حين تتحول التكلفة إلى عبء.. الكهرباء والإنترنت في سوريا بين الإصلاح الاقتصادي والضغط الاجتماعي

زمن القراءة: 19 دقائق
محمد الحلاق- نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية

العالم الاقتصادي- روعة غنم

في ظل تصاعد الضغوط المعيشية، وارتفاع تكاليف الخدمات الأساسية؛ يبرز ملف “رفع تعرفة الكهرباء وباقات الإنترنت” كأحد أكثر الملفات تأثيراً في الواقعين؛ الاقتصادي والاجتماعي في سوريا، نظراً لارتباطه المباشر بقدرة المواطن على تلبية احتياجاته اليومية واستمرارية النشاط الإنتاجي.

وبينما ترى بعض الجهات أن هذه الإجراءات تأتي في إطار: إصلاحات مالية، ومعالجة الاختلالات في قطاع الطاقة؛ يحذر خبراء من انعكاساتها على الاستقرار المعيشي، ولاسيما في ظل تباينها مع مستويات الدخل وارتفاع نسب الفاقد في الشبكة الكهربائية.

وفي هذا السياق، أجرت مجلة العالم الاقتصادي لقاءً مع السيد محمد الحلاق- نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية، للوقوف على أبعاد هذه السياسات وتداعياتها.

كيف تنعكس سياسات رفع تعرفة الكهرباء وباقات الإنترنت على الواقع المعيشي والإنتاجي، وما مدى قدرتها على تحقيق التوازن من دون الإضرار بالاستقرار الاجتماعي؟

يرى الخبير الاقتصادي أن مقاربة رفع الأسعار لا يمكن النظر إليها من زاوية مالية فقط، بل يجب التعامل معها ضمن إطار اجتماعي واقتصادي متكامل، مشيراً إلى أن “حجم الأعباء المعيشية- اليوم- تجاوز القدرة الاستيعابية لشريحة كبيرة من المواطنين، حيث حوّل المواطن من شخص قادر على تلبية احتياجاته إلى شخص عاجز أو مديون”، ويؤكد أن ارتفاع تكاليف الخدمات الأساسية لا ينعكس فقط على مستوى المعيشة، بل يمتد ليؤثر في السلوك الاقتصادي والاجتماعي، موضحاً أن “المواطن عندما يعجز عن الوفاء بالتزاماته قد يضطر إلى تقليص احتياجاته الأساسية أو الدخول في حالة عجز مالي متراكم”، بحيث يؤدي هذا الأمر إلى نقص القدرة على تقديم الحد الأدنى من التعليم والغذاء والكساء للأسرة.

وفيما يتعلق بآلية التسعير، يشير إلى أن هناك مقترحات قُدمّت من أجل  تحويل الفاتورة من شهرين إلى شهر، واعتماد شريحة أولى بحدود 600 كيلوواط مثلاً، مع زيادة تصاعدية في الشرائح الأعلى، لافتاً إلى أن “رفع التعرفة بشكل غير متوازن قد يؤدي إلى ضغط كبير على المواطن”، ويضيف أن الانتقال في الفاتورة من حدود 10 آلاف ليرة إلى ما بين 100 و150 ألف ليرة يمكن اعتباره ضمن حدود التحمّل النسبي، إلا أن وصولها إلى حدود مليون ليرة وأكثر يجعلها خارج قدرة شريحة واسعة من المواطنين، ما يدفعهم إلى العجز أو التهرب من الدفع، ويُحذّر من أن هذا الواقع قد يؤدي إلى نتائج عكسية، قائلاً: إن “تحويل المواطن من ملتزم إلى غير ملتزم، أو دفعه نحو سلوكيات غير قانونية، مثل سرقة الكهرباء، هو أحد أخطر النتائج غير المباشرة لسياسات غير متوازنة” ويشدد على ضرورة اعتماد مقاربة أكثر توازناً؛ تقوم على التفكير خارج الصندوق، بما يحقق العدالة بين: القدرة الشرائية للمواطن، وتكلفة الخدمة.

