب. وتعمل الوحدة، التي ترفع تقاريرها إلى نائب وزير الدفاع والملياردير المتخصص في الاستثمار المباشر ستيفن فاينبرغ، بالتنسيق مع جهات أخرى داخل وزارة الدفاع، إضافة إلى وزارة التجارة ومؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية، لترتيب هذه الصفقات.

عندما بدأت الصين العام الماضي تقييد إمدادات العناصر الأرضية النادرة والمغناطيسات رداً على الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، ظهرت التداعيات سريعاً، إذ حذّرت شركات صناعة السيارات وغيرها من كبار المستهلكين من اضطرارها إلى وقف الإنتاج.

ولم تُخفف بكين القيود إلا بعدما وافقت واشنطن على التراجع عن بعض الرسوم والقيود المفروضة على صادرات التكنولوجيا إلى الصين.

منذ ذلك الحين، تسارعت جهود الإدارة الأميركية لبناء سلسلة إمداد مستقلة للمغناطيسات الدائمة المصنوعة من العناصر الأرضية النادرة، بعيداً عن الصين.

صفقات ضخمة لبناء مغناطيسات بعيداً عن الصين

في يوليو، قاد فاينبرغ صفقة مع شركة “إم بي ماتيريالز” (MP Materials)، المنتج الوحيد للعناصر الأرضية النادرة في الولايات المتحدة. وتضمنت الصفقة استثماراً بالأسهم بقيمة 400 مليون دولار، في خطوة غير مسبوقة بتاريخ البنتاغون الحديث، تجعل الحكومة الأميركية أكبر مُساهم في الشركة.

كما وضع البنتاغون حداً أدنى لأسعار بعض منتجات الشركة من العناصر الأرضية النادرة، وضمن شراء كامل إنتاج المغناطيسات من منشأة جديدة لمدة عشر سنوات، سواء لصالح جهات دفاعية أو عملاء تجاريين.

وامتدت الصفقات اللاحقة التي لا يزال بعضها في مراحل أولية، من شركات أميركية متخصصة في تصنيع المغناطيسات إلى شركة برازيلية لتعدين العناصر الأرضية النادرة، جرى بيعها لاحقاً إلى شركة أميركية في صفقة بلغت قيمتها 2.8 مليار دولار.

ولضمان وجود طلب على المغناطيسات الجديدة غير الصينية، ضغط مسؤولون في الإدارة الأميركية على كبرى شركات صناعة السيارات في الولايات المتحدة لإبرام اتفاقات شراء مسبقة، رغم أن هذه الشركات لم تبدأ بعد إنتاج تلك المغناطيسات على نطاق تجاري واسع، بحسب أشخاص مطلعين على المحادثات.

استثمارات ترمب الابن تثير الجدل 

يتهم مُنتقدون البنتاغون بعدم التدقيق بالشكل الكافي في شبهات الفساد وتضارب المصالح، ويشيرون إلى أن شركة “سيربيروس كابيتال مانجمنت” (Cerberus Capital Management)، التي شارك فاينبرغ في تأسيسها، تُعد من أبرز المستثمرين في القطاعات نفسها التي يضخ فيها البنتاغون أموالاً واستثمارات.

كما يلفتون إلى أن دونالد ترمب الابن، نجل الرئيس الأميركي، شريك في شركة استثمرت في “فولكان إليمنتس” (Vulcan Elements)، التي أبرمت اتفاق قرض مشروط بقيمة 620 مليون دولار.

في المقابل، أكد المتحدث باسم البنتاغون أن فاينبرغ “رجل يتمتع بالنزاهة وتصرف وفق أعلى المعايير الأخلاقية طوال مسيرته المهنية”. وأضاف أنه تخلى عن حصصه في شركاته بعد توليه المنصب، امتثالاً لقواعد الأخلاقيات الفيدرالية.

بدوره، قال متحدث باسم دونالد ترمب الابن إنه مستثمر غير مباشر في “فولكان” عبر صندوق استثماري، و”لا يتواصل إطلاقاً مع الحكومة الفيدرالية نيابةً عن أي شركة يستثمر فيها أو يقدم لها المشورة”.

وقال شخص مطلع على طريقة تفكير البنتاغون: إن “وحدة الدفاع الاقتصادي” لم تكن على علم بحصة دونالد ترمب الابن عند إبرام الصفقة، لأن حجمها كان صغيراً بما لا يكفي لظهوره خلال عملية التدقيق. وأضاف أنه حتى لو كانت الوحدة على علم بها، فإن عدد الشركات العاملة في المجال الذي تنشط فيه “فولكان” محدود، ما يفرض على الوزارة التعامل مع واقع السوق كما هو.

وقال كريس كينيدي المحلل المتخصص في سياسات القوة الاقتصادية لدى “بلومبرغ إيكونوميكس”: إن هذه المشاريع “لا تستهدف فقط سد احتياجات قطاع الدفاع، بل دعم القاعدة الصناعية الأميركية ككل”، مُضيفاً أن تبني مثل هذا النهج “كان شبه مستحيل” في السابق.

المصدر: أرقام

آخر الأخبار