سنغافورة تحت الاختبار.. هل تبقى ملاذاً آمناً للشركات الصينية؟

زمن القراءة: 6 دقائق
سنغافورة

تثور الكثير من التساؤلات حول مستقبل الشركات الصينية في سنغافورة، وما إذا كانت البلاد ستظل ملاذاً آمناً للشركات الصينية أم لا، وذلك بعد التطورات التي حدثت لشركة “مانوس” الناشئة التي تتخذ من سنغافورة مقراً لها، حيث نجحت بكين في عرقلة صفقة استحواذ كانت تطمح لها شركة “ميتا” الأميركية.

وكانت شركة “مانوس” الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي قد نقلت مقرها الرئيس من الصين إلى سنغافورة العام الماضي، وذلك على غرار ما تقوم به مئات الشركات الأخرى التي تعتبر سنغافورة ملاذاً آمناً وبوابة للانطلاق نحو التوسع العالمي. ولكن بعد أقل من 12 شهراً، نجحت الصين في عرقلة استحواذ شركة “ميتا” الأميركية على “مانوس” مقابل ملياري دولار، بحجة أنها شركة صينية وتحتاج إلى موافقة بكين على أي صفقة.

وقال تقرير نشرته جريدة “فايننشال تايمز” البريطانية: إن هذه الخطوة تأتي في وقت حساس للعلاقات بين بكين وواشنطن، حيث يسعى الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تمديد الهدنة التجارية بينهما.

لكن الصحيفة أشارت إلى ما هو أهم من ذلك، وهو أن هذه الخطوة تثير تساؤلات حول ما إذا كانت سنغافورة لا تزال توفر مساراً مستداماً وملاذاً آمناً للشركات الصينية.

وإلى جانب كونها نقطة انطلاق إلى الأسواق العالمية، يرى البعض في الانتقال إلى سنغافورة وسيلة لإخفاء أصولهم وتجنب التدقيق الجيوسياسي في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين، وهي ممارسة تُعرف باسم “غسل سنغافورة”.

وقال إتش كيه بارك، رئيس قسم فحص الاستثمارات في شركة كرومبتون غلوبال للاستشارات المؤسسية ومقرها واشنطن: “بالنسبة للشركات الأجنبية الراغبة في شراء التكنولوجيا الصينية، يُعدّ هذا تذكيراً بأن تأسيس شركة في سنغافورة لم يعد بمثابة درع تنظيمي. إنه مجرد عنوان لا يزال يتطلب تدقيقاً أمنياً وطنياً للشركة المستهدفة”.

وتولي الحكومة حساسية بالغة تجاه وصف “تبييض سمعة سنغافورة” وكيفية استغلال الشركات لهذه الدولة، خاصةً وأن ذلك قد يُثير غضب اثنين من أقرب شركائها التجاريين، الصين والولايات المتحدة.

وفي عام 2024، صرّح رئيس الوزراء السابق لي هسين لونغ بأن الشركات مرحب بها لتأسيس أعمالها في الدولة المدينة (سنغافورة) شريطة أن تكون صريحة بشأن أصولها.

وقال: “إذا أتت الشركات الصينية، فهي شركات جيدة، فهي تخلق فرص عمل، وتدفع رواتب مجزية، وتجلب التكنولوجيا، وتفتح أسواقاً، فأنا أقول: تفضلوا. ولكن بالطبع، نود أن نعرف من أين أنتم وما هي خلفياتكم”.

وعبّر النائب السنغافوري المعارض أندريه لو عن حساسية نقل شركة “مانوس” خلال حديثه في البرلمان، قائلاً: “لا يسع المرء إلا أن يشعر بأن بيئة الأعمال في سنغافورة استُغلت انتهازياً لتحقيق أهداف معينة، ثم تُركت الآن جانباً”.

وتساءل لو: “هل لدى الحكومة أي اعتبارات لثني الشركات عن استخدام سنغافورة كغطاء، دون تحقيق أي فوائد للقوى العاملة السنغافورية؟”.