كيف يمكن معالجة مشكلة الفاقد الكهربائي في ظل رفع التعرفة، وما أثر ذلك في التزام المواطنين بالسداد؟

يوضح الخبير الاقتصادي أن الفاقد الكهربائي ينقسم إلى نوعين رئيسين: فاقد ناتج عن السرقات والتعديات على الشبكة، وآخر تقني مرتبط بالبنية التحتية كالهدر في الكابلات والشبكات، مشدداً على أن “معالجة هذا الملف تتطلب أولاً تحديد حجم الفاقد في كل منطقة بشكل دقيق، والتمييز بين الفاقد الناتج عن السرقات والفاقد الفني”، ويشير إلى أن نسب الفاقد الحالية مرتفعة، حيث “تتجاوز 40 إلى 45%، أي إنه عند توليد 100 ميغاواط يتم تحصيل قيمة ما بين 55 إلى 60 ميغاواطاً فقط”، وهو ما يعكس حجم الخلل في المنظومة الكهربائية، ويؤكد أن معالجة هذا الملف يجب أن تتم بالتوازي مع أي تعديل في التعرفة، لأن رفع الأسعار من دون ضبط الفاقد قد يؤدي إلى نتائج عكسية، موضحاً أن “امتناع شريحة من المواطنين عن الدفع نتيجة عدم القدرة المالية قد يزيد من حجم الفاقد بدل تخفيضه”.

ويشرح ذلك بالأرقام، قائلاً: “عندما كانت الفاتورة بحدود 10 آلاف ليرة وأصبحت بين 100 و150 ألف ليرة؛ يمكن اعتبار ذلك ضمن القدرة النسبية، لكن عندما تصل إلى حدود مليون ليرة فإنها تصبح غير قابلة للدفع لشريحة واسعة، ما يدفع إلى التهرب أو حتى سرقة الكهرباء”، ويضيف أن هذه النتيجة تشكل إشكالية خطيرة، لأن “السياسة السعرية حين تتحول إلى عبء غير محتمل، فإنها لا تحقق الهدف الأساسي منها، بل قد تؤدي إلى زيادة الفاقد”.

ويقترح الخبير اعتماد حلول تدريجية، من بينها إعادة تصميم الشرائح بحيث تكون الشريحة الأولى حتى 600 كيلوواط، مع رفع تدريجي ومنطقي لبقية الشرائح، إضافة إلى تعديل نظام الفوترة ليصبح شهرياً بدلاً من كل شهرين لتخفيف الضغط التراكمي على المواطنين، مع إمكانية استخدام العدادات مسبقة الدفع بقيم مقبولة تتناسب مع قدرة المستهلك، ويختتم بالتأكيد على أن “الهدف الأساسي يجب أن يكون خلق توازن بين القدرة المعيشية للمواطن وتكلفة الخدمة، بما يضمن: الاستدامة، وعدم دفع المواطن نحو العجز أو السلوك غير النظامي”.

إلى أي مدى انعكست تعرفة الكهرباء وباقات الإنترنت على القطاعين الصناعي والتجاري، من حيث التكلفة والإنتاج، وما طبيعة الأثر الحقيقي لهذه الزيادات؟

يوضح الخبير الاقتصادي أن تعرفة الكهرباء وباقات الإنترنت، من حيث تكلفة الإنتاج المباشرة داخل القطاع الصناعي أو التجاري، لم تتغير بشكل يمس جوهر العملية الإنتاجية بشكل مباشر؛ مع ضرورة النظر إلى الموضوع بقدر من الإنصاف في التقييم، ويؤكد أن الإشكالية الأساسية اليوم تكمن في تزايد الأعباء الناتجة عن النفقات الإدارية داخل بيئة العمل، مشيراً إلى أن هناك فرقاً واضحاً بين النفقة الإنتاجية المرتبطة بالاستهلاك الفعلي داخل المعمل أو المنشأة، وبين النفقة الإدارية التي تنعكس على كامل العمل والهيكل التشغيلي، ويشرح أن النفقة الإنتاجية تتعلق- مباشرة- بكمية الاستجرار الفعلي للكهرباء داخل العملية الإنتاجية، بينما النفقة الإدارية ترتبط بالتكاليف غير المباشرة التي تشمل العمالة والموظفين وتكلفة التشغيل العامة، والتي باتت تشكل ضغطاً كبيراً على القطاع الخاص، ويضيف أن المشكلة اليوم أن أصحاب العمل أصبحوا يتحملون أعباء إضافية تتعلق بموظفيهم، قائلاً: “قد لا يكون بوسعي كصاحب عمل أن أدعم موظفاً، خصوصاً إذا ارتفعت فاتورة كانت بحدود 50 ألف ليرة لتصل إلى ما بين 500 ألف أو مليون ليرة”.

ويشير إلى أن هذا الارتفاع في التكاليف لم يعد مرتبطاً فقط بالإنتاج، بل بات انعكاساً مباشراً لارتفاع النفقات الإدارية، ما يزيد الضغط على المؤسسات الاقتصادية، كما يلفت إلى أن نحو 80% إلى 85%، وفي بعض التقديرات 90% من المجتمع يعيش تحت خط الفقر، ما يجعل أي ارتفاع في تكاليف سبل العيش، من خبز وكهرباء وإنترنت ومحروقات،  ذا أثر مباشر في الواقع الاقتصادي والإنتاجي في آنٍ واحد، ويحذر من أن هذا الواقع يؤدي إلى انعكاسات سلبية على بيئة الإنتاج، إذ تتحول الزيادة في الأسعار، من عامل دعم للإنتاج إلى عامل ضغط على النفقات الإدارية داخل المؤسسات، ويختتم بالتأكيد على أهمية التمييز بين النفقات الإنتاجية والإدارية عند وضع السياسات الاقتصادية، لضمان عدم تحميل القطاع الخاص أعباء تتجاوز قدرته على الاستمرار.

هل يعاني الاقتصاد السوري من غياب سياسة اقتصادية واضحة وضعف في التنسيق بين الوزارات المعنية، وكيف ينعكس ذلك على القرارات الاقتصادية مثل تعرفة الكهرباء؟

يرى الخبير الاقتصادي أن الإشكالية الأساسية في الاقتصاد السوري لا تقتصر على القرارات الفردية، بل ترتبط بغياب سياسة اقتصادية شاملة وواضحة المعالم، إضافة إلى ضعف التنسيق والتكامل بين الوزارات المعنية بالملف الاقتصادي، ويؤكد أن القرارات الاقتصادية، ومنها قرار تعرفة الكهرباء، يجب ألا تُتخذ بمعزل عن بقية القطاعات، موضحاً أن “قرار الكهرباء هو قرار اقتصادي بامتياز، لكنه في الواقع يُتخذ- أحياناً- من قبل وزارة الطاقة أو الكهرباء من دون تشاور كافٍ مع بقية الوزارات أو الجهات الاقتصادية”، و لاسيما وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، التي تتابع بشكل مباشر الأسر الأكثر احتياجاً.

ويشير إلى أن أي سياسة تسعير يجب أن تستند إلى رؤية متكاملة تأخذ في الحسبان: حجم الهدر، النفقات، القدرة الشرائية، وآليات التحصيل، وليس فقط رفع الأسعار على المواطنين، مضيفاً أن “المسألة ليست مجرد تحميل المشتركين كامل العبء، بل يجب أن تكون هناك سياسة واضحة تحدد من يتحمل الجزء الأكبر ومن يتحمل الأقل”، ويشدد على أهمية تبني سياسات تدريجية في تعديل الأسعار، قائلاً: إن “الارتفاعات المفاجئة والشديدة ليست حلاً، بل يجب أن تكون هناك زيادات تدريجية ومدروسة؛ تراعي الاستهلاك؛ وتساعد في ترشيد الطلب”.

ويضيف: إن بعض الحكومات تعتمد نهج اقتصاد السوق، إلا أن هذا النهج يتطلب وضوحاً كاملاً في تطبيقه، موضحاً أنه “في حال كان التوجه اقتصاد سوق حر، فإن ذلك يعني تحرير أسعار (الكهرباء والمياه والإنترنت والمحروقات والخبز)، لكن مقابل ذلك يجب أن تكون هناك آلية واضحة للتعويض، بما يضمن الأثر الاجتماعي.