ومن وجهة نظر الولايات المتحدة، قال بارك: “كان نموذج تبييض العلاقات التجارية عبر سنغافورة يتداعى بالفعل قبل مانوس”.

وأضاف: “كانت هناك تساؤلات حول مدى استدامة المنطقة الرمادية لنقل الشركات، ليس بسبب الحكومة الصينية، بل بسبب تزايد التدقيق الأميركي في الشركات الموجودة في أي مكان لها صلات صينية مشبوهة”.

وعلى نطاق أوسع، لطالما جعل موقع سنغافورة كمركز أعمال عالمي محايد منها وجهة جذابة للشركات الصينية الساعية إلى ترسيخ وجودها الدولي.

وبينما تُعدّ هونغ كونغ نقطة انطلاق شائعة للشركات الصينية التي تحاول التوسع، فإن سنغافورة، التي تربطها علاقات تاريخية وعميقة بالصين، توفر بُعداً أكبر عن بكين ووصولاً عالمياً واسعاً، لا سيما فيما يتعلق بجذب رؤوس الأموال الأميركية، بحسب ما تؤكد “فايننشال تايمز”.

وفي العام الماضي، تفوقت الشركات الصينية على الشركات الأميركية بالاستثمار في سنغافورة، حيث استحوذت الصين على ما يزيد قليلًا عن نصف الأموال التي أنفقتها الشركات في سنغافورة على عملياتها التشغيلية العام الماضي، بزيادة عن 15% في العام السابق.

وقد رسّخت العديد من أكبر شركات التكنولوجيا الصينية وجوداً قوياً لها في سنغافورة، حيث تشغل شركة “بايت دانس”، المالكة لتطبيق “تيك توك” عدة طوابق في مبنى “وان رافلز كواي”، وهو مبنى مكاتب بارز في سنغافورة يعرض شعارها بشكل واضح. كما تستخدم شركة “شي إن”، المتخصصة في بيع الأزياء السريعة، سنغافورة كمركز لأعمالها العالمية، بعد أن تراجعت عن مسعى سابق لـ”إزالة الطابع الصيني” عن نفسها إثر ضغوط من الجهات التنظيمية الصينية.

وأشار محللون إلى أن المنافسة المحلية الشديدة وضعف الطلب يجبران المزيد من الشركات الصينية على التوجه نحو الخارج، ولا تزال سنغافورة تمثل الخطوة الطبيعية التالية للعديد منها.

وتجد الشركات التي تتجه إلى سنغافورة قطاعاً مزدهراً من المحامين وشركات الخدمات المهنية على استعداد لدعمها. وقد أنشأت بعض أكبر مكاتب المحاماة في الصين، فروعاً لها في سنغافورة لمساعدة مواطنيها.

وقال فنغ كو، رئيس قسم الاقتصاد في جامعة نانيانغ التكنولوجية بسنغافورة: “تُعد سنغافورة مكاناً مثالياً للعديد من الشركات الصينية للتوسع في الخارج، سواءً للوصول إلى الأسواق الدولية أو لتجنب الرسوم الجمركية الأميركية أو اللوائح المحلية الصينية المتعلقة بالتكنولوجيا”.

وقال فينغ: “يبدو أن استراتيجية (تبييض السمعة عبر سنغافورة) أكثر فعالية للشركات الصغيرة، لكنها أقل نجاحاً بالنسبة لعمالقة التكنولوجيا المعروفين”.

وأضاف ماتياس هندريكس، مستشار شركات الذكاء الاصطناعي المقيم في سنغافورة، أن تجربة مانوس قد تُثني الشركات الراسخة في قطاعات حساسة كالذكاء الاصطناعي والحوسبة، مع إمكانية قدوم شركات من قطاعات أخرى كالتجزئة والتكنولوجيا المالية.

المصدر: العربية Business

آخر الأخبار