ويؤكد أن الحكومات لا يمكن أن تتخلى بالكامل عن مسؤولياتها، بل “يجب أن تتحمل جزءاً من الأعباء التي تراكمت خلال سنوات طويلة من الأزمات”، وفي جانب آخر، يشير إلى أن التغير في نمط الحياة له تأثير مباشر في الاقتصاد، مستشهداً بانتشار السيارات في السوق السورية، حيث يقدّر أن “حوالي 5 مليارات دولار هي قيمة السيارات التي دخلت خلال الفترة الماضية”، كما يوضح أن عدد السيارات التي دخلت يُقدّر بين 300 إلى 500 ألف سيارة، ما أدى إلى تغير كبير في أنماط الاستهلاك والإنفاق، ويضيف أن نحو 300 إلى 400 ألف مواطن قاموا بتأمين سياراتهم من خلال مدخراتهم أو عبر بيع الذهب أو اللجوء إلى الديون، ما خلق التزامات مالية إضافية على الأسر.

ويحذر من أن السيارة ليست مجرد أصل استهلاكي، بل تحمل نفقات مستمرة؛ تشمل: الصيانة، الاستهلاك، الحوادث، والتآكل، ما يزيد من الأعباء المالية على المواطن بشكل مستمر، ويؤكد أن تحميل هذا العدد الكبير من المواطنين (300 إلى 400 ألف أسرة تقريباً) أعباء إضافية في الوقت نفسه قد يخلق ضغطاً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً، ولاسيما في ظل وجود شريحة واسعة تعيش أصلاً تحت ضغط معيشي خانق، ويختتم بالتأكيد على ضرورة النظر إلى الاقتصاد من جميع الزوايا، وعدم اتخاذ قرارات بناءً على زاوية واحدة فقط، لأن تجاهل التداخل بين العوامل الاجتماعية والاقتصادية يؤدي إلى سياسات غير متوازنة، وتالياً أهمية التشاركية بين قطاع الأعمال والمجتمع الأهلي والحكومة حين اتخاذ أي قرار يمس المواطن بشكل مباشر.

كيف تؤثر تكاليف الكهرباء وباقات الإنترنت في تنافسية الإنتاج السوري، وما انعكاس ذلك على التصدير وجذب الاستثمارات؟

يوضح الخبير الاقتصادي أن التنافسية ترتبط- بشكل مباشر- بمستوى التكاليف، مشيراً إلى أن “أي ارتفاع في النفقات، سواء على مستوى الإنتاج أو التكلفة الإجمالية للعمل، يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكلفة المنتج النهائي، ما يُضعف القدرة التنافسية”، ويؤكد أن أحد أبرز التحديات يتمثل بمقارنة الواقع المحلي بدول الجوار، لافتاً إلى أن “أسعار الكهرباء في سوريا تُعد أعلى من بعض دول الجوار، في وقت تقدم فيه بعض هذه الدول حوافز كبيرة، تصل إلى منح كهرباء مجانية لمدة تصل إلى 5 سنوات للمشاريع الجديدة”.

ويضيف أن هذا الواقع يجعل بيئة الاستثمار أقل جذباً، قائلاً: إن “المستثمر بطبيعة الحال سيتجه إلى بيئة أكثر استقراراً وتنظيماً وتكلفة أقل”، ولاسيما في ظل وجود معوقات داخلية تتعلق بمرحلة التعافي الاقتصادي، وبالنسبة إلى جانب الإنتاج، يشير إلى أن نحو 90% من المواد الأولية الداخلة في العملية الإنتاجية مستوردة، ما يعني أن المنتج الصناعي يعتمد بشكل كبير على الدولار، موضحاً أن “الصناعة المحلية تضيف قيمة مضافة تتراوح بين 10% و20% و30%، وقد تكون أقل أو أكثر حسب القطاع، لكنها تبقى مرتبطة بالاستيراد”، ويؤكد أن التصدير يشكل الحلقة الأهم في استدامة العملية الإنتاجية، حيث إن “إيرادات التصدير تؤمن القطع الأجنبي اللازم لإعادة استيراد المواد الأولية، واستمرار دورة الإنتاج”.

ويشرح أن عناصر التنافسية في سوريا- تقليدياً- تقوم على عدة عوامل، أبرزها:

–        التكلفة العقارية.

–        أجور العمال.

–        تكلفة الطاقة (الكهرباء).

–        القدرة على التسويق والترويج.

–        القدرة على التصريف ووجود طلب مستقر.

ويشير إلى أن ضعف أي من هذه العناصر يؤثر مباشرة في القدرة التنافسية، ما يستدعي العمل على: تعزيز نقاط القوة، وتخفيف نقاط الضعف.

وفيما يتعلق بدور الدولة، يؤكد أهمية دعم الترويج الخارجي، قائلاً: إن “المعارض الدولية تلعب دوراً أساسياً في فتح أسواق جديدة، ويجب أن تكون دورية، بمعدل معرض كل شهر أو على الأقل بشكل منتظم سنوياً في عدة دول، مع مساهمة الدولة بجزء من تكاليفها للعارضين الوطنيين”، ويضيف أن هذا الدعم يسهم في تمكين المنتجين من دخول الأسواق الخارجية، ما يؤدي إلى زيادة الإنتاج والتصدير، وتالياً زيادة الإيرادات الضريبية، وخلق فرص عمل جديدة.

ويشدد على أن خلق فرص العمل هو الهدف الأهم، موضحاً أنه “إذا كان لدينا نحو مليون عاطل عن العمل، فإن توظيف 100 ألف شخص يعني تخفيف عبء بهذا الحجم عن الاقتصاد، ليصبح العدد 900 ألف بدلاً من مليون”، كما يدعو إلى اعتماد سياسات تدريجية لخفض البطالة، بمعدلات سنوية تتراوح بين 3% إلى 5%، محذراً من أن المشكلة تتفاقم “إذا ارتفعت البطالة من مليون إلى مليون و50 ألفاً ثم إلى مليون و100 ألف، حيث تتضخم ككرة ثلج وتؤثر سلباً في كل الجهود الاقتصادية”، ويختتم بالتأكيد على أن تعزيز التنافسية يتطلب رؤية متكاملة تربط بين: خفض التكاليف، دعم الإنتاج، تنشيط التصدير، وخلق فرص العمل؛ بما يضمن استدامة النمو الاقتصادي.

ما الانعكاسات الاجتماعية لسياسات رفع التعرفة، وكيف يمكن ربطها بالصورة الأوسع للاقتصاد السوري وبناء رأس المال البشري؟

يرى الخبير الاقتصادي أن الأثر الاجتماعي لرفع التعرفة يتجاوز البعد المالي، ليصل إلى بنية المجتمع نفسه، مشيراً إلى أن “الضغط الاقتصادي قد يحول المواطن من شخص ملتزم وقادر إلى شخص عاجز أمام أسرته ومحيطه، وهذه إشكالية كبيرة جداً”، ويؤكد أن فهم الواقع الاقتصادي في سوريا لا يمكن أن يتم من خلال جزئيات منفصلة، بل عبر قراءة شاملة تأخذ في الحسبان تراكم الأزمات، موضحاً أن “سوريا شهدت خلال السنوات الماضية تآكلاً في رؤوس الأموال، وخسارة في القوى العاملة، إضافة إلى هجرة الكفاءات والخبرات وفقدان أكثر من 2.5 مليون طفل من التعليم”.

ويضيف أن جزءاً من الأموال تعرض للتآكل نتيجة تقلبات سعر الصرف والسياسات التي انتهجها النظام المخلوع من منصات مالية و فرع الخطيب وسواها، إضافة إلى أموال مجمدة في الخارج، لا سيما في لبنان، حيث مضى نحو 7 سنوات من دون قدرة العديد من الفعاليات الاقتصادية على استردادها، ويشدد على أن رسم سياسة اقتصادية ناجحة يتطلب ربط كل هذه العوامل معاً، قائلاً: إن “السياسة الاقتصادية هي هوية ومنهج متكامل، وليست قرارات جزئية منفصلة”.

وفي سياق متصل، يلفت إلى أهمية تقييم الكفاءات الموجودة، داعياً إلى إجراء “دراسات قدرات للتنمية” لتحديد ما يمكن أن يقدمه كل فرد، وكيف يمكن توظيفه ضمن منظومة اقتصادية متكاملة، تقوم على مبدأ التكامل بين الاختصاصات، ويرى أن التوجه الصحيح يحتاج إلى وقت، لكن الأهم هو السير في الاتجاه الصحيح، محذراً من أن “بعض السياسات، ومنها ما يتعلق بالكهرباء، أعادت المجتمع الاقتصادي عدة خطوات إلى الوراء بدل التقدم”، ويضيف أن الحكومة تسعى لتحقيق توازن بين المدخلات والمخرجات في مؤسساتها، لكن تحقيق الوفورات يجب ألا يكون على حساب المواطن، مشيراً إلى إمكانية تعويض ذلك من مصادر أخرى كالإيرادات الضريبية أو الجمركية، أو سواها.

ويؤكد أن “الهدف يجب أن يكون تحقيق معادلة رابحة للجميع، Win Win Situation  ، مع ضرورة أن يكون المواطن هو الرابح الأساسي باعتباره الحلقة الأضعف”، ويقدم مثالاً على الأثر الاجتماعي المباشر، قائلاً: “عندما ترتفع الفاتورة من 10 أو 20 أو 30 ألف ليرة إلى نحو مليون ليرة، فإن هذا الفرق يُقتطع من نفقات أساسية كـ (التعليم أو الغذاء أو الطبابة أو الكساء،..) ، ما يخلق ضغطاً اجتماعياً خطيراً”.، ويحذر من تداعيات ذلك على الأمد الطويل، مشيراً إلى أن “عدد الأطفال قد يصل إلى نحو 5 ملايين، منهم حوالي 2.5 مليون خارج التعليم أو معرضون لذلك، وقد يرتفع العدد إلى 3 أو 4 ملايين في حال استمرار الضغوط”.

كما يلفت إلى أن هناك سنوياً نحو 500 ألف إلى مليون طفل يدخلون إلى المجتمع، ما يفرض تحدياً كبيراً في تأمين التعليم والتأهيل لهم، ويضيف أنه، في حال عدم معالجة هذه الفجوة، فإن “عدم تعليم حتى 100 ألف أو 200 ألف طفل سنوياً يعني انضمامهم إلى كتلة غير مؤهلة، ما يزيد من معدلات البطالة مستقبلاً”، ويشير إلى أن معالجة هذه الفئة يمكن أن تتم عبر التعليم أو من خلال إدماجهم في مهن وحرف لا تتطلب تعليماً أكاديمياً، لتفادي تحولهم إلى عبء اقتصادي واجتماعي، ويختتم بالتأكيد على أن “بناء اقتصاد قوي يتطلب الحفاظ على رأس المال البشري، من خلال دعم المواطن وتعزيز قدرته على الاستقرار، لأن أي ضغط مفرط عليه سينعكس سلباً على التنمية الاقتصادية على الأمد الطويل”.

في المحصلة

 لا يمكن فصل ملف” تعرفة الكهرباء وباقات الإنترنت” عن السياق الاقتصادي والاجتماعي الأوسع الذي تعيشه سوريا اليوم، فالقضية لم تعد مجرد أرقام أو تكاليف تشغيلية، بل باتت تمسّ- بشكل مباشر- استقرار المواطن وقدرته على الاستمرار، ما يفرض ضرورة إعادة النظر في آليات اتخاذ القرار الاقتصادي، ومن خلال هذا اللقاء، يتضح أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في معالجة العجز أو تقليص الفاقد، بل في تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وحماية النسيج الاجتماعي، بما يضمن عدم تحميل المواطن أعباءً تفوق طاقته.

كما تبرز الحاجة إلى تبني سياسات أكثر شمولاً وتشاركية، تأخذ في الحسبان ترابط الملفات الاقتصادية، من الطاقة إلى الإنتاج وسوق العمل، وصولاً إلى التعليم وبناء رأس المال البشري، وبين ضرورات الإصلاح وضغوط الواقع، يبقى الرهان على صياغة نهج اقتصادي مرن وعادل، يضع المواطن في صلب الأولويات، باعتباره الركيزة الأساسية لأي عملية تنموية مستدامة.

آخر الأخبار